الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

فيه ثمان وعشرون مسألة{[11815]} :

الأولى-قوله تعالى : " إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم " " عصبة " خبر " إن " . ويجوز نصبها على الحال ، ويكون الخبر " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم " . وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة رضوان الله عليها ، وهو خبر صحيح مشهور ، أغنى اشتهاره عن ذكره ، وسيأتي مختصرا . وأخرجه البخاري تعليقا ، وحديثه أتم . قال : وقال أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، وأخرجه أيضا عن محمد بن كثير عن أخيه سليمان من حديث مسروق عن أم رومان أم عائشة أنها قالت : لما رميت عائشة خرت مغشيا عليها . وعن موسى بن إسماعيل من حديث أبي وائل قال : حدثني مسروق بن الأجدع قال حدثتني أم رومان وهي أم عائشة قالت : بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت : فعل الله بفلان وفعل بفلان فقالت أم رومان : وما ذاك ؟ قالت ابني فيمن حدّث الحديث قالت : وما ذاك ؟ قالت كذا وكذا . قالت عائشة : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت نعم . قالت : وأبو بكر ؟ قالت نعم فخرت مغشيا عليها ، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض{[11816]} فطرحت عليها ثيابها فغطيتها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( ما شأن هذه ؟ ) فقلت : يا رسول الله ، أخذتها الحمى بنافض . قال : ( فلعل في حديث تُحُدِّث به ) قالت : نعم . فقعدت عائشة فقالت : والله ، لئن حلفت لا تصدقوني ولئن قلت لا تعذروني مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه{[11817]} والله المستعان على ما تصفون . قالت : وانصرف ولم يقل شيئا فأنزل الله عذرها . قالت : بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك . قال أبو عبد الله الحميدي : كان بعض من لقينا من الحفاظ البغداديين يقول الإرسال في هذا الحديث أبين ، واستدل على ذلك بأن أم رومان توفيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسروق لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف . وللبخاري من حديث عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة كانت تقرأ " إذ تلقونه بألسنتكم " وتقول : الولق الكذب . قال ابن أبي مليكة : وكانت أعلم بذلك{[11818]} من غيرها لأنه نزل فيها . قال البخاري : وقال معمر{[11819]} بن راشد عن الزهري : كان حديث الإفك في غزوة المريسيع . قال ابن إسحاق : وذلك سنة ست . وقال موسى بن عقبة : سنة أربع . وأخرج البخاري من حديث معمر عن الزهري قال : قال لي الوليد بن عبد الملك : أبلغك أن عليا كان فيمن قذف ؟ قال : قلت : لا ، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبدالرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة قالت لهما : كان عليٌّ مُسَلَِّمًا{[11820]} في شأنها . وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه المخرج على الصحيح من وجه آخر من حديث معمر عن الزهري ، وفيه : قال كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال : الذي تولى كبره منهم علي بن أبي طالب ؟ فقلت : لا ، حدثني سعيد بن المسيب وعروة وعلقمة وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة كلهم يقول سمعت عائشة تقول : والذي تولى كبره : عبدالله بن أبي[ بن سلول ]{[11821]} . وأخرج{[11822]} البخاري أيضا من حديث الزهري عن عروة عن عائشة : والذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي .

الثانية-قوله تعالى : " بالإفك " الإفك الكذب . والعصبة ثلاثة رجال ، قاله ابن عباس . وعنه أيضا من الثلاثة إلى العشرة . ابن عيينة : أربعون رجلا . مجاهد : من عشرة إلى خمسة عشر . وأصلها في اللغة وكلام العرب الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض . والخير حقيقته ما زاد نفعه على ضره . والشر ما زاد ضره على نفعه . وإن خيرا لا شر فيه هو الجنة . وشرا لا خير فيه هو جهنم . فأما البلاء النازل على الأولياء فهو خير ؛ لأن ضرره من الألم قليل في الدنيا ، وخيره هو الثواب الكثير في الأخرى . فنبه الله تعالى عائشة وأهلها وصفوان ، إذ الخطاب لهم في قوله " لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم " ؛ لرجحان النفع والخير على جانب الشر .

