الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ} (36)

قوله تعالى : " وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " " أنه " في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسم فاعله . ويجوز أن يكون في موضع نصب ، ويكون التقدير : ب " أنه " . و " آمن " في موضع نصب ب " يؤمن " ومعنى الكلام الإياس من إيمانهم ، واستدامة كفرهم ، تحقيقا لنزول الوعيد بهم . قال الضحاك : فدعا عليهم لما أخبر بهذا فقال : " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا " {[8674]} [ نوح : 26 ] الآيتين . وقيل : إن رجلا من قوم نوح حمل ابنه على كتفه ، فلما رأى الصبي نوحا قال لأبيه : اعطني حجرا ، فأعطاه حجرا ، ورمى به نوحا عليه السلام فأدماه ، فأوحى الله تعالى إليه " أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " . " فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " أي فلا تغتم بهلاكهم حتى تكون بائسا ، أي حزينا . والبؤس الحزن ؛ ومنه قول الشاعر :

وكم من خليل أو حميم رُزِئْته*** فلم أبتئس والرُّزْءُ فيه جَلِيلُ

يقال : ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه . والابتئاس حزن في استكانة .


[8674]:راجع ج 18 ص 312.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ} (36)

ولما فرغ من هذه الجملة التي هي المقصود بهذا السياق كله وإن كانت اعتراضية في هذه القصة ، رجع إلى إكمالها بياناً لأن نوحاً عليه السلام كان يكاشف قومه بجميع ما أمر به وإن عظمت مشقته عليهم بحيث لم يكن قط موضع رجاء لهم في أن يترك شيئاً منه وتحذيراً لكل من سمع قصتهم من أن يحل به ما حل بهم فقال : { وأوحي } أي من الذي لاموحي إلا هو وهو ملك الملوك { إلى نوح } بعد تلك الخطوب { أنه لن يؤمن } بما جئت به { من قومك إلا من } ولما كان الذي يجيب الإنسان إلى ما يسأله فيه يلوح{[39226]} عليه مخايل قبل الإجابة يتوقع السائل بها الإجابة ، قال : { قد آمن فلا } أي فتسبب عن علمك بأنه قد تم شقاءهم أنا نقول لك : لا{[39227]} { تبتئس } أي يحصل لك بؤس ، أي شدة يعظم عليك خطبها بكثرة تأملك في عواقبها { بما كانوا } أي بما جبلوا عليه { يفعلون* } فإنا نأخذ لك بحقك منهم قريباً ،


[39226]:في ظ: تلوح.
[39227]:زيد من ظ.