الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا} (29)

فيه خمس مسائل :

الأولى- قوله تعالى : " فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا "

التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام ، ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت ب " إني نذرت للرحمن صوما " وإنما ورد بأنها أشارت ، فيقوى بهذا قول من قال : إن أمرها ب " قولي " إنما أريد به الإشارة . ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا : استخفافها بنا أشد علينا من زناها ، ثم قالوا لها على جهة التقرير " كيف نكلم من كان في المهد صبيا " و " كان " هنا ليس يراد بها الماضي{[10829]} ؛ لأن كل واحد قد كان في المهد صبيا ، وإنما هي في معنى هو [ الآن{[10830]} ] . وقال أبو عبيدة : ( كان ) هنا لغو ، كما قال{[10831]} :

وجِيرانٍ لنا كانوا كرامٍ

وقيل : هي بمعنى الوجود والحدوث كقوله : " وإن كان ذو عسرة " {[10832]} وقد تقدم . وقال ابن الأنباري : لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت " صبيا " ولا أن يقال " كان " بمعنى حدث ؛ لأنه لو كانت بمعنى الحدوث والوقوع لاستغنى فيه عن الخبر ، تقول : كان الحرُّ وتكتفي به . والصحيح أن " من " في معنى الجزاء و " كان " بمعنى يكن ، التقدير : من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه ؟ ! كما تقول : كيف أعطي من كان لا يقبل عطية ، أي من يكن لا يقبل . والماضي قد يذكر بمعنى المستقبل في الجزاء ، كقوله تعالى " تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار " {[10833]} أي إن يشأ يجعل . وتقول : من كان إلي منه إحسان كان إليه مني مثله ، أي من يكن منه إلي إحسان يكن إليه مني مثله . " والمهد " قيل : كان سريرا كالمهد وقيل " المهد " ههنا حجر الأم . وقيل : المعنى كيف نكلم من كان سبيله أن ينوم في المهد لصغره .


[10829]:في جـ و ك: المعنى.
[10830]:الزيادة من كتب التفسير.
[10831]:هو الفرزدق، وصدر البيت: * فكيف إذا رأيت ديار قوم *
[10832]:راجع جـ 3 ص 371.
[10833]:راجع جـ 13 ص 6.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا} (29)

{ فأشارت } امتثالاً لما أمرت به { إليه{[48099]} } أي عيسى ليكلموه فيجيب عنها{[48100]} { قالوا كيف نكلم } يا مريم { من كان في المهد } أي قبيل إشارتك { صبياً * } لم يبلغ سن هذا{[48101]} الكلام ، الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل الأنبياء{[48102]} والتعبير ب " كان " يدل على أنه حين{[48103]} الإشارة إليه لم يحوجهم إلى أن يكلموه ، بل حين سمع المحاورة وتمت الإشارة بدا منه قوله خارق لعادة الرضعاء والصبيان ، ويمكن أن تكون تامة مشيرة إلى تمكنه في حال ما دون سن الكلام ، ونصب { صبياً } على الحال{[48104]} ،


[48099]:تكرر في الأصل فقط.
[48100]:زيد من ظ ومد.
[48101]:زيد من مد.
[48102]:زيد من مد.
[48103]:في مد: عند.
[48104]:زيد من مد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا} (29)

قوله : { فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا } ظلت مريم ملتزمة بالوفاء بصيامها عن الكلام ، فأشارت إلى ولدها عيسى أن يكلمهم فغضبوا واستنكروا ذلك منها ظانين أنها تسخر منهم وتزدريهم ، فقالوا لها متهكمين مستشاطين ( كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) ( كان ) بمعنى حدث أو وقع فيكون ( صبيا ) منصوبا على الحال .

وقيل : بمعنى صار فيكون ( صبيا ) منصوبا على أنه خبر صار ، ولا يجوز أن تكون ( كان ) هنا الناقصة ؛ لأنه ليس من اختصاص لعيسى في ذلك ؛ فإنه ما من أحد إلا كان صبيا في المهد يوما من الأيام . وإنما العجب ممن يتكلم وهو في المهد صبي{[2896]} . والمعنى : كيف نكلم من هو في مهده في حال صباه وهو لا يتكلم ؟


[2896]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 125.