الثالثة-لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة معه في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع ، وقفل ودنا من المدينة آذن ليلة بالرحيل قامت حين آذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش ، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرحل فلمست صدرها ، فإذا عقد من جزع ظفار{[11823]} قد انقطع ، فرجعت فالتمسته فحبسها ابتغاؤه ، فوجدته وانصرفت فلما لم تجد أحدا ، وكانت شابة قليلة اللحم ، فرفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه ، فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع إليها ، فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة . وقيل : إنها استيقظت لاسترجاعه ، ونزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة ، وأخذ يقودها حتى بلغ بها الجيش في نحر الظهيرة ، فوقع أهل الإفك في مقالتهم ، وكان الذي يجتمع إليه فيه ويستوشيه{[11824]} ويشعله عبد الله بن أبي بن سلول المنافق ، وهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها ، وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل . وكان من قالته حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش . هذا اختصار الحديث ، وهو بكماله وإتقانه في البخاري ومسلم ، وهو في مسلم أكمل . ولما بلغ صفوان قول حسان في الإفك جاء فضربه بالسيف ضربة على رأسه وقال :

تلقَّ ذُبَابَ السيف عني فإنني *** غلامٌ إذا هُوجِيت ليس بشاعر

فأخذ جماعة حسان ولبَّبُوه{[11825]} وجاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح حسان واستوهبه إياه . وهذا يدل على أن حسان ممن تولى الكبر ، على ما يأتي والله أعلم . وكان صفوان هذا صاحبَ ساقَةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته لشجاعته ، وكان من خيار الصحابة[ رضي الله عنهم ]{[11826]} . وقيل : كان حصورا لا يأتي النساء ، ذكره ابن إسحاق من طريق عائشة . وقيل : كان له ابنان ، يدل على ذلك حديثه المروي مع امرأته ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم في ابنيه : ( لهما أشبه به من الغراب بالغراب ) . وقوله في الحديث : والله ما كشف كنف أنثى قط ، يريد بزنى . وقتل شهيدا رضي الله عنه في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر ، وقيل : ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين في زمان معاوية .

الرابعة-قوله تعالى : " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم " يعني ممن تكلم بالإفك . ولم يسم من أهل الإفك إلا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله ، وجهل الغير ، قاله عروة بن الزبير ، وقد سأله عن ذلك عبدالملك بن مروان ، وقال : إلا أنهم كانوا عصبة ، كما قال الله تعالى . وفي مصحف حفصة " عصبة{[11827]} أربعة " .

الخامسة-قوله تعالى : " والذي تولى كبره منهم " وقرأ حميد الأعرج ويعقوب " كُبره " بضم الكاف . قال الفراء : وهو وجه جيد ؛ لأن العرب تقول : فلان تولى عظم كذا وكذا ؛ أي أكبره . روي عن عائشة أنه حسان ، وأنها قالت حين عمي : لعل العذاب العظيم الذي أوعده الله به ذهاب بصره ، رواه عنها مسروق . وروي عنها أنه عبد الله بن أبي ، وهو الصحيح ، وقال ابن عباس . وحكى أبو عمر بن عبدالبر أن عائشة برأت حسان من الفرية ، وقالت : إنه لم يقل شيئا . وقد أنكر حسان أن يكون قال شيئا من ذلك في قوله :

حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ *** وتصبحُ غَرْثَى من لحومِ الغَوَافِلِ{[11828]}

حليلةُ خير الناس ديناً ومنصباً *** نبيِّ الهدى والمكرمات الفواضلِ

عقيلةُ حيٍّ من لؤيِّ بن غالب *** كرام المساعي مجدُها غيرُ زائل

مهذبةٌ قد طيب الله خِيمَها{[11829]} *** وطهَّرَهَا من كل شَيْنٍ وباطل

فإن كان ما بلغت أني قلته *** فلا رفعت سوطي إلي أناملي

فكيف ووُدِّي ما حييت ونصرتي *** لآل رسول الله زينِ المحافلِ

له رُتَبٌ عالٍ على الناس فضلها *** تَقَاصَرُ عنها سَوْرَةُ المتطاولِ

وقد روي أنه لما أنشدها : حصان رزان ، قالت له : لست كذلك ، تريد أنك وقعت في الغوافل . وهذا تعارض ، ويمكن الجمع بأن يقال : إن حسانا لم يقل ذلك نصا وتصريحا ، ويكون عرض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه ، والله أعلم .

وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا ؟ وهل جلد الحد أم لا ؟ فالله أعلم أي ذلك كان ، وهي المسألة :

السادسة- فروى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة : مسطحا وحسان وحمنة ، وذكره الترمذي وذكر القشيري عن ابن عباس قال : جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي ثمانين جلدة ، وله في الآخرة عذاب النار . قال القشيري : والذي ثبت في الأخبار أنه ضرب ابن أبي وضرب حسان وحمنة ، وأما مسطح فلم يثبت عنه قذف صريح ، ولكنه كان يسمع ويشيع من غير تصريح . قال الماوردي{[11830]} وغيره : اختلفوا هل حد النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الإفك ، على قولين : أحدهما أنه لم يحد أحدا من أصحاب الإفك ؛ لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو ببينة ، ولم يتعبده الله أن يقيمها بإخباره عنها ، كما لم يتعبده بقتل المنافقين ، وقد أخبره بكفرهم .

قلت : وهذا فاسد مخالف لنص القرآن ، فإن الله عز وجل يقول : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " أي على صدق قولهم : " فاجلدوهم ثمانين جلدة " . والقول الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم حد أهل الإفك عبد الله بن أبي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ، وفي ذلك قال شاعر من المسلمين :

لقد ذاق حسان الذي كان أهلَه *** وحَمْنَة إذ قالوا هجيراً ومسطحُ

وابن سلول ذاق في الحد خِزْيَةً *** كما خاض في إفك من القول يفصح

تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم *** وسخطة ذي العرش الكريم فأبرحوا{[11831]}

وآذوا رسول الله فيها فجلدوا *** مخازي تبقى عمموها وفضحوا

فصب عليهم مُحْصَدَات كأنها *** شآبيبُ قطر من ذُرَى المُزْنِ تسفحُ

قلت : المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذي حد حسان ومسطح وحمنة ، ولم يسمع بحد لعبد الله بن أبي . روى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزل عذري قام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك ، وتلا القرآن ، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم ، وسماهم : حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش . وفي كتاب الطحاوي " ثمانين ثمانين " . قال علماؤنا . وإنما لم يحد عبد{[11832]}الله بن أبي ؛ لأن الله تعالى قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما ، فلو حد في الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه في الآخرة وتخفيفا عنه مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة رضي الله عنها وبكذب كل من رماها ، فقد حصلت فائدة الحد ؛ إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف ، كما قال الله تعالى : " فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " . وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحدود ( إنها كفارة لمن أقيمت عليه ) ، كما في حديث عبادة بن الصامت . ويحتمل أن يقال : إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه ، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك ، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عبادة ومن قومه ، كما في صحيح مسلم . والله أعلم .


[11815]:يلاحظ أن المسائل سبع وعشرون في جميع الأصول.
[11816]:أي برعشة.
[11817]:إذ قال في محنته: والله المستعان...إلخ.
[11818]:أي بالذي قرأت به.
[11819]:الذي في لبخاري "النعمان بن راشد".
[11820]:قوله "مسلما" بكسر اللام المشددة من التسليم؛ أي ساكتا في شأنها. وقيل: بفتح اللام، من السلامة من الخوض فيه.
[11821]:من ك.
[11822]:في ك: وأخرجه.
[11823]:الجزع (بفتح الجيم وسكون الزاي): خرز معروف في سواده بياض كالعروق. وظفار (كخضار): مدينة باليمن.
[11824]:يستوشيه: يستخرجه بالبحث والمسألة ثم يفشيه ويشيعه ويحركه.
[11825]:لبب فلان فلانا: أخذ بتلبيبه، أي: جمع ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ثم جره.
[11826]:من ك.
[11827]:في ك: عصيبة بالتصغير.
[11828]:الحصان: العفيفة. ورزان: ذات ثياب ووقار وعفاف. وغرثى: جائعة. ما تزن: ما تتهم. الغوافل: جمع غافلة؛ أي: لا ترتع في أعراض الناس.
[11829]:الخيم(بالكسر): الشيمة والطبيعة والخلق والأصل.
[11830]:في ك و ط: السابعة قال الماوردي....إلخ.
[11831]:أي جاءوا بأمر مفرط في الإثم.
[11832]:في ك: عدو الله.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

