الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (22)

قوله تعالى : " هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " أي يحملكم في البر على الدواب وفي البحر على الفلك . وقال الكلبي : يحفظكم في السير . والآية تتضمن تعديد النعم فيما هي الحال بسبيله من ركوب الناس الدواب والبحر . وقد مضى الكلام في ركوب البحر في " البقرة{[8452]} " . " يسيركم " قراءة العامة . ابن عامر " ينشركم " بالنون والشين ، أي يبثكم ويفرقكم . والفلك يقع على الواحد والجمع ، ويذكر ويؤنث ، وقد تقدم القول فيه{[8453]} . وقوله : " وجرين بهم " خروج من الخطاب إلى الغيبة ، وهو في القرآن وأشعار العرب كثير . قال النابغة :

يا دار مية بالعلياء فالسند*** أقوت وطال عليها سالف الأمد

قال ابن الأنباري : وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب ، قال الله تعالى : " وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا{[8454]} " [ الإنسان : 21 - 22 ] فأبدل الكاف من الهاء .

قوله تعالى " بريح طيبة وفرحوا بها " تقدم الكلام{[8455]} فيها في البقرة . " جاءتها ريح عاصف " الضمير في " جاءتها " للسفينة . وقيل للريح الطيبة . والعاصف الشديدة ، يقال : عصفت الريح وأعصفت ، فهي عاصف ومعصف ومعصفة أي شديدة ، قال الشاعر :

حتى إذا أعصفت ريحٌ مُزَعْزِعَةٌ *** فيها قطار ورعد صوته زَجَلُ وقال " عاصف " بالتذكير لأن لفظ الريح مذكر ، وهي القاصف أيضا . والطيبة غير عاصف ولا بطيئة . " وجاءهم الموج من كل مكان " والموج ما ارتفع من الماء " وظنوا " أي أيقنوا " أنهم أحيط بهم " أي أحاط بهم البلاء ؛ يقال لمن وقع في بلية : قد أحيط به ، كأن البلاء قد أحاط به ، وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله . " دعوا الله مخلصين له الدين " أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون . وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد ، وأن المضطر يجاب دعاؤه ، وإن كان كافرا ؛ لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب ، على ما يأتي بيانه في " النمل " إن شاء الله تعالى . وقال بعض المفسرين : إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهيا ، أي يا حي يا قيوم . وهي لغة العجم .

مسألة : هذه الآية تدل على ركوب البحر مطلقا ، ومن السنة حديث أبي هريرة وفيه : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء . . . الحديث . وحديث أنس في قصة أم حرام يدل على جواز ركوبه في الغزو ، وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " مستوفى{[8456]} والحمد لله . وقد تقدم في آخر " الأعراف " حكم راكب البحر في حال ارتجاجه وغليانه ، هل حكمه حكم الصحيح أو المريض المحجور عليه ، فتأمله هناك{[8457]} .

قوله تعالى : " لئن أنجيتنا من هذه " أي هذه الشدائد والأهوال . وقال الكلبي : من هذه الريح . " لنكونن من الشاكرين " أي من العاملين بطاعتك على نعمة الخلاص .


[8452]:راجع ج 2 ص 194.
[8453]:راجع ج 2 ص 194.
[8454]:راجع ج 19 ص 141 فما بعد.
[8455]:راجع ج 2 ص 297 وص 195.
[8456]:راجع ج 13 ص 223.
[8457]:راجع ج 7 ص 341.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (22)

ثم أخذ سبحانه يبين ما يتضح{[37799]} به أسرعية مكره في مثال دال على ما في الآية قبلها من نقله سبحانه لعباده{[37800]} من الضر إلى النعمة ومن سرعة تقلبهم فقال : { هو } أي لا غيره { الذي يسيركم } أي{[37801]} في كل وقت تسيرون فيه سيراً عظيماً لا تقدرون على الانفكاك عنه { في البر والبحر } أي يسبب لكم أسباباً توجب سيركم فيهما ويقدركم على ذلك ويهديكم من بين سائر الحيوانات إلى ما فيه من أصناف المنافع مع قدرته على إصابتكم في البر بالخسف وما بالخسف وما دونه وفي البحر بالغرق وما أشبهه .

