الأولى : لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين ، فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد ، وكانت مصر لها أربعة أبواب ، وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلا لرجل واحد ، وكانوا أهل جمال وكمال وبسطة ، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم .
الثانية : إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرز من العين ، والعين حق ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر ) . وفي تعوذه عليه السلام : ( أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ) ما يدل على ذلك .
وروى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول : اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرّار{[9195]} فنزع جبة كانت عليه ، وعامر بن ربيعة ينظر ، قال : وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة : ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء ! فوُعك سهل مكانه واشتد وعكه ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أن سهلا وُعك ، وأنه غير رائح معك يا رسول الله ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر ، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم : ( علام يقتل أحدكم أخاه ألا بَرَّكْتَ{[9196]} إن العين حق توضأ له ) فتوضأ عامر ، فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس ، في رواية ( اغتسل ) فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صب عليه ، فراح سهل مع رسول{[9197]} الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس . وركب سعد بن أبي وقاص يوما فنظرت إليه امرأة فقالت : إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكَشْحَين ، فرجع إلى منزله فسقط ، فبلغه ما قالت المرأة ، فأرسل إليها فغسلت له ، ففي هذين الحديثين أن العين حق ، وأنها تقتل كما قال النبي{[9198]} صلى الله عليه وسلم ، وهذا قول علماء الأمة ، ومذهب ، أهل السنة ، وقد أنكرته طوائف من المبتدعة ، وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمة ، وبما يشاهد من ذلك في الوجود ، فكم من رجل أدخلته العين القبر ، وكم من جمل ظهير أدخلته القدر ، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال : " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله{[9199]} " [ البقرة : 102 ] . قال الأصمعي : رأيت رجلا عيونا سمع بقرة تحلب فأعجبه شَخْبها فقال : أيتهن هذه ؟ فقالوا : الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها ، فهلكتا جميعا ، المورَى بها والمورَى عنها . قال الأصمعي . وسمعته يقول : إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني .
الثالثة : واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يبرك ، فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة ، ألا ترى قوله عليه السلام لعامر : ( ألا بركت ) فدل على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا برك العائن ، وأنها إنما تعدو إذا لم يبرك . والتبريك أن يقول : تبارك الله أحسن الخالقين ! اللهم بارك فيه .
الرابعة : العائن إذا أصاب بعينه ولم يبرك فإنه يؤمر بالاغتسال ، ويجبر على ذلك إن أباه ؛ لأن الأمر على الوجوب ، لا سيما هذا{[9200]} ، فإنه قد يخاف على المعين الهلاك ، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو ، ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه .
الخامسة : من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعا لضرره ، وقد قال بعض العلماء : يأمره الإمام بلزوم بيته ، وإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به ، ويكف أذاه عن الناس . وقد قيل : إنه يُنفى ، وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال ، فإنه عليه السلام لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي ، بل قد يكون الرجل الصالح عائنا ، وأنه لا يقدح فيه ولا يفسق به ، ومن قال : يحبس ويؤمر بلزوم بيته . فذلك احتياط ودفع ضرر ، والله أعلم .
السادسة : روى مالك عن حميد بن قيس المكي أنه قال : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما : ( ما لي أراهما ضارعين{[9201]} ) فقالت حاضنتهما : يا رسول الله ! إنه تسرع إليهما العين ، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر سبقته العين ) . وهذا الحديث منقطع ، ولكنه محفوظ لأسماء بنت عميس الخثعمية عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة متصلة صحاح ، وفيه أن الرقي مما يستدفع به البلاء ، وأن العين تؤثر في الإنسان وتضرعه ، أي تضعفه وتنحله ، وذلك بقضاء الله تعالى وقدره . ويقال : إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار ، والله أعلم .
السابعة : أمر صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة العائن بالاغتسال للمعين ، وأمر هنا بالاسترقاء ، قال علماؤنا : إنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن ، وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء على حديث أبي أمامة ، والله أعلم .
قوله تعالى : { وما أغني عنكم من الله من شيء } أي من شيء أحذره عليكم ؛ أي لا ينفع الحذر مع القدر . { إن الحكم إلا لله } أي الأمر والقضاء لله . { عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون } أي اعتمدت ووثقت . { وعليه فليتوكل المتوكلون } .