ثم علل ما اقتضته { لولا } من نحو : ولكنه لم يفعل ذلك إفضالا عليكم ورحمة لكم ، بقوله على وجه التأكيد لما عرف من حال كثير ممن غضب لله ولرسوله من إرادة العقوبة للآفكين بضرب الأعناق ، منبهاً لهم على أن ذلك يجر إلى مفسدة كبيرة : { إن الذين جاءو بالإفك } أي أسوأ الكذب لأنه القول المصروف عن مدلوله إلى ضده ، المقلوب عن وجهه إلى قفاه ، وعرّف زيادة تبشيع له في هذا المقام ، حتى كأنه لا إفك إلا هو لأنه في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي من أحق الناس بالمدحة لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم ، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أقفائه ، وترك تسميتها تنزيهاً لها عن هذا المقام ، إبعاداً لمصون جانبها العلي عن هذا المرام { عصبة } أي جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون ، فهم لكونهم عصبة يحمى بعضهم لبعض فيشتد أمرهم ، لأن مدار مادة " عصب " على الشدة ، وهم مع ذلك { منكم } أي ممن يعد عندكم في عداد المسلمين ، فلو فضحهم الله في جميع ما أسروه وأعلنوه ، وأمركم بأن تعاقبوهم بما يستحقون على ذلك ، لفسدت ذات البين ، بحمايتهم لأنفسهم وهم كثير ، وتعصّب أودّائهم لهم ، إلا بأمر خارق يعصم به من ذلك كما كشفت عنه التجربة حين خطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال :

" من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي " حين كادوا يقتتلون لولا أن سكنهم النبي صلى الله عليه سلم ، فالله سبحانه برحمته بكم يمنع من كيدهم ببيان كذبهم ، وبحكمته يستر عليهم ويخيفهم ، لتنحسم مادة مكرهم ، وتنقطع أسباب ضرهم .

ولما كان هذا مقتضياً للاهتمام بشأنهم ، أتبعه قوله ، تحقيراً لأمرهم مخاطباً للخلص وخصوصاً النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعائشة وأمها وصفوان بن المعطل رضي الله عنهم : { لا تحسبوه } أي الإفك { شراً لكم } أيها المؤمنون بأن يصدقه أحد أو تنشأ عنه فتنة { بل هو خير لكم } بثبوت البراءة الموجبة للفخر الذي لا يلحق ، بتلاوتها على مر الدهور بألسنة من لا يحصى من العباد ، في أكثر البلاد ، وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والصديقين بذلك ، مع الثواب الجزيل ، بالصبر على مرارة هذا القيل ، وثبوت إعجاز القرآن بعد أعجازه بالبلاغة بصدقه في صيانة من أثنى عليها في ذلك الدهر الطويل ، الذي عاشته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده إلى أن ماتت رضي الله تعالى عنها أتقى الناس ديانة ، وأظهرهم صيانة ، وأنقاهم عرضاً ، وأطهرهم نفساً ، فهو لسان صدق في الدنيا ، ورفعة منازل في الآخرة إلى غير ذلك من الحكم ، التي رتبها بارىء النسم ، من الفوائد الدينية والأحكام والآداب .

ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له ، علل ذلك بقوله : { لكل امرئ منهم } أي الآفكين { ما } أي جزاء ما { اكتسب } بخوضه فيه { من الإثم } الموجب لشقائه ، وصيغة الافتعال من " كسب " تستعمل في الذنب إشارة إلى أن الإثم يرتب على ما حصل فيه تصميم وعزم قوي صدقه العمل بما فيه من الجد والنشاط ، وتجرد في الخير إشارة إلى أن الثواب يكتب بمجرد فعل الخير بل ونيته { والذي تولى كبره } أي معظمه بإشاعته والمجاهرة به { منهم له } بما يخصه لإمعانه في الأذى { عذاب عظيم* } أي أعظم من عذاب الباقين ، لأنهم لم يقولوا شيئاً إلا كان عليه مثل وزره من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاَ ، وقصه الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرها شهيرة جداً ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق بعد ما أنزلت آية الحجاب ، وكانت معه الصديقة بنت الصديق زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تحمل في هودج لها ، فافتقدت عقداً لها ليلة فرجعت إلى الموضع الذي تخلت فيه فالتمسته ، فرحل النبي صلى الله عليه وسلم وحمل جمالوها هودجها وهم يظنونها فيه ، فلما رجعت فلم تجد أحداً اضطجعت مكان هودجها رجاء أن يعلموا بها فيرجعوا ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني رضي الله عنه قد عرس من وراء الجيش ، فأصبح في مكانهم ، فلما رآها وكان يراها قبل الحجاب استرجع وأناخ راحلته فوطىء على يدها ، ولم يتكلم بكلمة غير استرجاعه ، فركبت أم المؤمنين رضي الله عنها ، ثم أقبل بها حتى لحق بالجيش وهم نزول في نصف النهار ، فتكلم أهل الإفك فيهما رضي الله عنهما ، وكان من سمي منهم عبد الله بن أبي المنافق ، وزيد بن رفاعة ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت ، قال عروة بن الزبير : في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال تعالى . وهكذا ذكروا حسان منهم وأنا والله لا أظن به أصلاً وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطىء الثقة لأسباب لا تحصى ، كما يعرف ذلك من مارس نقد الأخبار ، وكيف يظن به ذلك ولا شغل له إلا مدح النبي صلى الله عليه وسلم والمدافعة عنه والذم لأعدائه وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام معه ، فأقسم بالله أن الذي أيده بجبريل ما كان ليكله إلى نفسه في مثل هذه الواقعة ، وقد سبقني إلى الذب عنه الحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي رحمه الله وكيف لا ينافح عنه وهو القائل :

فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم وقاء

وهو القائل يمدح عائشة رضي الله عنها ويكذب من نقل عنه ذلك :حصان رزان ما تزنُّ بريبة *** وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

حليلة خير الناس ديناً ومنصباً *** نبي الهدى والمكرمات الفواضل

عقيلة حي من لؤي بن غالب *** كرام المساعي مجدها غير زائل

مهذبة قد طيب الله خيمها *** وطهرها من كل شين وباطل

فإن كان ما بلغت عني قلته *** فلا رفعت سوطي إليّ أناملي

وكيف وودي ما حييت ونصرتي *** لآل رسول الله زين المحافل

له رتب عال على الناس فضلها *** تقاصر عنها سورة المتطاول

وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب : وأنكر قوم أن يكون حسان خاض في الإفك وجلد فيه ورووا عن عائشة رضي الله عنها أنها برأته من ذلك - انتهى . واستمر أهل الإفك في هذا أكثر من شهر ، والله تعالى عالم بما يقولون ، وأن قولهم يكاد يقطع أكباد أحب خلقه إليه ، وهو قادر على تكذيبهم عند أول ما خاضوا فيه ، ولكنه سبحانه أراد لناس رفعة الدرجات ، ولآخرين الهلاك ، فيا لله ما لقي النبي صلى عليه وسلم والصديق وآله رضي الله عنهم وكل من أحبهم وهم خير الناس ، والله سبحانه وتعالى يملي للآفكين ويمهلهم ، وكأن الحال لعمري كما قال أبو تمام الطائي في قصيدة :كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر *** فليس لعين لم يفض ماؤها عذر

وحين سمعت عائشة رضي الله عنها بقول أهل الإفك سقطت مغشياً عليها وأصابتها حمى بنافض ، واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في إتيان بيت أبيها فأذن لها فسألت أمها عن الخبر ، فأخبرتها فاستعبرت وبكت ، وكان أبو بكر رضي الله عنه في علية يقرأ فسمع حسها فنزل فسأل أمها فقالت : بلغها الذي ذكر من شأنها ، ففاضت عيناه ، واستمرت هي رضي الله عنها تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها ، وساعدتها على البكاء امرأة من أولي الوفاء والمؤاساة والكرم والإيثار ومعالي الشيم : الأنصار رضي الله عنهم ، فكانت تبكي معها ، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها جاريتها بريرة رضي الله عنها فاستعظمت أن يظن في عائشة رضي الله عنها مثل ذلك فقالت : سبحان الله ! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر ، وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على المنبر واستعذر ممن تكلم في أهله وما علم عليهم إلا خيراً ، وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق بصلاح صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأنه ما علم عليه إلا خيراً ، فكاد الناس يقتتلون فسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دخل بعد أن صلى العصر على عائشة رضي الله عنها وهي تبكي والأنصارية معها فوعظها ، فأجابت وأجادت ، فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، قالت عائشة رضي الله عنها : فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو الله ما فزعت وما باليت ، قد عرفت أني بريئة ، وأن الله غير ظالمي ، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ! ما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يأتي الله بتحقيق ما قال الناس ، قالت : فرفع عنه وإني لأتيبن السرور في وجهه وهو يمسح عن جبينه العرق ويقول :

" أبشري يا عائشة ، فقد أنزل الله براءتك " ، فكنت اشد ما كنت غضباً ، فقال لي أبواي : قومي إليه ! فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي ، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه ، وأنزل الله تعالى : { إن الذين جاؤوا بالإفك } العشر الآيات كلها ، قالت عائشة رضي الله عنها : والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول : سبحان الله ! والذي نفسي بيده ! ما كشفت كنف أنثى قط . قالت : ثم قتل بعد ذلك شهيداً في سبيل الله .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} (11)

قوله تعالى : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ( 11 ) } .

