" وجعلنا لكم فيها معايش " يعني المطاعم والمشارب التي يعيشون بها ؛ واحدها معيشة ( بسكون الياء ) . ومنه قول جرير :
تكلفني مَعِيشة آل زيد *** ومن لي بالمرقَّق والصِّنَابِ{[9627]}
والأصل معيشة على مفعلة ( بتحريك الياء ) . وقد تقدم في الأعراف{[9628]} . وقيل : إنها الملابس ، قاله الحسن . وقيل : إنها التصرف في أسباب الرزق مدة الحياة . قال الماوردي : وهو الظاهر . " ومن لستم له برازقين " يريد الدواب والأنعام ، قاله مجاهد . وعنده أيضا هم العبيد والأولاد الذين قال الله فيهم : " نحن نرزقهم وإياكم{[9629]} " [ الإسراء : 31 ] ولفظ " من " يجوز أن يتناول العبيد والدواب إذا اجتمعوا ؛ لأنه إذا اجتمع من يعقل وما لا يعقل ، غلب من يعقل . أي جعلنا لكم فيها معايش وعبيدا وإماء ودواب وأولادا نرزقهم ولا ترزقونهم . ف " من " على هذا التأويل في موضع نصب ، قال معناه مجاهد وغيره . وقيل : أراد به الوحش . قال سعيد : قرأ علينا منصور " ومن لستم له برازقين " قال : الوحش . ف " من " على هذا تكون لما لا يعقل ، مثل " فمنهم من يمشي على بطنه{[9630]} " [ النور : 45 ] الآية . وهي في محل خفض عطفا على الكاف والميم في قوله : " لكم " . وفيه قبح عند البصريين ، فإنه لا يجوز عندهم عطف الظاهر على المضمر إلا بإعادة حرف الجر ، مثل مررت به وبزيد . ولا يجوز مررت به وزيد إلا في الشعر . كما قال :
فاليوم قَرَّبت تهجونا وتشتمنا *** فاذهب فما بك والأيامِ من عَجَبِ
وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " {[9631]} وسورة " النساء{[9632]} " .
{ وجعلنا لكم } أي إنعاماً منا عليكم { فيها معايش } وهي بياء صريحة من غير مد ، جمع معيشة ، وهي ما يحصل به العيش من المطاعم والملابس والمعادن وغيرها { ومن لستم } أي أيها الأقوياء الرؤساء { له برازقين * } مثلكم في ذلك ، جعلنا له فيها معايش من العيال والخدم وسائر الحيوانات التي تنتفعون بها وإن ظننتم أنكم ترزقونهم ، فإن ذلك باطل لأنكم لا تقدرون على رزق أنفسكم فكيف بغيركم ؟
قوله : ( وجعلنا لكم فيها معايش ) المعايش جمع ، ومفرده : المعيشة . وهي المطعم والمشرب الذي يعاش به ؛ فقد ذلل الله الأرض للإنسان وجعلها صالحة لمعاشه فيجني منها في سهولة ويسر ما يحتاجه من طعام وشراب ولباس ومأوى . ذلك من نعم الله على الإنسان ؛ إذ خلقه على هذا الكوكب وذلّل فيه من أسباب العيش السليم ما يجد فيه راحته وأمنه في هذه الدنيا إلى أن تحين ساعة الفراق بالموت والرحيل إلى دار البقاء .
قوله : ( ومن لستم له برازقين ) ( من ) ، يجوز أن تكون في موضع نصب ورفع . فالنصب بالعطف على قوله : ( معايش ) وقيل : منصوب بتقدير فعل وتقديره : جعلنا لكم فيها معايش وأعشنا من لستم له برازقين .
أما الرفع : فهو الابتداء ، وخبره محذوف{[2444]} . والمراد بمن لستم له برازقين : الدواب والأنعام والأولاد . ولفظ ( مَنِ ) ، يتناول من يعقل وما لا يعقل إذا اجتمعوا . والمعنى : أن الله جعل للناس في هذه الأرض معايش ولمن ليسوا له برازقين من العيال والدواب والأنعام والخدم وغيرهم ممن لا يرزقهم سوى الله{[2445]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.