ولما سمح لهم بخروجه معهم ، أتبع تعالى ذلك الخبر عن أمره لهم بالاحتياط من المصائب لأنهم أحد عشر رجلاً إخوة أهل جمال وبسطة ، وكانوا قد شهروا{[42109]} عند المصريين بعض الشهرة ، بسبب ما دار بينهم وبين يوسف عليه الصلاة والسلام من الكلام في المرة الأولى ، فكانوا{[42110]} مظنة لأن ترمقهم{[42111]} الأبصار ويشار إليهم بالأصابع ، فيصابوا بالعين ، ولم يوصهم في المرة الأولى ، لأنهم كانوا مجهولين ، مع شغل الناس بما هم فيه من القحط ، فقال حكاية عنه : { وقال } أي يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه عندما أرادوا السفر : { يابني } محذراً{[42112]} لهم من شر الحسد والعين - { لا تدخلوا } إذا قدمتم إلى مصر { من باب واحد } من أبوابها ؛ والواحد على الإطلاق : الذي لا ينقسم ، وأما المقيد بإجرائه على موصوف كباب واحد ، فهو ما لا ينقسم في معنى ذلك الموصوف { وادخلوا من أبواب } واحترز{[42113]} من أن تكون{[42114]} متلاصقة أو متقاربة جداً ، فقال : { متفرقة } أي تفرقاً كبيراً ، وهذا حكم التكليف لئلا يصابوا{[42115]} بالعين - كما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وقتادة والضحاك والسدي ، فإن العين حق ، وهي من قدر الله ، وقد ورد شرعنا بذلك ، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " العين حق " وفي رواية عند أحمد وابن ماجه{[42116]} : " يحضرها الشيطان وحسد{[42117]} ابن آدم " ولمسلم{[42118]} والترمذي{[42119]} والنسائي{[42120]} عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته{[42121]} العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا " ولأبي نعيم{[42122]} في الحلية عن جابر رضي الله عنه أن النبي قال : " إن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر " ولأبي داود عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وإنها لتدرك الفارس فتدعثره{[42123]} " ولأحمد والترمذي عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن النبي{[42124]} صلى الله عليه وسلم قال : " لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين " قال الإمام الرازي : ومنشأ إصابة العين توهم النفس الخبيثة هلاك من تصيبه . وقد تقدم معنى ذلك{[42125]} في رواية أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مع انضمام حضور الشيطان ، وهذا الاحتياط من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها ، لأنها من القدر ، لا من من باب التحرز من القدر ، كما روى{[42126]} مسلم{[42127]} وأحمد{[42128]} وابن ماجه{[42129]} عن أبي هريرة رضي الله عنه{[42130]} أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من الضعيف ، وفي كل خير احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن " لو " تفتح عمل الشيطان{[42131]} "
معناه - والله أعلم : افعل فعل{[42132]} الأقوياء ، ولا تفعل فعل العجزة ، وذلك بأن تنعم{[42133]} النظر ، تمعن في التأمل{[42134]} وتتأنى ، حتى تعلم المصادر والموارد ، فلا{[42135]} تدع شيئاً يحتمل أن ينفعك في الأمر الذي أنت مقبل عليه ولا{[42136]} يضرك إلا فعلته ، ولا تدع أمراً يمكن أن يضرك إلا تركته واحترزت{[42137]} منه جهدك ، فإنك إذا فعلت ذلك وأتى أمر من عند الله بخلاف مرادك كنت جديراً بأن لا تقول في نفسك : لو أني فعلت كذا{[42138]} ، فإنك لم تترك شيئاً ، وأما إذا فعلت فعل العجزة ، وتركت الجزم{[42139]} فما أوشك أن تؤتى من قبل ترك الأسباب ، فما أقربك إلى أن تقول ما يفتح عمل الشيطان من{[42140]} " لو " .
ولما خاف أن يسبق من{[42141]} أمره هذا إلى{[42142]} بعض الأوهام أن الحذر يغني من{[42143]} القدر ، نفى ذلك مبيناً أنه لم يقصد غير تعاطي الأسباب على ما أمر الله وأن الأمر بعد ذلك إليه : إن شاء سبب عن الأسباب مسبباتها ، وإن شاء أبطل تلك الأسباب وأقام أسباباً تضادها ويتأثر عنها المحذور{[42144]} ، فقال : { وما أغني } أي أجزى وأسد{[42145]} وأنوب { عنكم من الله } أي بعض أمر الملك الأعظم ، وعمم{[42146]} النفي فقال : { من شيء } أي إن أراد بكم ، سوء{[42147]} كنتم مفترقين أو مجتمعين ، وهذا حكم التقدير ، ثم علل ذلك بقوله : { إن } أي ما { الحكم } وهو فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة { إلا الله } أي الذي له الأمر كله ، لا يقدر أحد سواه على التفصي عن شيء من مراده والفرار من شيء من قدره ، ولهذا المعنى - وهو أنه لا ينفع أصلاً سبب إلا بالله - أنزل الله التسمية مقرونة بهاء السبب أول كتابه ، وأمر بها أول كل شيء ؛ وروى أبو نعيم في الحلية{[42148]} في ترجمة إمامنا الشافعي بسنده إليه ثم إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب{[42149]} الناس يوماً فقال في خطبته : وأعجب ما في الإنسان قلبه ، ولو مواد من الحكمة وأضداد من خلافها ، فإن سنح له الرجاء أولهه{[42150]} الطمع . وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس{[42151]} قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ وإن ناله الخوف شغله الحزن ، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع ، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى ، وإن عضته{[42152]} فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع{[42153]} قعد به{[42154]} الضعف{[42155]} ، {[42156]} وإن أفرط به الشبع كظته البطنة{[42157]} ، فكل تقصير به مضر{[42158]} . وكل إفراط له{[42159]} مفسد . قال : فقام{[42160]} إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل ، فقال : يا أمير المؤمنين ؟ أخبرنا{[42161]} عن القدر ، فقال : بحر عميق فلا تلجه ، فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال بيت مظلم فلا تدخله ، فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال{[42162]} : سر الله فلا تتكلفه{[42163]} ، فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال : أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين ، {[42164]} لا جبر ولا تفويض ، فقال{[42165]} : يا أمير المؤمنين !{[42166]} إن فلاناً يقول بالاستطاعة وهو حاضرك ، فقال : عليّ به ! فأقاموه ، فلما رآه سل من سيفه قدر أربع أصابع فقال : الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله ؟ وإياك أن تقول أحدهما فترتد فأضرب{[42167]} عنقك ! فقال : فما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال{[42168]} : قل : أملكها بالله الذي إن شاء ملكنيها .