هذه الآية وما بعدها من الآيات التسع نزلت كلها في شأن أم المؤمنين عائشة ( رضي الله عنها ) وذلك لما رماها الأفاكون الكذابون بالفرية والبهتان . رماها المنافقون الماكرون الذين يتدسسون كعادتهم ، خلف كل أمة من كل زمان . إنهم يستخفون من أنظار الناس ليجيدوا في الظلام صنعة الخيانة والغدر والكيد للمسلمين ودينهم .

ذلك هو ديدن المنافقين الأنذال وهم يتلصصون مثل خفافيش الظلام ليجدوا من بين المسلمين فرجة ينفذون منها ليثيروا في أوساط المسلمين القلاقل والظنون والخلخلة والأوهام والفوضى ، وهم خلف الصفوف راقدون مستخفون يتسمعون- نتيجة لكيدهم وعذرهم- ما سوف يحيق بالمسلمين من الأرزاء والبلايا .

وذلكم رسول الله ( ص ) ، نبراس البشرية في الهدى والتقى والصلاح ، وحامل لواء الهداية والفضيلة والنور للعالمين ، وشفيع الخلائق في يوم الزحام ، يوم الفزع الأكبر- لم ينج ( ص ) من قالة الكذب والباطل ، يندلق من أفواه المنافقين الرعاديد وهم يفترون على زوجته الطاهرة المصون . الزوجة الكريمة المبرأة الفضلى ، إحدى خير نساء العالمين ، بكمال دينها وتقواها ، ورجاحة عقلها المميز الكبير ، وطهر محتدها الأصيل المفضال في كنف الأبوة الصديقة ، والنبوة الميمونة .

لقد افترى الظالمون والمنافقون والأغرار على أم المؤمنين بفاحش القول مما يثير في المؤمنين المتقين بالغ الغيرة والغضب ، وشديد الابتئاس والاشمئزاز كلما فطنوا القصة أو تلوها . وما يزيدهم مثل هذا الإفك والباطل إلا ثقة برسول الله ( ص ) ، ويقينا بحقيقة الإسلام وصدق رسالته ، وأنه الدين الحق الذي جيء به من عند الله ليكون رحمة للناس . ومن أجل ذلك كرهه المبطلون الأشرار من الكافرين والملحدين والمنافقين .

قوله : ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) ( عصبة ) مرفوع على أنه خبر ( إن ) {[3231]} والعصبة من الرجال نحو العشرة . وقيل : من العشرة إلى الأربعين . والعصابة بالكسر : الجماعة من الناس{[3232]} والإفك : معناه الكذب . والأفاك ، الكذاب{[3233]} والمراد بالإفك هنا : أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء . وهو القلب ؛ أي الحديث المقلوب ؛ فقد افترى الأفاكون على السيدة عائشة كذبا وقلبا للحقيقة . والمعروف من حال السيدة عائشة ، هذه المرأة الزكية المصون ، خلاف ما زعموه واصطنعوه من الباطل ؛ فهي زوجة الرسول ( ص ) ، وهو معصوم من كل سوء أو خطيئة أو دنس . والمراد بالعصبة ، الجماعة من القاذفين المبطلين وكانوا من المنافقين وأتباعهم . وكان طليعة هؤلاء في النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول . فقد كان رأسا من رؤوس النفاق في زمن النبوة وقد ركب رأسه وتولى كبره وهو يعيث بين الناس تشويشا وتوهيما وإشاعة للفتنة والريبة .

