الأولى : قوله تعالى : " من كان " كان زائدة{[8626]} ، ولهذا جزم بالجواب فقال : " نوف إليهم " قاله الفراء . وقال الزجاج : " من كان " في موضع جزم بالشرط ، وجوابه " نوف إليهم " أي من يكن يريد ، والأول في اللفظ ماضي والثاني مستقبل ، كما قال زهير :
ومن هاب أسباب المنية يلقها*** ولو رام أسباب السماء بِسُلَّمِ
واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقيل : نزلت في الكفار ، قاله الضحاك ، واختاره النحاس ، بدليل الآية التي بعدها " أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار " [ هود : 16 ] أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا ، بصحة الجسم ، وكثرة الرزق ، لكن لا حسنة له في الآخرة . وقد تقدم هذا المعنى في " براءة " {[8627]} مستوفى . وقيل : المراد بالآية المؤمنون ، أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم ينقص شيئا في الدنيا ، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا ، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) فالعبد إنما يعطي على وجه قصده ، وبحكم ضميره ، وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة . وقيل : هو لأهل الرياء ، وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء : ( صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك ) ثم قال : ( إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار ) . رواه أبو هريرة ، ثم بكى بكاء شديدا وقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها " وقرأ الآيتين ، خرجه مسلم [ في صحيحه ]{[8628]} بمعناه والترمذي أيضا . وقيل : الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى ، كان معه أصل إيمان أو لم يكن ، قاله مجاهد وميمون بن مهران ، وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى . وقال ميمون بن مهران : ليس أحد يعمل حسنة إلا وفي ثوابها ، فإن كان مسلما مخلصا وفي في الدنيا والآخرة ، وإن كان كافرا وفي الدنيا . وقيل : من كان يريد [ الدنيا ] بغزوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيها ، أي وفي أجر الغزاة ولم ينقص منها ، وهذا خصوص والصحيح العموم .
الثانية : قال بعض العلماء : معنى هذه الآية قوله عليه السلام : ( إنما الأعمال بالنيات ) وتدلك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان ، وتدل على أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة ، وهكذا كل ما كان في معناه .
الثالثة : ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة ، وكذلك الآية التي في " الشورى " " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها " {[8629]} [ الشورى : 20 ] الآية . وكذلك " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها{[8630]} " [ آل عمران : 145 ] قيدها وفسرها التي في " سبحان " " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد{[8631]} " [ الإسراء : 18 ] إلى قوله : " محظورا " [ الإسراء : 20 ] فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد والله سبحانه يحكم ما يريد ، وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ( في قوله : " من كان يريد الحياة الدنيا " أنها منسوخة بقوله : " من كان يريد العاجلة " ) [ الإسراء : 18 ] . والصحيح ما ذكرناه ، وأنه من باب الإطلاق والتقييد ، ومثله قوله : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان{[8632]} " [ البقرة : 186 ] فهذا ظاهره خبر عن إجابة كل داع دائما على كل حال ، وليس كذلك ؛ لقوله تعالى : " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء{[8633]} " [ الأنعام : 41 ] والنسخ في الأخبار لا يجوز ؛ لاستحالة تبدل الواجبات العقلية ، ولاستحالة الكذب على الله تعالى ، فأما الأخبار عن الأحكام الشرعية فيجوز نسخها على خلاف فيه ، على ما هو مذكور في الأصول ، ويأتي في " النحل " {[8634]} بيانه إن شاء الله تعالى .
ولما كان في هذا من الحث على الثبات على الإسلام والدخول فيه والوعيد على التقاعس عنه ما من حق السامع أن يبادر إليه ، وكان حق المسلم الإعراض عن الدنيا لسوء عاقبتها ، وكان أعظم الموانع للمشركين من التصديق ا ستيلاء أحوال الدنيا عليهم ، ولذلك تعنتوا بالكنز ، أشار إلى عواقب ذلك بقوله : { من كان يريد } أي بقصده وأعماله من الإحسان إلى الناس وغيره { الحياة الدنيا } أي ورضي بها مع دناءتها من الآخرة على علوها وشرفها { وزينتها } فأخلد إليها{[38973]} لحضورها ونسي ما يوجب الإعراض عنها من فنائها وكدرها{[38974]} { نوف } موصلين { إليهم أعمالهم } أي جزاءها { فيها } أي الدنيا بالجاه والمال ونحو ذلك { وهم فيها } أي{[38975]} في الأعمال أو الدنيا { لا يبخسون* } أي لا ينقص شيء من جزائهم فيها ، وأما أبدانهم وأرواحهم{[38976]} وأديانهم فكلها بخس في الدارين معاً ، وفي الجملتين بيان سبب حبس العذاب عنهم في مدة إمهالهم مع سوء أعمالهم .
قوله تعالى : { من كان يريد الحياة الدنيا وزنتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون 15 أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون } { من كان } ، جملة شرط في محل جزم وجوابه { نوف إليهم } واختلف المفسرون في تأويل هذه الآية .
فقد قيل : نزلت في الكافرين ؛ فهم لا ينوون بأعمالهم إلا الدنيا وزينتها ، وقيل : نزلت في المنافقين وأهل الرياء ، وقيل غير ذلك . والصواب أن هذه الآية عامة في كل ما يبتغي بعمله غير الله ، سواء كان كافرا أو منافقا أو مرائيا ؛ فأيما امرئ قصد بعمله غير الله فلا يجزي مقابله الثواب في الآخرة . وإنما يجزي في الدنيا حظه من زينة الحياة وطيب العيش فيها وحسن الصحة وجزيل الثناء من الناس ، لكنه في الآخرة محروم خاسر ، وذلك كالشرك الذي يصل الأرحام ويعطي السائلين ويرحم المضطرين والمكروبين ويغيث الملهوفين والمحتاجين وغير ذلك من صالح الأعمال ، فإن الله يعجل له ثواب عمله في الدنيا ؛ إذ يوسع عليه في الرزق ، ويقر عينه بما أعطاه ، ويدفع عنه من المكاره ما يعدل ما بذله من خير ومعروف ، وهو في الآخرة ما له من نصيب . وكذلك المنافقون والمراؤون الذين لا يبتغون بأعمالهم إلا الدنيا وزينتها وزخرفها وحسن الثناء فيها والإطراء ؛ فإنهم يعطون من زينة الدنيا ما يتمتعون به وينعمون . { وهم فيها لا يبخسون } أي لا ينقصون من نعيمها ومتاعها شيئا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.