وسيأتي إن شاء الله تعالى{[42169]} في سورة الحج عند
{ إن الله يفعل ما يشاء{[42170]} }[ الحج : 18 ] ما يتصل بهذا .
ولما قصر{[42171]} الأمر كله{[42172]} عليه سبحانه ، وجب رد كل أمر إليه ، وقصر النظر عليه ، فقال منبهاً على ذلك : { عليه } أي على الله وحده الذي ليس الحكم إلا له { توكلت } أي جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعله{[42173]} { وعليه } أي وحده { فليتوكل المتوكلون * } أي الثابتون في باب التوكل ، فإن ذلك من أعظم الواجبات ، من فعله فاز ، ومن أغفله خاب ،
وقوله تعالى : { وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ 67 وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ 68 وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .
لما أراد بنو يعقوب الخروج إلى مصر ليتماروا الطعام قال لهم أبوهم يعقوب : لا تدخلوا مصر من طريق واحد بل ادخلوا من طرق مختلفة ، ذلك أنهم كانوا أحد عشر رجلا لرجل واحد . وكانوا أولي جمال وهيبة وبسطة ؛ فخشي يعقوب عليهم العين إذا دخلوا جميعا من طريق واحد .
ويستدل من ذلك أن يتحرر المسلم على نفسه وولده وماله من العين ، فإنها حق . وفي الخبر : ( إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر ) ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من العين : ( أعوذ بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة ) إلى غير ذلك من الأدلة على أن العين حق ، هو قول علماء الأمة ومذهب أهل السنة . يضاف إلى ذلك الاستشهاد على حقيقة العين بما يقع من ذلك وما نشاهده في الوجود ؛ فكم من رجل ذي هيبة وهيئة وبهاء ، أو ذي مال وفضل ونعمة ، أزلقته العين إزلاقا ، فهلك في نفسه أو ولده ، أو أحيط بماله وما يملك . وكم من امرأة ذات حسن وجمال وكمال نشبت فيها عيون الحاسدين التي تنظر وترمق في حسد لئيم قاتل ، فأودت بها إلى الموت أو دونه من العلل والأسقام ؛ إنه حقيق بكل مسلم يتقي الله ويخشاه أن يحب إخوته المسلمين جميعا ؛ فيجب لهم الخير والهناء والسعادة ، ويكره لهم الشر والضرر والمكاره ، وأن يدعو لهم دائما بالخير والبركة إذا رأى فيهم وجها من وجوه النعمة من مال أو جمال أو هيبة أو مكانة أو عافية أو غير ذلك من وجوه النعمة ؛ فلا يرى المسلم شيئا من ذلك حتى يبادر دون وناء أو إبطاء بالدعاء : ( ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله ، تبارك الله أحسن الخالقين ، اللهم بارك فيه ) .
قوله : { وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ } أي لا أستطيع دفع شيء عنكم من قضاء الله المكتوب ؛ فقضاء الله نافذ في خلقه ، ولا ترده قوى الكون مجتمعة . ومما هو معلوم في هذا الصدد أنه لا يغني حذر من قدر .
قوله : { إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } أي ليس الأمر والقضاء إلا بيد الله دون أحد سواه ؛ فقد توكلت عليه ، وفوضت أمري كله إليه ، ووثقت به في حفظكم ورعايتكم وردكم سالمين معافين { وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } فليتوكل المؤمنون على ربهم وليفوضوا أمرهم كله إليه ، وليثقوا بتوفيقه وحفظه ؛ فغنه يكتب السلامة والنجاة لبعاده المؤمنين المخلصين المتوكلين .