قوله تعالى : " لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله " لما بين أنه الخالق القادر على الكمال ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار . واللام في " لقد " للتأكيد المنبه على القسم . والفاء دالة على أن الثاني بعد الأول . " يا قوم " نداء مضاف . ويجوز " يا قومي " على الأصل . ونوح أول الرسل إلى الأرض بعد آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات . قال النحاس : وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف . وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح . وقد تقدم في " آل عمران " {[7204]} . قال ابن العربي : ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم . والدليل على صحة وهمه الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم آدم وإدريس فقال له آدم : ( مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح ) . وقال له إدريس : ( مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ) . فلو كان إدريس أبا لنوح لقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح . فلما قال له والأخ الصالح دل ذلك على أنه يجتمع معه في نوح ، صلوات الله عليهم أجمعين . ولا كلام لمنصف بعد هذا . قال القاضي عياض : وجاء جواب الآباء ههنا كنوح وإبراهيم وآدم ( مرحبا بالابن الصالح ) . وقال عن إدريس ( بالأخ الصالح ) كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسف وهارون ويحيى ممن ليس بأب باتفاق للنبي صلى الله عليه وسلم . وقال المازري : قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح عليهما السلام . فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضا لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح ، لما أخبر عليه السلام من قول آدم أن نوحا أول رسول بعث ، لأنه لم يقم دليل جاز ما قالوا : وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل . قال القاضي عياض : قد يجمع بين هذا بأن يقال : اختص بعث نوح لأهل الأرض - كما قال في الحديث - كافة كنبينا عليه السلام . ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ولوط وغيرهم . وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى : " وإن إلياس لمن المرسلين . إذ قال لقومه ألا تتقون{[7205]} " [ الصافات : 123 ، 124 ] . وقد قيل : إن إلياس هو إدريس . وقد قرئ " سلام على إدراسين " . قال القاضي عياض : وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول ؛ ليسلم من هذا الاعتراض . وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان . قال ابن عطية : ومجمع ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان ، فالمراد أنه أول نبي بعث على هذه الصفة . والله أعلم . وروي عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة . قال الكلبي : بعد آدم بثمانمائة سنة . وقال ابن عباس : وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما ، كما أخبر التنزيل . ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة . حتى كثر الناس وفشوا . وقال وهب : بعث نوح وهو ابن خمسين سنة . وقال عون بن شداد : بعث نوح وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة . وفي كثير من كتب الحديث : الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام . وذكر النقاش عن سليمان بن أرقم عن الزهري : أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن نوح . والسند والهند والزنج والحبشة والزط والنوبة ، وكل جلد أسود من ولد حام بن نوح . والترك وبربر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يافث بن نوح . والخلق كلهم ذرية نوح .
قوله تعالى : " ما لكم من إله غيره " برفع " غيره " قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة . أي ما لكم إله غيره . نعت على الموضع . وقيل : " غير " بمعنى إلا ، أي ما لكم من إله إلا الله . قال أبو عمرو : ما أعرف الجر ولا النصب . وقرأ الكسائي بالخفض على الموضع . ويجوز النصب على الاستثناء ، وليس بكثير ؛ غير أن الكسائي والفراء أجازا نصب " غير " في كل موضع يحسن فيه " إلا " تم الكلام أو لم يتم . فأجازا : ما جاءني غيرك . قال الفراء : هي لغة بعض بني أسد وقضاعة . وأنشد :
لم يَمْنَع الشُّرْبَ منها غيرَ أن هَتَفَتْ *** حمامةٌ في سَحُوق ذات أَوْقَالِ{[7206]}
قال الكسائي : ولا يجوز جاءني غيرك ، في الإيجاب ؛ لأن إلا لا تقع ههنا . قال النحاس : لا يجوز عند البصريين نصب " غير " إذا لم يتم الكلام . وذلك عندهم من أقبح اللحن .
