الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا} (32)

قوله تعالى : " واضرب لهم مثلا رجلين " هذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين ، وهو متصل بقوله " واصبر نفسك " [ الكهف : 28 ] . واختلف في اسم هذين الرجلين وتعيينهما ، فقال الكلبي : نزلت في أخوين من أهل مكة مخزوميين ، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم . والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد ، وهما الأخوان المذكوران في سورة " الصافات " في قوله " قال قائل منهم إني كان لي قرين{[10525]} " [ الصافات : 51 ] ، ورث كل واحد منهما أربعة آلاف دينار ، فأنفق أحدهما مال في سبيل الله وطلب من أخيه شيئا فقال ما قال . . . ؛ ذكره الثعلبي والقشيري . وقيل : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأهل مكة . وقيل : هو مثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر . وقيل : هو مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وصهيب وأصحابه ، شبههم الله برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا ، في قول ابن عباس . وقال مقاتل : اسمه تمليخا . والآخر كافر واسمه قرطوش . وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة الصافات . وكذا ذكر محمد بن الحسن المقرئ قال : اسم الخَيِّر منهما تمليخا ، والآخر قرطوش ، وأنهما كانا شريكين ثم اقتسما المال فصار لكل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار ، فاشترى المؤمن منهما عبيدا بألف وأعتقهم ، وبالألف الثانية ثيابا فكسا العراة ، وبالألف الثالثة طعاما فأطعم الجوع ، وبنى أيضا مساجد ، وفعل خيرا . وأما الآخر فنكح بماله نساء ذوات يسار ، واشترى دواب وبقرا فاستنتجها فنمت له نماء مفرطا ، واتَّجَر بباقيها فربح حتى فاق أهل زمانه غنى ، وأدركت الأول الحاجة ، فأراد أن يستخدم{[10526]} نفسه في جنة يخدمها فقال : لو ذهبت لشريكي وصاحبي فسألته أن يستخدمني في بعض جناته رجوت أن يكون ذلك أصلح بي ، فجاءه فلم يكد يصل إليه من غلظ الحجاب ، فلما دخل عليه وعرفه وسأله حاجته قال له : ألم أكن قاسمتك المال نصفين فما صنعت بمالك ؟ . قال : اشتريت به من الله تعالى ما هو خير منه وأبقى . فقال . أإنك لمن المصدقين ، ما أظن الساعة قائمة وما أراك إلا سفيها ، وما جزاؤك عندي على سفاهتك إلا الحرمان ، أو ما ترى ما صنعت أنا بمالي حتى آل إلى ما تراه من الثروة وحسن الحال ، وذلك أني كسبت وسفهت أنت ، اخرج عني . ثم كان من قصة هذا الغني ما ذكره الله تعالى في القرآن من الإحاطة بثمره وذهابها أصلا بما أرسل عليها من السماء من الحسبان . وقد ذكر الثعلبي هذه القصة بلفظ آخر ، والمعنى متقارب .

