الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (25)

قوله تعالى : " والله يدعو إلى دار السلام " لما ذكر وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال : إن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام ، أي إلى الجنة . قال قتادة والحسن : السلام هو الله ، وداره الجنة ، وسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات . ومن أسمائه سبحانه " السلام " ، وقد بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) . ويأتي في سورة " الحشر{[8462]} " إن شاء الله . وقيل : المعنى والله يدعو إلى دار السلامة . والسلام والسلامة بمعنى كالرضاع والرضاعة ، قاله الزجاج . قال الشاعر :

تحيي بالسلامة أم بكر*** وهل لك بعد قومك من سلام

وقيل : أراد والله يدعو إلى دار التحية ؛ لأن أهلها ينالون من الله التحية والسلام ، وكذلك من الملائكة . قال الحسن : إن السلام لا ينقطع ، عن أهل الجنة ، وهو تحيتهم ، كما قال : " وتحيتهم فيها سلام " [ يونس : 10 ] . وقال يحيى بن معاذ : يا ابن آدم ، دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه ، فإن أجبته من دنياك دخلتها ، وإن أجبته من قبرك منعتها . وقال ابن عباس : الجنان سبع : دار الجلال ، ودار السلام ، وجنة عدن ، وجنة المأوى ، وجنة الخلد ، وجنة الفردوس ، وجنة النعيم .

قوله تعالى : " ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " عم بالدعوة إظهارا لحجته ، وخص بالهداية استغناء عن خلقه . والصراط المستقيم قيل : كتاب الله ، رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الصراط المستقيم كتاب الله تعالى ) . وقيل : الإسلام ، رواه النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : الحق ، قاله قتادة ومجاهد . وقيل : رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . وروى جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : ( رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه : اضرب له مثلا فقال له اسمع سمعت أذناك واعقل عقل قلبك ، وإنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ، ومنهم من تركه فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة ، وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل في الإسلام ومن دخل في الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها ) ثم تلا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم{[8463]} " . ثم تلا قتادة ومجاهد : " والله يدعو إلى دار السلام " . وهذه الآية بينة الحجة في الرد على القدرية ؛ لأنهم قالوا : هدى الله الخلق كلهم إلى صراط مستقيم ، والله قال : " ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " فردوا على الله نصوص القرآن .


[8462]:راجع ج 18 ص 45.
[8463]:هذه الآية والجملة قبلها ليست في ب و ك و هـ و ى.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (25)

ولما قرر سبحانه هذه الآيات التي حذر فيها من أنواع الآفات ، وبين أن الدار التي رضوا بها واطمأنوا إليها دار المصائب ومعدن الهلكات والمعاطب وأنها ظل زائل تحذيراً منها وتنفيراً عنها ، بين تعالى أن الدار التي{[37839]} دعا إليها سالمة من كل نصب وهم ووصب ، ثابتة بلا زوال ، فقال تعالى عاطفاً على قوله { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض } ترغيباً في الآخرة وحثاً عليها : { والله } أي الذي له الجلال والإكرام { يدعوا } أي يعلق دعاءه على سبيل التجدد والاستمرار بالمدعوين { إلى دار السلام } عن قتادة أنه سبحانه أضافها إلى اسمه تعظيماً لها وترغيباً فيها ، يعني بأنها لا عطب فيها أصلاً ، والسلامة فيها دائمة ، والسلام فيها فاش من بعضهم على بعض ومن الملائكة وغيرهم ؛ والدعاء : طلب الفعل بما يقع لأجله ، والدواعي إلى الفعل خلاف الصوارف عنه .

ولما أعلم - بالدعوة بالهداية بالبيان وأفهم ختم الآية بقوله : { ويهدي من يشاء } أي بما يخلق في قلبه من الهداية { إلى صراط مستقيم* }أي{[37840]} من الناس من يهديه ومنهم من يضله . وأن الكل فاعلون لما يشاء - كان موضع أن يقال : هل هم واحد في جزائه كما هم واحد في الانقياد لمراده ؟ فقيل : لا ، بل هم فريقان :


[37839]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[37840]:من ظ، وفي الأصل: أي.