قوله تعالى : " وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا " فيه مسألة واحدة : الأكل في هذه الآية عبارة عن التمتع بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك . وخص الأكل بالذكر ؛ لأنه أعظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان . وسيأتي بيان حكم الأكل والشرب واللباس في " الأعراف " {[5855]} إن شاء الله تعالى{[5856]} . وأما شهوة الأشياء الملذة ، ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع الشهية ، فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة ، فمنهم من يرى صرف النفس عنها وقهرها عن اتباع شهواتها أحرى ليذل له قيادها ، ويهون عليه عندها ، فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواتها ، ومنقادا بانقيادها . حكي أن أبا حازم كان يمر على الفاكهة فيشتهيها فيقول : موعدك الجنة . وقال آخرون : تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها . وقال آخرون : بل التوسط في ذلك أولى ؛ لأن في إعطائها ذلك مرة ومنعها أخرى جمع بين الأمرين ، وذلك النصف من غير شين . وتقدم معنى الاعتداء والرزق في " البقرة " {[5857]} والحمد لله .
ولما كان الحال لما ألزموا به أنفسهم مقتضياً للتأكيد ، أمر بالأكل بعد أن نهى عن الترك ليجتمع{[27502]} على إباحة ذلك الأمر والنهيُ فقال : { وكلوا } ورغبهم فيه بقوله : { مما رزقكم الله } أي الملك الأعظم الذي لا يرد عطاؤه .
ولما كان الرزق يقع على الحرام ، قيده{[27503]} بعد القيد بالتبعيض{[27504]} بقوله : { حلالاً } ولما كان سبحانه قد جعل الرزق شهياً ، وصفه امتناناً{[27505]} وترغيباً فقال : { طيباً } ويجوز أن يكون قيداً محذراً{[27506]} مما فيه شبهة تنبيهاً على الورع ، ويكون معنى طيبه تيقن حله ، فيكون بحيث تتوفر الدواعي على تناوله ديناً توفّرها على تناول{[27507]} ما هو نهاية في اللذة شهوة وطبعاً ، وأن يكون مخرجاً لما تعافه النفس مما أخذ في الفساد من الأطعمة لئلا يضر ، قال ابن المبارك : الحلال ما أخذ من جهته ، والطيب ما غذّي ونميّ ، فأما الطين والجوامد وما لا يغذي فمكروه إلا على جهة التداوي ، وأن يكون مخرجاً لما فوق سد الرمق في حالة الضرورة ، ولهذا وأمثاله قال : { واتقوا الله } أي الملك{[27508]} الذي له الجلال والإكرام من أن تحلوا حراماً أو تحرموا حلالاً ، ثم وصفه بما يوجب رعي عهوده والوقوف عند حدوده فقال : { الذي أنتم به مؤمنون * } أي ثابتون على الإيمان به ، فإن هذا الوصف يقتضي رعي العهود ، وخص سبحانه الأكل ، والمراد جميع ما نهي عن تحريمه من الطيبات ، لأنه سبب لغيره من المتمتعات{[27509]} ، فلما نزلت - كما نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما - هذه الآية{[27510]} قالوا : يا رسول الله ! وكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه - كما تقدم ، فأنزل الله تعالى :
قوله : { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } حلالا مفعول به للفعل { كلوا } ويحتمل أن تكون { حلالا } حالا لاسم الموصول . والآية تتضمن إباحة التمتع بكل الطيبات من الأكل والشرب واللباس والركوب وغير ذلك . وخص الأكل بالذكر لأنه أغلب وجوه الانتفاع . أي اكلوا مما حل لكم وطاب من ضروب الانتفاعات قوله : { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } أي خافوا فلا تتعدوا حدوده فتحلوا ما حرم عليكم أو تحرموا ما أحل لكم ، واحذروا أن تخالفوا أوامره ونواهيه فهو إلهكم الذي آمنتم به{[1042]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.