قوله : ( لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ) الضمير في ( تحسبوه ) عائد على من ساءه ذلك من المؤمنين وخاصة رسول الله ( ص ) وأبي بكر وعائشة وصفوان ابن المعطل ( رضي الله عنهم ) والمراد بكون ذلك خيرا لا شرا أنهم اكتسبوا بما أصابهم ثوابا عظيما وذكرا حميدا إلى يوم الدين ؛ فقد أصابهم بلاء كبير ومحنة ظاهرة مما لمزهم به المنافقون من بهتان وفحش الكلام . فأنزل الله في شأنهم هذه القصة وفيها عدة آيات ، كل واحدة منها مستقلة بما فيه تعظيم لشأن رسول الله ( ص ) وتكريم له ولزوجه أم المؤمنين رضوان الله عليها وتنزيهه لها مما رماها به المنافقون وأتباعهم من الدنس . إلى غير ذلك من تهويل لمن تكلم في هذه القصة أو سمع بها فلم يألم ولم يغضب ولم تثره فيه ثائرة الحماسة والغيرة على أهل بيت رسول الله ( ص ) وزوجته الفاضلة الطهور . ثم صفوان بن المعطل الصحابي التقي الجليل الذي نالته ألسنة المتقولين بالسوء . وقد كان صفوان صاحب ساقة رسول الله ( ص ) في غزواته لشجاعته . وكان من خيار الصحابة ( رضي الله عنه ) وقد قتل شهيدا في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر . وخلاصة القصة في أمر صفوان أنه لما خرج رسول الله ( ص ) بعائشة معه في غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع ، وقفل ودنا من المدينة قافلا ، آذن ليلة بالرحيل فقامت عائشة حين أذنوا بالرحيل فمشت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضت شأنها أقبلت إلى رحلها فلمست صدرها فإذا عقد من خرز قد انقطع فرجعت تلتمسه فحبسها ابتغاؤه ، فوجدته ثم انصرفت فلم تجد أحدا . فلما لم تجد أحدا اضطجعت في مكانها رجاء أن تُفتقد فيرجع إليه فنامت في الموضع ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطل : إنا لله وإنا إليه راجعون . وذلك أنه كان تخلف وراء الجيش لحفظ الساقة . فنزل عن ناقته وتنحّى عنها حتى ركبت عائشة وأخذ يقودها حتى بلغ الجيش في نحر الظهيرة . فوقع أهل الإفك فيما افتروه من باطل وبهتان . وكان أشدهم في ذلك وأنكاهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، كبير المنافقين في المدينة . فهو الذي رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة فقال فريته الظالمة : والله ما نجت منه ولا نجا منها . وكان من قالة السوء في قصة عائشة حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش .

فيا ويح هؤلاء أنى لهم أن يتقوّلوا على أقدس بيت في العالمين بالسوء من فُحش القول الأثيم ، وقد علموا رسولهم الأكرم عصمته وصونه في كرامته المثلى وشرفه المبجل الأجل . وليت شعري هل أظلت السماء كريما رفيعا بالغا في طهر السيرة وشرف البيت والحمى مثل رسول الله محمد ( ص ) .

قوله : ( لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم ) لكل واحد من هؤلاء المفترين على عائشة من الجزاء بقدر ما خاض فيه أو اجترم .

قوله : ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) ( كبره ) بكسر الكاف ، ومعناه معظم الإثم والإفك . والمراد بذلك موضع خلاف . فقد قيل : إنه حسان بن ثابت ولعل العذاب العظيم الذي توعده الله به ذهاب بصره . وقيل : المراد عبد الله بن أبي سلول ؛ فهو الذي ابتدأ الإفك ، وكان يجمع القائلين بهذه الفرية في بيته ويحدثهم بمقالة الإفك . فقد أوعده الله جزاء إفكه عذابا عظيما وهي النار .

وقد اختلفوا هل حد النبي ( ص ) أصحاب الإفك ؟ ثمة قولان في ذلك . أحدهما : أنه لم يحدّ أحدا من أصحاب الإفك . وثانيهما : أنه حد أهل الإفك عبد الله بن أبي ومسطح حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش . والمشهور أن الذي حُدّ ، حسان ومسطح وحمنة . أما عبد الله فلم يحد ليلقى جزاءه في النار في مقابلة ما اجترم من الإفك . أما الذين حدهم فيكما يكون حدهم كفارة لهم عما اقترفوه من الإفك{[3234]} .


[3231]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 194.
[3232]:- مختار الصحاح ص 435 والمصباح المنير جـ2 ص 63.
[3233]:- القاموس المحيط جـ3 ص 302.
[3234]:- تفسير القرطبي جـ 12 ص 197- 202 والكشاف جـ3 ص 53 وفتح القدير جـ3 ص 12 وتفسير ابن كثير جـ3 ص 268.