ولما طال تهديده سبحانه لمن أصر على إفساده ، ولم يرجع عن غيّه وعناده بمثل مصارع الأولين ومهالك الماضين ، ونوَّع في هذه الآيات محاسن الدلالات على التوحيد والمعاد بوجوه ظاهرة وبينات قاهرة وبراهين قاطعة وحجج ساطعة ، ساق سبحانه تلك القصص دليلاً حسياً على أن في الناس الخبيث والطيب مع الكفالة في الدلالة على تمام القدرة والغيرة من الشرك على تلك الحضرة - بتفصيل أحوال من سلفت الإشارة إلى إهلاكهم وبيان مصارعهم وأنه لم تغن عنهم قوتهم شيئاً ولا كثرتهم بقوله تعالى وكم من قرية أهلكناها }[ الأعراف : 4 ] وقوله{ فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة }[ الأعراف : 34 ] الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لصالحي أتباعه بالتنبيه على أن الإعراض عن الآيات ليس من خواص هذه الأمة{[32438]} بل هي{[32439]} عادة الأمم السالفة ، وعلى أن النعم خاصة بالشاكرين ، ولذا كانت النقم مقصورة على الكافرين ، فقال تعالى { لقد أرسلنا } أي بعظمتنا ، وافتتحه بحرف التوقع لما للسامع الفطن من التشوف إلى {[32440]}ذكر ما تكرر{[32441]} من الإشارة إليه ، ولأن اللام المجاب بها القسم المحذوف لا ينطقون بها غالباً إلا مقترنة بقد ، لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة بمعنى التوقع الذي هو معنى " قد " عند استماع المخاطب كلمة القسم { نوحاً } يعني ابن لمك بن متوشلخ بن خنوخ ، وهو إدريس عليه السلام ، وكان عند الإرسال ابن خمسين سنة .
ولما كان إرساله صلى الله عليه وسلم قبل تفرق القبائل باختلاف اللغات قال : { إلى قومه } أي الذين كانوا ملء الأرض كما في حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن أنس رضي الله عنه ، ائتوا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض . وفيهم من القوة{[32442]} على القيام بما يريدون ما لا يخفي على من تأمل آثارهم وعرف أخبارهم ، فإن كانت آثارهم فقد حصل المراد ، وإن كانت{[32443]} لمن بعدهم علم - بحكم قياس الاستقراء - أنهم أقوى على مثلها وأعلى منها ، ولسوق ذلك دليلاً على ما{[32444]} ذكر جاء مجرداً عن أدوات العطف ، وهو مع ذلك كله منبه على أن جميع الرسل متطابقون على الدعوة إلى ما دل عليه برهان{ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض }[ الأعراف : 54 ] من التوحيد والصلاح إلى غير ذلك من بحور الدلائل والحجاج المتلاطمة الأمواج - والله الهادي إلى سبيل الرشاد ، وكون نوح عليه السلام رسولاً إلى جميع أهل الأرض - لأنهم قومه لوحدة لسانهم - لا يقدح في تخصيص نبينا صلى الله عليه وسلم بعموم الرسالة ، لأن معنى العموم إرساله إلى جميع الأقوام المختلفة باختلاف الألسن وإلى جميع من ينوس من {[32445]}الإنس والجن{[32446]} والملائكة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الصافات لهذا مزيد بيان .
ولما كان من المقاصد العظيمة الإعلام بأن الذي دعا إليه هذا الرسول لم تزل{[32447]} الرسل - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام - تدعو إليه ، وكان نوح أول رسول ذكرت رسالته عقب ذكر إرساله بذكر ما أرسل به بالفاء بقوله { فقال يا قوم } أي{[32448]} فتحبب إليهم بهذه الإضافة { اعبدوا الله } أي الذي له جميع العظمة من الخلق والأمر ، فإنه مستحق لذلك وقد كلف عباده به .
ولما كان المقصود إفراده بذلك ، علله بقوله مؤكداً له بإثبات الجار { ما لكم } وأغرق في النفي فقال : { من إله غيره } ثم قال معللاً أو{[32449]} مستأنفاً مخوفاً مؤكداً لأجل تكذيبهم : { إني أخاف عليكم } في الدنيا والآخرة ، ولعله قال هنا : { عذاب يوم عظيم* } وفي هود{ أليم }{[32450]} وقال في المؤمنون { أفلا{[32451]} تتقون } لأن ترتيب السور الثلاث - وإن كان الصحيح أنه باجتهاد الصحابة رضي الله عنهم - فلعله جاء على ترتيبها في النزول ، لأنها مكيات{[32452]} ، وعلى ترتيب مقال نوح عليه السلام لهم فألان لهم أولاً المقال من حيث إنه أوهم أن العظم الموصوف به { اليوم } لا{[32453]} بسبب العذاب بل لأمر آخر ، فيصير العذاب مطلقاً يتناول أي عذاب كان و{[32454]} لو قل ، فلما تمادى تكذيبهم بين لهم أن عظمه{[32455]} إنما هو من جهة إيلام العذاب الواقع فيه ، فلما لجوا في عتوهم قال لهم قول{[32456]} القادر إذا هدد عند مخالفة غيره له : ألا تفعل ما أقول لك ؟ أي متى خالفت بعد هذا عاجلتك بالعقاب وأنت تعرف قدرتي{[32457]} .
