الموفية عشرين-قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان " يعني مسالكه ومذاهبه ، المعنى : لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليها الشيطان . وواحد الخطوات خطوة هو ما بين القدمين . والخطوة ( بالفتح ) المصدر ، يقال : خطوت خطوة ، وجمعها خطوات . وتخطى إلينا فلان ، ومنه الحديث أنه رأى رجلا يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة . وقرأ الجمهور " خطوات " بضم الطاء . وسكنها عاصم والأعمش . وقرأ الجمهور " ما زكى " بتخفيف الكاف ، أي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف رشدا . وقيل : " ما زكى " أي ما صلح ، يقال : زكا يزكو زكاء ، أي صلح . وشددها الحسن وأبو حيوة ، أي : أن تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالكم . وقال الكسائي : " يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان " معترض ، وقوله : " ما زكى منكم من أحد أبدا " جواب لقوله أولا وثانيا : " ولولا فضل الله عليكم " .
ولما أخبرهم بأنه ما أنزل لهم هذا الشرع على لسان هذا الرسول الرؤوف الرحيم إلا رحمة لهم ، بعد أن حذرهم موارد الجهل ، نهاهم عن التمادي فيه في سياق معلم أن الداعي إليه الشيطان العدو ، فقال ساراً لهم بالإقبال عليهم بالنداء : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { لا تتبعوا } أي بجهدكم { خطوات } أي طريق { الشيطان } أي لا تقتدوا به ولا تسلكوا مسالكه التي يحمل على سلوكها بتزيينها في شيء من الأشياء ، وكأنه أشار بصيغة الافتعال إلى العفو عن الهفوات .
ولما كان التقدير : فإنه من يتنكب عن طريقه يأت بالحسنى والمعروف ، عطف عليه قوله : { ومن يتبع } أي بعزم ثابت من غير أن يكون مخطئاً أو ناسياً ؛ وأظهر ولم يضمر لزيادة التنفير فقال : { خطوات الشيطان } أي ويقتد به يقع في مهاوي الجهل الناشىء عنها كل شر { فإنه } أي الشيطان { يأمر بالفحشاء } وهي ما أغرق في القبح { والمنكر } وهو ما لم يجوزه الشرع ، فهو أولاً يقصد أعلى الضلال ، فإن لم يصل تنزل إلى أدناه ، وربما درج بغير ذلك ، ومن المعلوم أن من اتبع من هذا سبيله عمل بعمله ، فصار في غاية السفول ، وهذا أشد في التنفير من إعادة الضمير في { فإنه على من } والله الموفق .
ولما كان التقدير : فلولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان مع أمره بالقبائح ، عطف عليه قوله : { ولولا فضل الله } أي ذي الجلال والإكرام { عليكم } أي بتطهير نفوسكم ورفعها عما تعشقه من الدنايا إلى المعالي { ورحمته } لكم بإكرامكم ورفعتكم بشرع التوبة المكفرة لما جرّ إليه الجهل من ناقص الأقوال وسفساف الأفعال { ما زكى } أي طهر ونما { منكم } وأكد الاستغراق بقوله : { من أحد } وعم الزمان بقوله : { أبداً ولكن الله } أي بجلاله وكماله { يزكي } أي يطهر وينمي { من يشاء } من عباده ، من جميع أدناس نفسه وأمراض قلبه ، وإن كان العباد وأخلاقهم في الانتشار والكثرة بحيث لا يحصيهم غيره ، فلذلك زكى منكم من شاء فصانه عن هذا الإفك ، وخذل من شاء .
ثم ختم الآية بما لا تصح التزكية بدونه فقال : { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { سميع } أي لجميع أقولهم { عليم* } بكل ما يخطر في بالهم ، وينشأ عن أحوالهم وأفعالهم ، فهو خبير بمن هو أهل للتزكية ومن ليس بأهل لها ، فاشكروا الله على تزكيته لكم من الخوض في مثل ما خاض فيه غيركم ممن خذله نوعاً من الخذلان ، واصبروا على ذلك منهم ، ولا تقطعوا إحسانكم عنهم ، فإن ذلك يكون زيادة في زكاتكم ، وسبباً لإقبال من علم فيه الخير منهم ، فقبلت توبته ، وغسلت حوبته ،
قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ) يحذّر الله عباده المؤمنين سلوك سبيل الشيطان أو السير في مسالكه وطرائقه . وهي كثيرة ومعوجة ، قد بُنيت كلها على الشر والباطل والفتنة . ومن مسالك الشيطان وطرائقه : إشاعة الفاحشة والبهتان بين المسلمين ليضطربوا في حياتهم ويكونوا متجلجلين مبتئسين متخاصمين .
قوله : ( ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ) الفحشاء ، والفاحشة ، ما أفرط قبحه . والمنكر ، ما أنكره الشرع ؛ أي من تبع مسالك الشيطان ومشى في صراطه ودروبه وقع في الباطل والخسران وارتكب الفحشاء والمنكر ؛ لان الشيطان لا يني ولا يفتر دون إغواء البشر وإضلالهم وسوْقهم إلى مهاوي الويل والثبور .
قوله : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ) لولا ما امتنّ الله به على عباده من الفضل والرحمة ، ما تطهر منهم أحد من ذنوبه وعيوبه ومعاصيه الكثيرة ، ولما نجا من سوء المصير . لكن الله برحمته ورأفته بالخلق ينجي فيهم من يشاء ممن يستحق الهداية والنجاة . وهذا معنى قوله : ( ولكن الله يزكي من يشاء ) .
قوله : ( والله سميع عليم ) الله يسمع ما تقولونه بأفواهكم من خير أو شر فاحذروا التلبس بالبهتان وقول الفاحشة ، وهو سبحانه يعلم كل أموركم وأحوالكم . وما يصدر عنكم من أقوال وأفعال لا يخفى على الله منها شيء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.