أي لكن من استرق السمع ، أي الخطفة اليسيرة ، فهو استثناء منقطع . وقيل : هو متصل ، أي إلا ممن استرق السماع . أي : حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره ، إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي ، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئا ؛ لقوله : " إنهم عن السمع لمعزولون{[9617]} " [ الشعراء : 212 ] . وإذا استمع الشياطين إلى شيء ليس بوحي فإنهم يقذفونه إلى الكهنة في أسرع من طرفة عين ، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم{[9618]} ، ذكره الحسن وابن عباس .
قوله تعالى : " فأتبعه شهاب مبين " أتبعه : أدركه ولحقه . شهاب : كوكب مضيء . وكذلك شهاب ثاقب . وقوله : " بشهاب قبس{[9619]} " [ النمل : 7 ] بشعلة نار في رأس عود ؛ قاله ابن عزيز . وقال ذو الرمة :
كأنه كوكب في إثر عِفْرِيَةٍ{[9620]} *** مسوَّمٌ في سواد الليل مُنْقَضِبُ
وسمي الكوكب شهابا لبريقه ، يشبه النار . وقيل : شهاب لشعلة من نار ، قبس لأهل الأرض ، فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقت كما إذا أحرقت النار لم تعد ، بخلاف الكوكب فإنه إذا أحرق عاد إلى مكانه . قال ابن عباس : تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع فينفرد المارد منها فيعلو ، فيرمى بالشهاب فيصيب جبهته أو أنفه أو ما شاء الله فيلتهب ، فيأتي أصحابه وهو يلتهب فيقول : إنه كان من الأمر كذا وكذا ، فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليها تسعا ، فيحدثون بها أهل الأرض ، الكلمة حق والتسع باطل . فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان صدقوهم بكل ما جاؤوا به من كذبهم . وسيأتي هذا المعنى مرفوعا في سورة " سبأ{[9621]} " إن شاء الله تعالى .
واختلف في الشهاب هل يَقْتُلُ أم لا ؟ فقال ابن عباس : الشهاب يجرح ويُحرق ويُخْبِل ولا يقتل . وقال الحسن وطائفة : يقتل ، فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان : أحدهما : أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم ، فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء ، ولذلك انقطعت الكهانة . والثاني : أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن ؛ ولذلك ما يعودون إلى استراقه ، ولو لم يصل لانقطع الاستراق وانقطع الإحراق ، ذكره الماوردي .
قلت : والقول الأول أصح على ما يأتي بيانه في " الصافات " . واختلف هل كان رمي بالشهب قبل المبعث ، فقال الأكثرون نعم . وقيل لا ، وإنما ذلك بعد المبعث . وسيأتي بيان هذه المسألة في سورة " الجن " {[9622]} إن شاء الله تعالى . وفي " الصافات " أيضا . قال الزجاج : والرمي بالشهب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم مما حدث بعد مولده ؛ لأن الشعراء في القديم لم يذكروه في أشعارهم ، ولم يشبهوا الشيء السريع به كما شبهوا بالبرق وبالسيل . ولا يبعد أن يقال : انقضاض الكواكب كان في قديم الزمان ولكنه لم يكن رجوما للشياطين ، ثم صار رجوما حين ولد النبي صلى الله عليه وسلم . وقال العلماء : نحن نرى انقضاض الكواكب ، فيجوز أن يكون ذلك كما نرى ثم يصير نارا إذا أدرك الشيطان . ويجوز أن يقال : يرمون بشعلة من نار من الهوى فيخيل إلينا أنه نجم سرى . والشهاب في اللغة النار الساطعة . وذكر أبو داود عن عامر الشعبي قال : لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجمت الشياطين بنجوم لم تكن ترجم بها قبل ، فأتوا عبد ياليل بن عمرو الثقفي فقالوا : إن الناس قد فزعوا وقد أعتقوا رقيقهم وسيبوا أنعامهم لما رأوا في النجوم . فقال لهم - وكان رجلا أعمى - : لا تعجلوا ، وانظروا فإن كانت النجوم التي تعرف فهي عند فناء الناس ، وإن كانت لا تعرف فهي من حدث . فنظروا فإذا هي نجوم لا تعرف ، فقالوا : هذا من حدث . فلم يلبثوا حتى سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم .
{ إلا من استرق السمع } منهم فإنا لم نرد تمام الحفظ منه { فأتبعه } أي تبعه تبع من هو حاث لنفسه سائق لها { شهاب } وهو عمود من نور يمتد بشدة ضيائه كالنار { مبين * } يراه من فيه أهلية الرؤية حين يرجم به ؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : " إذا قضي الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله ، كأنه سلسلة على صفوان ينفذه ذلك ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال : الحق وهو العلي الكبير ، فيسمعها مسترقي السمع ومسترقو السمع ، هكذا واحد فوق آخر - ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابعه اليمنى ، نصبها بعضها فوق بعض - فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى بلغوها إلى الأرض "
، وربما قال سفيان : حتى ينتهي إلى الأرض ، فتلقى على فم الساحر فيكذب معها مائة كذبة فيصدق فيقولون : ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقاً للكلمة التي سمعت من السماء . قال المفسرون رضي الله عنهم : كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات فيلقون ما يسمعون منها إلى الكهنة ، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات ، فلما ولد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم منعوا من السماوات كلها هكذا رأيت ولد ولعله " بعث " فإن في الصحيح أن الذي منعهم نزول القرآن .
قوله : { إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين } ( من ) ، في موضع نصب على الاستثناء{[2440]} ؛ أي السماء محفوظة من الشياطين أن تسمع شيئا من الوحي وغيره إلا من استرق السمع ( فاتبعه شهاب مبين ) أي أدركه ولحقه شهاب وهو شعلة نار ساطعة . و ( مبين ) أي ظاهر للمبصرين ، أو يبين أثره في الشيطان إما بإفساده أو بإحراقه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.