قوله تعالى : { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم 59 قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين 60 قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين 61 أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } شرع يقص علينا أخبار المرسلين السابقين وما بذلوه من جهود هائلة لا يحتملها إلا أمثالهم من النبيين المرسلين . لقد بذلت رسل الله غاية طاقاتهم من التبليغ والأداء ودعوة الناس إلى عبادة الله والتزام دينه وشرعه وأن يجانبوا عبادة الطواغيت والمعاصي ليكونوا من الراشدين المهدين . فها هو جل جلاله يقص علينا من أخبار نوح عليه الصلاة والسلام . هذا النبي الكريم المفضال الذي عاش في قومه هديا ومبلغا ألف علم إلا قليلا . وقد يكون يدعوهم خلال هذا الزمن الطويل إلى الله وإلى الانثناء عن ضلالاتهم وحماقاتهم في الإذعان للأصنام . لكنه لقي من جحود قومه وعتوهم وعصيانهم وإيذائهم مالا يطيقه بشر من البشر إلا من كان في درجة نوح عليه الصلاة والسلام .
وفي حقيقة هذا الاسم ( نوح ) قيل : إنه سمي بذلك لكثرة ما ناح على نفسه . واختلفوا في سبب نياحه على نفسه فقيل : سببه دعونه على قومه بالهلاك . وقيل : مراجعته ربه في شأن ابنه كنعان . وقيل : إصرار قومه على الكفر . فكان كلما دعاهم وأعرضوا عنه بكي وناح عليهم . وقيل غير ذلك من الأخبار الظنية غير المستندة إلى أدلة معتبرة ومقبولة إلا الإغراق في الظن البعيد الذي لا يغني من الحق شيئا . والظاهر أن هذا الاسم قد وضع له عليه الصلاة والسلام لدى ولادته ؛ فهو غير مشتق من النياحة أو النياح أو المناحة أو النوح . بل هو اسم أعجمي منصرف لخفته{[1441]} .
قوله : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } غيره ، مرفوع صفة لإله ، أو بدل منه باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء . وقيل : مجرور على أنه صفة لإله باعتبار لفظه{[1442]} .
وفي الآية هذه ينادي نوح قومه الضالين المشركين نداء الرفيق الشفيق أن اعبدوا الله وحده وأطيعوه وأذعنوا له بالانقياد وذروا هذه الأنداد المصطنعة المفتراة ؛ فإنها جميعا لا تضر ولا تنفع ؛ فهي صم بلهاء لا تعي ولا تسمع ولا تملك لكم شيئا ؛ فإنه ليس لكم في الحقيقة من إله خالق قادر رازق سوى الله .
قوله : { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وهذا تنذير من نوح لقومه يخوفهم به تخويفا ، فإذا لم يفيئوا إلى الله بعبادته وحده ونرك الأصنام كليا والانخلاع من هذه الربقة المهلكة . ربقة الشرك والضلال والتعس ، والتشبث بالأصنام المفتراة –لئن لم يفيقوا من هذا العمه الطاغي يستنقذوا أنفسهم من كابوس الوثنية الضالة العمياء ؛ فلسوف يحيق بهم العذاب من الله . وهو عذاب أليم شديد قي يوم مذهل رعيب يشتد فيه الهول ويتعاظم فيه البلاء . ونوح عليه السلام حريص على قومه كل الحرص لتنجيتهم من العذاب . بل إنه يخاف عليهم أن يحل عليهم العذاب يوم القيامة ، وحينئذ لا يحول دونه حائل ، ولا تجدي معه شفاعة الشافعين .