الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَقُلۡنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ} (117)

" فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما " نهي ، ومجازه : لا تقبلا منه فيكون ذلك سببا لخروجكما " من الجنة " " فتشقى " يعني أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد ، ولم يقل : فتشقيا لأن المعنى معروف ، وآدم عليه السلام هو المخاطب ، وهو المقصود . وأيضا لما كان الكادَّ عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص . وقيل : الإخراج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده ، وهو شقاوة البدن ، ألا ترى أنه عقبه بقوله " إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى " أي في الجنة " وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى " فأعلمه أن له في الجنة هذا كله : الكسوة والطعام والشراب والمسكن ، وأنك إن ضيعت الوصية ، وأطعت العدو أخرجكما من الجنة فشقيت تعبا ونصبا ، أي جعت وعريت وظمئت وأصابتك الشمس ؛ لأنك ترد إلى الأرض إذا أخرجت من الجنة . وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان : يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج ، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج ، فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية . وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة : الطعام والشراب والكسوة والمسكن ، فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها ، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور ، فأما هذه الأربعة فلا بد لها منها ؛ لأن بها إقامة المهجة . قال الحسن المراد بقول : " فتشقى " شقاء الدنيا ، لا يرى ابن آدم إلا ناصبا . وقال الفراء هو أن يأكل من كد يديه . وقال سعيد بن جبير : أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ، ويمسح العرق عن جبينه ، فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى . وقيل : لما أهبط من الجنة كان من أول شقائه أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة ، فقال يا آدم ازرع هذا ، فحرث وزرع ، ثم حصد ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز ، ثم جلس ليأكل بعد التعب ، فتدحرج رغيفه من يده حتى صار أسفل الجبل ، وجرى وراءه آدم حتى تعب وقد عرق جبينه ، قال : يا آدم فكذلك رزقك بالتعب والشقاء ، ورزق ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَقُلۡنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ} (117)

{ فقلنا } {[50101]}بسبب ذلك{[50102]} بعد أن حلمنا عنه ولم نعاجله بالعقوبة : { يا آدم إن هذا } الشيطان الذي تكبر عليك { عدو لك } دائماً لأن الكبر{[50103]} الناشئ عن الحسد لا يزول { ولزوجك } لأنها منك { فلا يخرجنكما } {[50104]}أي لا تصغيا إليه بوجه فيخرجكما ، ووجه النهي{[50105]} إليه والمراد : هما ، تنبيهاً على أن لها من الجلالة ما ينبغي أن تصان عن أن يتوجه إليها نهي ، وأسند الإخراج إليه لزيادة التحذير والإبلاغ في التنفير ، وزاد{[50106]} في التنبيه بقوله : { من الجنة } أي{[50107]} فإنه لا يقصر في ضركما وإرادة إنزالكما عنها .

ولما نص سبحانه على شركتها له{[50108]} في الإخراج فكان من المعلوم شركتها له في آثاره ، وكانت المرأة تابعة للرجل ، فكان هو المخصوص في هذه الدار بالكل في الكد والسعي ، والذب والرعي ، وكان أغلب تعبه في أمر المرأة ، أفرد بالتحذير من التعب لذلك وعدّاً لتعبها بالنسبة إلى تعبه عدماً ، وتعريفاً بأن أمرها بيده ، وهو إن تصلب قادها{[50109]} إلى الخير ، وإلا قادته إلى الضير ، وعبر عن التعب بالشقاء زيادة في التحذير منه{[50110]} فقال : { فتشقى } أي فتتعب ، ولم يرد{[50111]} شقاوة الآخرة ، لأنه لو أرادها ما دخل الجنة بعد ذلك{[50112]} ، لأن الكلام المقدر بعد الفاء خبر ، والخبر لا يخلف .


[50101]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50102]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[50103]:من ظ ومد وفي الأصل: المتكبر.
[50104]:العبارة من هنا إلى "التنبيه بقوله" ساقطة من ظ.
[50105]:من مد، وفي الأصل: المنهى.
[50106]:زيد من مد.
[50107]:سقط من ظ.
[50108]:سقط من ظ.
[50109]:من مد وفي الأصل وظ: نارها.
[50110]:زيد من مد
[50111]:بين سطري ظ: أي الله.
[50112]:بين سطري ظ: الإخراج
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَقُلۡنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ} (117)

قوله : ( فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك ) إبليس مجبول على الخبيث والشر وسوء الطوية ؛ فهو بذلك لا يبغي لبني آدم غير الإضلال والتخسير وسوء المصير . على أن إبليس يكن بالغ العداوة قبل كل شيء لأبي الخلق آدم وزوجه ؛ إذ كان آدم سببا فيما لحقه من اللعن ، فيريد من أجل ذلك أن يخرجهما من الجنة بعصيانهما أمر ربهما في الشجرة ؛ ليفرغ بعد ذلك لإضلال ذريتهما من بعدهما .

قوله : ( فتشقى ) أي يحل عليكما وعلى ذريتكما الشقاء في الدنيا . والمراد بذلك : شقاء البدن في السعي الكديد لطلب الرزق أو القوت . إلى غير ذلك من وجوه الشقاء والعناء ومقارعة المشكلات والأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي يجد منها الإنسان الهموم ويكابد بسببها الشدائد .