ولما كان العطب بأحوال البحر أظهر مع أن السير فيه من أكبر الآيات وأوضح البينات ، بينه معرضاً عن ذكر البر فقال : { حتى إذا كنتم } أي كوناً لا براح لكم منه { في الفلك } أي السفن ، يكون واحداً وجمعاً ؛ وأعرض عنهم بعد الإقبال لما سيأتي فقال : { وجرين } أي الفلك{[37802]} ؛ { بهم } ولما ذكر جريها وهم فيها ، ذكر سببه فقال : { بريح طيبة } ثم أوضح{[37803]} لهم عدم علمهم بالعواقب بقوله : { وفرحوا بها } أي بتلك الريح وبالفلك الجارية بها { جاءتها ريح عاصف } فأزعجت سفنهم وساءتهم { وجاءهم الموج } أي المعروف لكل أحد بالرؤية أو الوصف { من كل مكان } أي يعتاد الإتيان منه فأرجف قلوبهم { وظنوا أنهم } ولما كان المخوف الهلاك ، لا كونه من معين ، بني للمفعول ما هو كناية عنه لأن العدو إذا أحاط بعدوه أيقن بالهلاك فقال : { أحيط بهم } .

ولما كان ما تقدم من حالهم الغريبة{[37804]} التي تجب لها القلوب وتضعف عندها{[37805]} القوى - مقتضياً لأن يسأل عما يكون منهم عند ذلك ، أتى المقال على مقتضى هذا السؤال مخبراً عن تركهم العناد وإخلاصهم الدال على جزعهم عند سطواته وانحلال عزائمهم في مشاهدة ضرباته ، وعبارة الرماني : اتصال دعوى الأجوبة ، كأنه قيل : لما ظنوا أنهم أحيط بهم { دعوا الله } أي الذي له صفات الكمال بالرغبة إليه في الخلاص والعبادة له .

بالإخلاص { مخلصين } أي عن كل شرك{[37806]} { له الدين * } أي {[37807]}التوحيد والتصديق{[37808]} بالظاهر والباطن ، وقد تضمنت الآية البيان عما توجبه{[37809]} بديهة العقل من الفزع عند الشدة إلى واهب السلامة ومسبغ{[37810]} النعمة في كشف تلك البلية ؛ ثم أتبع سبحانه ذلك حكاية حالهم{[37811]} في وعدهم الشكر على النجاة ثم كذبهم في ذلك مع ادعائهم أنهم أطهر الناس ذيولاً عن الكذب وأشدهم استقباحاً له وأبعد الناس من كفران الإحسان ، فقال تعالى حاكياً قولهم الذي دلُّوا بتأكيدهم له أنهم قالوه بغاية الرغبة نافين ما يظن بهم{[37812]} من الرجوع إلى ما كانوا فيه قبل تلك الحال من الكفر : { لئن أنجيتنا } أي أيها الملك الذي لا سلطان لغيره { من هذه } أي الفادحة { لنكونن } أي كوناً لا ننفك عنه { من الشاكرين* } أي المديمين لشكرك العريقين في الاتصاف به .


[37799]:في ظ: تتضح.
[37800]:في ظ: العبادة.
[37801]:زيد من ظ.
[37802]:من ظ، وفي الأصل: السفن.
[37803]:في ظ: أوضحوا.
[37804]:في ظ: القريبة.
[37805]:في ظ: عنها.
[37806]:في ظ: شك.
[37807]:في ظ: التوجه والقصد.
[37808]:في ظ: التوجه والقصد.
[37809]:في ظ: توجبه.
[37810]:في ظ: منبع.
[37811]:من ظ، وفي الأصل: لهم.
[37812]:في ظ: به.