الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (25)

قوله تعالى :{ واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر } .

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " واستبقا الباب " قال العلماء : وهذا من اختصار القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني ، وذلك أنه لما رأى برهان ربه هرب منها فتعاديا ، هي لترده إلى نفسها ، وهو ليهرب عنها ، فأدركته قبل أن يخرج . وحذفت الألف من " استبقا " في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها ؛ كما يقال : جاءني عبد الله في التثنية ، ومن العرب من يقول : جاءني عبدا الله بإثبات الألف بغير همز ، يجمع بين ساكنين ؛ لأن الثاني مدغم ، والأول حرف مد ولين . ومنهم من يقول : عبدا الله بإثبات الألف والهمز ، كما تقول في الوقف .

قوله تعالى : " وقدت قميصه من دبر " أي من خلفه ، قبضت في أعلى قميصه فتخرق القميص عند طوقه ، ونزل التخريق إلى أسفل القميص . والاستباق طلب السبق إلى الشيء ، ومنه السباق . والقد القطع ، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولا ، قال النابغة{[9050]} :

تُقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ*** وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُبَاحِبِ

والقُطُّ بالطاء يستعمل فيما كان عَرْضاً . وقال المفضل بن حرب : قرأت في مصحف " فلما رأى قميصه عط من دبره " أي شق . قال يعقوب : العَطُّ الشق في الجلد الصحيح والثوب الصحيح .

الثانية : في الآية دليل على القياس والاعتبار ، والعمل بالعرف والعادة ؛ لما ذكر من قد القميص مقبلا ومدبرا ، وهذا أمر انفرد به المالكية في كتبهم ، وذلك أن القميص إذا جبذ من خلف تمزق من تلك الجهة ، وإذا جبذ من قدام تمزق من تلك الجهة ، وهذا هو الأغلب{[9051]} .

قوله تعالى : " وألفيا سيدها لدى الباب " أي وجدا العزيز عند الباب ، وعني بالسيد الزوج ، والقبط يسمون الزوج سيدا . يقال : ألفاه وصادفه ووارطه ووالطه ولاطه كله بمعنى واحد{[9052]} ، فلما رأت زوجها طلبت وجها للحيلة وكادت{[9053]} ف " قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا " أي زنى .

قوله تعالى : " إلا أن يسجن " تقول : يضرب ضربا وجيعا . و " ما جزاء " ابتداء ، وخبره " أن يسجن " . " أو عذاب أليم " عطف على موضع " أن يسجن " لأن المعنى : إلا السجن . ويجوز أو عذابا أليما بمعنى : أو يعذب عذابا أليما ، قاله الكسائي .


[9050]:يصف السيوف وقد تقدم شرح البيت بهامش ص 103 من هذا الجزء.
[9051]:في ع و ك: في.
[9052]:كذا العبارة في الأصول وفي "البحر المحيط" ولم نقف على مادة (وارط ووالط ولاط) بمعنى (ألفى) في معاجم اللغة.
[9053]:من الكيد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (25)

ثم ذكر سبحانه وتعالى{[41120]} مبالغته في الامتناع{[41121]} بالجد في الهرب دليلاً على إخلاصه وأنه لم يهمّ أصلاً فقال : { واستبقا الباب } أي أوجد{[41122]} المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما ، هذا للهرب منها ، وهذه لمنعه ، فأوصل الفعل إلى المفعول بدون " إلى " ، دليلاً{[41123]} على أن كلا منهما بذل أقصى جهده في السبق ، فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه{[41124]} كان قد{[41125]} سبقها بقوة الرجولية وقوة الداعية إلى الفرار إلى الله ، ولكن عاقة إتقانها للمكر بكون الأبواب كانت مغلقة ، فكان يشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه ، وهو ما كان من ورائه خوف فواته ، فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها ، ففتحه وأراد الخروج فمنعته { و } لم تزل{[41126]} تنازعه حتى { قدت قميصه } وكان القد { من دبر } أي الناحية الخلف منه ، وانقطعت منه قطعة فبقيت في يدها { وألفيا } أي وجدا مع ما بهما من الغبار والهيئة التي لا تليق{[41127]} بهما { سيدها } أي زوجها ، ولم يقل : سيدهما ، لأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يدخل في رق -{[41128]} كما مضى{[41129]} - لأن المسلم لا يملك وهو السيد { لدا } أي عند ذلك { الباب } أي الخارج ، على كيفية غريبة جداً ، هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام لأن السيد لا يقدر على{[41130]} فتحه فضلاً عن الوصول إلى غيره لتغليق الجميع{[41131]} .

ولما علم السامع أنهما ألفياه وهما على هذه الحالة كان كأنه قيل{[41132]} : فما اتفق ؟ فقيل : { قالت } مبادرة من غير حياء ولا تلعثم{[41133]} { ما } نافية ، ويجوز{[41134]} أن تكون{[41135]} استفهامية { جزاء من أراد } أي منه ومن{[41136]} غيره كائناً{[41137]} من كان ، لما لك من العظمة { بأهلك سوءاً } أي ولو أنه غير الزنا { إلا أن يسجن } أي يودع في السجن إلى وقت ما ، ليحكم فيه بما يليق { أو عذاب أليم } أي دائم ثابت غير السجن ؛ والجزاء : مقابلة العمل بما هو حقه ، هذا كان حالها عند المفاجأة ، وأما{[41138]} هو عليه الصلاة والسلام فجرى على سجايا الكرام بأن سكت ستراً عليها وتنزهاً{[41139]} عن ذكر الفحشاء ،


[41120]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: مبالغة بالامتناع.
[41121]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: مبالغة بالامتناع.
[41122]:في مد: وجدا.
[41123]:في مد: دليل.
[41124]:في ظ: قد كان.
[41125]:في ظ: قد كان.
[41126]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لم يزل.
[41127]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا يليق.
[41128]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41129]:سقط ما بين الرقمين من م.
[41130]:زيد من ظ و م ومد.
[41131]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الجمع.
[41132]:سقط من ظ.
[41133]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تعليم.
[41134]:في ظ: لا يجوز، وراجع أيضا البحر 5/297 للنص على جواز كونها استفهامية.
[41135]:في مد: يكون.
[41136]:من مد، وفي الأصل: غير كاينة، وفي ظ: غيره كاينة، وفي م: غير كانا- كذا.
[41137]:من مد، وفي الأصل: غير كاينة، وفي ظ: غيره كاينة، وفي م: غير كانا- كذا.
[41138]:زيد في ظ: ما.
[41139]:من م ومد، وفي الأصل: سترها، وفي ظ: نترهما- كذا.