الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (34)

قوله تعالى : " ولا ينفعكم نصحي " أي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم . " إن أردت أن أنصح لكم " أي لأنكم لا تقبلون نصحا ، وقد تقدم في " براءة " {[8668]} معنى النصح لغة . "

قوله تعالى : " إن كان الله يريد أن يغويكم " أي يضلكم . وهذا مما يدل على بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما ؛ إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي العاصي ، ولا يكفر الكافر ، ولا يغوي الغاوي ، وأن يفعل ذلك ، والله لا يريد ذلك ، فرد الله عليهم بقوله : " إن كان الله يريد أن يغويكم " . وقد مضى هذا المعنى في " الفاتحة " وغيرها{[8669]} . وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيناه في " الأعراف " في إغواء الله تعالى إياه حيث قال : " فبما أغويتني{[8670]} " [ الأعراف : 16 ] ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام : " إن كان الله يريد أن يغويكم " فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه وتعالى ؛ إذ هو الهادي والمضل ، سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيرا . وقيل : " أن يغويكم " يهلككم ؛ لأن الإضلال يفضي إلى الهلاك . الطبري : " يغويكم " يهلككم بعذابه ، حكي عن طيء أصبح فلان غاويا أي مريضا ، وأغويته أهلكته ، ومنه " فسوف يلقون غيا{[8671]} " . [ مريم : 59 ] . " هو ربكم " فإليه الإغواء ، وإليه الهداية . " وإليه ترجعون " تهديد ووعيد .


[8668]:راجع ج 8 ص 226 فما بعد.
[8669]:راجع ج 1 ص 149 و ج 4 ص 20.
[8670]:راجع ج 7 ص 77 و ص 174.
[8671]:راجع ج 11 ص 125.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ} (34)

ولما بين أنهم إنما هم في قبضته سبحانه ، زاد في بيان عظمته وأن إرادته تضمحل معها كل إرادة في سياق دال على أنه بذلك ناصح لهم وأن نصحه خاص بهم ، فقال جواباً لما وهموا{[39205]} من أن جداله لهم كلام بلا طائل : { ولا ينفعكم نصحي } وذكر إرادته لما يريد أن يذكره من إرادة الله فقال : { إن أردت } أي جمعت إلى فعل النصح إرادة{[39206]} { أن أنصح لكم } بإعلام موضع الغي ليتقى والرشد ليتبع ، وجزاءه محذوف تقديره : لا ينفعكم نصحي { إن كان الله } أي الذي له الأمر كله { يريد أن يغويكم } أي يضلكم ويركبكم غير الصواب فإنه إرادته سبحانه تغلب إرادتي وفعلي معاً{[39207]} لا ينفعكم شيء إشارة إلى أنكم لا تقدرون على دفع العذاب بقوة فتكونوا {[39208]}غالبين ، ولا بطاعة فتكونوا{[39209]} محبوبين مقربين إن كان الله يريد إهلاككم بالإغواء ، وان أردت أنا نجاتكم ، ولم يقل{[39210]} : ولا ينفعكم نصحي إن نصحت لكم ، إشارة إلى أني لا أملك إلا إرادتي لنصحكم ، فإذا أردته فغاية ما يترتب عليه من فعلي وقوع النصح وإخلاصه لكم ، وأما{[39211]} النفع به فلا شيء منه إليّ ، بل هو تابع لمراد الله ، فإن أراد غوايتكم حصلت لا محالة ، ولم يقع ما قد يترتب على النصح من عمل المنصوح بمقتضاه المستجلب لنفع المستدفع للضر{[39212]} ؛ ثم رغبهم في إحسانه ورهبهم من انتقامه معللاً لعدم ما لا يريده : { هو ربكم } أي الموجد لكم المدبر لأموركم فهو يتصرف وحده لما يريد .

ولما كان التقدير : فمنه مبدؤكم ، عطف عليه قوله : { وإليه } أي لا إلى غيره { ترجعون* } أي بأيسر أمر وأهونه بالموت ثم البعث فيجازيكم على أعمالكم كما هي عادة الملوك مع عمالهم .


[39205]:في ظ: أوهموا.
[39206]:زيد من ظ.
[39207]:زيد من ظ.
[39208]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[39209]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[39210]:في الأصل: ولا يقل، والعبارة من هنا إلى "نصحت لكم" ساقطة من ظ.
[39211]:في ظ: ما.
[39212]:في ظ: للضرر.