قال عطاء : كانا شريكين لهما ثمانية آلاف دينار . وقيل : ورثاه من أبيهما وكانا أخوين فاقتسماها ، فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار{[10527]} ، فقال صاحبه : اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار وإني اشتريت منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بها ، ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال : اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار وإني اشتري منك دارا في الجنة بألف دينار ، فتصدق بها ، ثم تزوج امرأة فأنفق عليها ألف دينار ، فقال : اللهم إن فلانا تزوج امرأة بألف دينار وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار ، فتصدق بألف دينار . ثم اشترى خدما ومتاعا بألف دينار ، وإني أشتري منك خدما ومتاعا من الجنة بألف دينار ، فتصدق بألف دينار . ثم أصابته حاجة شديدة فقال : لعل صاحبي ينالني معروفه فأتاه فقال : ما فعل مالك ؟ فأخبره قصته فقال : وإنك لمن المصدقين{[10528]} بهذا الحديث والله لا أعطيك شيئا ثم قال له : أنت تعبد إله السماء ، وأنا لا أعبد إلا صنما ، فقال صاحبه : والله لأعظنه ، فوعظه وذكره وخوفه . فقال : سر بنا نصطد السمك ، فمن صاد أكثر فهو على حق ، فقال له : يا أخي إن الدنيا أحقر عند الله من أن يجعلها ثوابا لمحسن أو عقابا لكافر . قال : فأكرهه على الخروج معه ، فابتلاهما الله ، فجعل الكافر يرمي شبكته ويسمي باسم صنمه ، فتطلع متدفقة سمكا . وجعل المؤمن يرمي شبكته ويسمي باسم الله فلا يطلع له فيها شيء ، فقال له : كيف ترى أنا أكثر منك في الدنيا نصيبا ومنزلة ونفرا ، كذلك أكون أفضل منك في الآخرة إن كان ما تقول بزعمك حقا . قال : فضج الملك الموكل بهما ، فأمر الله تعالى جبريل أن يأخذه فيذهب به إلى الجنان فيريه منازل المؤمن فيها ، فلما رأى ما أعد الله له قال : وعزتك لا يضره ما ناله من الدنيا بعد ما يكون مصيره إلى هذا ، وأراه منازل الكافر في جهنم فقال : وعزتك لا ينفعه ما أصابه من الدنيا بعد أن يكون مصيره إلى هذا . ثم إن الله تعالى توفى المؤمن وأهلك الكافر بعذاب من عنده ، فلما استقر المؤمن في الجنة ورأى ما أعد الله له أقبل هو وأصحابه يتساءلون ، فقال : " إني كان لي قرين . يقول أإنك لمن المصدقين " [ الصافات : 51 ] الآية ؛ فنادى مناد : يا أهل الجنة هل أنتم مطلعون فاطلع إلى جهنم فرآه في سواء الجحيم ، فنزلت " واضرب لهم مثلا " .

بين الله تعالى حال الأخوين في الدنيا في هذه السورة ، وبين حالهما في الآخرة في سورة " الصافات " في قول " إني كان لي قرين . يقول أإنك لمن المصدقين - إلى قوله - لمثل هذا فليعمل العاملون " [ الصافات : 51 ] . قال ابن عطية : وذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه في عجائب البلاد أن بحيرة تنيس كانت هاتين الجنتين ، وكانتا لأخوين فباع أحدهما نصيبه من الآخر فأنفق في طاعة الله حتى عيره الآخر ، وجرت بينهما المحاورة فغرقها الله تعالى في ليلة ، وإياها عني بهذه الآية . وقد قيل : إن هذا مثل ضربه الله تعالى لهذه الأمة ، وليس بخبر عن حال متقدمة ، لتزهد في الدنيا وترغب في الآخرة ، وجعله زجرا وإنذارا ؛ ذكره الماوردي . وسياق الآية يدل على خلاف هذا ، والله أعلم .

قوله تعالى : " وحففناهما بنخل " أي أطفناهما من جوانبهما بنخل . والحفاف الجانب ، وجمعه أحفة ، ويقال : حف القوم بفلان يحفون حفا ، أي طافوا به ، ومنه " حافين من حول العرش " {[10529]} [ الزمر : 75 ] . " وجعلنا بينهما زرعا " أي جعلنا حول الأعناب النخل ، ووسط الأعناب الزرع .


[10525]:راجع جـ 15 ص 81 فما بعد.
[10526]:في جـ و ي : يستأجر.
[10527]:من جـ وي.
[10528]:راجع جـ 15 ص 81 فما بعد.
[10529]:راجع جـ 15 ص 284 فما بعد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا} (32)

ولما كان إنما محط حال المشركين العاجل ، وكان قد تقدم قولهم

{ أو يكون لك جنة من نخيل وعنب }[ الإسراء : 91 ] الآية ، وقوله تعالى :

{ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها }[ الكهف :7 ] الآية ، وقوله تعالى : في حق فقراء{[46191]} المؤمنين الذين تقذروهم{[46192]}

{ ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا }[ الكهف : 28 ] الآية واستمر إلى أن ختم بأن جنات المؤمنين عظيم حسنها من جهة الارتفاق ، عطف على قوله تعالى

{ وقل الحق من ربكم }[ الكهف : 29 ] قوله تعالى كاشفاً بضرب المثل أن ما فيه الكفار من الارتفاق العاجل ليس أهلاً لأن يفتخر به لأنه إلى زوال{[46193]} : { واضرب لهم } أي لهؤلاء{[46194]} الضعفاء {[46195]}والمتجبرين الذين يستكبرون على المؤمنين ، ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم : { مثلاً } لما آتاهم الله من زينة الحياة الدنيا ، فاعتمدوا عليهم وركنوا إليه ولم يشكروا{[46196]} من آتاهم إياه عليه ، بل أداهم إلى الافتقار والتكبر على من زوى ذلك عنه{[46197]} إكراماً له وصيانة عنه { رجلين } فكأنه قيل : فما{[46198]} مثلهما ؟ فقيل : { جعلنا } {[46199]}أي بما لنا من العظمة{[46200]} { لأحدهما } {[46201]}وهو المجعول مثلاً لهم{[46202]} { جنتين }{[46203]} أي بساتين يستر ما فيهما{[46204]} من الأشجار من يدخلهما على أي وضع من الأوضاع كانتا ، ومن جملة الأوضاع أن تكون إحداهما في السهل والأخرى في الجبل ، ليبعد عموم عاهة لهما لأنها إما من برد أو حر { من أعناب } لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر ، {[46205]}وهي فاكهة وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها{[46206]} { وحففناهما } {[46207]}أي حطناهما بعظمتنا{[46208]} { بنخل } لأنها من{[46209]} أشجار البلاد الحارة ، وتصبر على البرد ، وربما منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات ، {[46210]}وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت بالتمر والخل فكأن النخل كالإكليل من وراء العنب ، وهو{[46211]} مما يؤثره الدهاقين لأنه في غاية البهجة والمنفعة { وجعلنا بينهما } أي أرضي{[46212]} الجنتين { زرعاً * } لبعد شمول الآفة للكل ، لأن زمان {[46213]}الزرع ومكانه غير زمان{[46214]} أثمار الشجر المقدم ومكانه ، {[46215]}وذلك هو العمدة في القوت ، فكانت الجنتان أرضاً جامعة لخير الفواكه وأفضل الأقوات ، وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ويفصل بينها ، مع سعة الأطراف ، وتباعد الأكناف ، وحسن الهيئات والأوصاف{[46216]} .


[46191]:من مد، وفي الأصل وظ: فقر.
[46192]:من ظ ومد وفي الأصل: يقذروهم.
[46193]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46194]:من ظ ومد، وفي الأصل: أحوال.
[46195]:سقط من ظ.
[46196]:من ظ وفي الأصل ومد: لم يشركوا.
[46197]:زيد من ظ ومد.
[46198]:من مد وفي الأصل وظ: ما.
[46199]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46200]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46201]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46202]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46203]:العبارة من هنا إلى "من يدخلهما" ساقطة من ظ.
[46204]:من مد، وفي الأصل وظ: بينهما.
[46205]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46206]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46207]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46208]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46209]:زيد من ظ ومد.
[46210]:العبارة من هنا إلى "البهجة والمنفعة" ساقطة من ظ.
[46211]:زيد من مد.
[46212]:من مد، وفي الأصل وظ: أرض.
[46213]:تكرر في مد.
[46214]:تكرر في مد.
[46215]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46216]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا} (32)

قوله تعالى : { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا ( 32 ) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا ( 33 ) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ( 34 ) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا ( 35 ) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ( 36 ) } .

هذا مثل ضربه الله للمؤمنين والكافرين ليكون عظة وذكرى لمن يدّكر أو يعتبر ؛ فقد مثّل الله حال الفريقين بحال رجلين جعل لأحدهما جنتين ؛ أي بساتين من أعناب وقد حفت بهما أشجار النخل الباسقة من كل الجهات زيادة في الجمال وحسن المنظر . وهو قوله : ( واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا ) ( وحففناهما ) ، أي أطفنا بهما من جوانبهما . حف القوم بفلان وحفوا به ، أي أطافوا به واستداروا كقوله سبحانه : ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ) حفّه بالشيء كما يحف الهودج بالثياب{[2812]} . والمعنى : رزقنا أحدهما بساتين من كروم وجعلنا النخل حافا بهما ؛ أي محيطا بكهما من كل الجوانب ( وجعلنا بينهما زرعا ) أي جعلنا وسط الأعناب في البساتين زروعا لتكتمل الجنتان في حسنهما ووافر عطائهما .


[2812]:- مختار الصحاح ص 145.