قوله تعالى : " وراودته التي هو في بيتها عن نفسه " وهي امرأة العزيز ، طلبت منه أن يواقعها . وأصل المراودة الإرادة والطلب برفق ولين . والرود والرياد طلب الكلأ ، وقيل : هي من رويد ، يقال : فلان يمشي رويدا ، أي برفق ، فالمراودة الرفق في الطلب ، يقال في الرجل : راودها عن نفسها ، وفي المرأة راودته عن نفسه . والرود التأني ، يقال : أرودني أمهلني . " وغلقت الأبواب " غلق للكثير ، ولا يقال : غلق الباب ، وأغلق يقع للكثير والقليل ، كما قال الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء :
ما زلتُ أغلقُ أبواباً وأفتحُها *** حتى أتيتُ أبا عمرو بن عمار
يقال : إنها كانت سبعة أبواب غلقتها ثم دعته إلى نفسها . " وقالت هيت لك " أي هلم وأقبل وتعال ، ولا مصدر له ولا تصريف . قال النحاس : فيها سبع قراءات ، فمن أجل ما فيها وأصحه إسنادا ما رواه الأعمش عن أبي وائل قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ " هَيتَ لك " قال فقلت : إن قوما يقرؤونها " هِيتَ لك " فقال : إنما أقرأ كما علمت . قال أبو جعفر : وبعضهم يقول عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يبعد ذلك ؛ لأن قوله : إنما أقرأ كما علمت يدل على أنه مرفوع ، وهذه القراءة بفتح التاء والهاء هي الصحيحة من قراءة ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وعكرمة ، وبها قرأ أبو عمرو بن العلاء وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي . قال عبدالله ابن مسعود : لا تقطعوا في القرآن ، فإنما هو مثل قول أحدكم : هلم تعال . وقرأ ابن أبي إسحاق النحوي " قالت هَيتِ لك " بفتح الهاء وكسر التاء . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وابن كثير " هَيتُ لك " بفتح الهاء وضم التاء ، قال طرفة :
ليس قومي بالأبعَدِينَ إذا ما *** قال داعٍ من العشيرةِ هَيْتُ
فهذه ثلاث قراءات الهاء فيهن مفتوحة . وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع " وقالت هِيتَ لك " بكسر الهاء وفتح التاء . وقرأ يحيى بن وثاب " وقالت هِيْتُ لك " بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة والتاء مضمومة . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس ومجاهد وعكرمة : " وقالت هَئتُ لك " بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء مضمومة . وعن ابن عامر وأهل الشام : " وقالت هِئتَ " بكسر الهاء وبالهمزة وبفتح التاء ، قال أبو جعفر : " هئتَ لك " بفتح التاء لالتقاء الساكنين ، لأنه صوت نحو : مه وصه يجب ألا يعرب ، والفتح خفيف ؛ لأن قبل التاء ياء مثل ، أين وكيف ، ومن كسر التاء فإنما كسرها لأن الأصل الكسر ؛ لأن الساكن إذا حُرِّكَ حُرِّكَ إلى الكسر ، ومن ضم فلأن فيه معنى الغاية ، أي قالت : دعائي لك ، فلما حذفت الإضافة بني على الضم ؛ مثل حيث وبعد . وقراءة أهل المدينة فيها قولان : أحدهما : أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين كما مر . والآخر : أن يكون فعلا من هاء يهيئ مثل جاء يجيء ، فيكون المعنى في " هئت " أي حسنت هيئتك ، ويكون " لك " من كلام آخر ، كما تقول : لك أعني . ومن همز . وضم التاء فهو فعل بمعنى تهيأت لك ، وكذلك من قرأ " هيت لك " . وأنكر أبو عمرو هذه القراءة ، قال أبو عبيدة - معمر بن المثنى : سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء وضم التاء مهموزا فقال أبو عمرو : باطل ، جعلها من تهيأت ! اذهب فاستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن هل تعرف أحدا يقول هذا ؟ ! وقال الكسائي أيضا : لم تحك " هئت " عن العرب . قال عكرمة : " هئت لك " أي تهيأت لك وتزينت وتحسنت ، وهي قراءة غير مرضية ؛ لأنها لم تسمع في العربية . قال النحاس : وهي جيدة عند البصريين ؛ لأنه يقال : هاء الرجل يهاء ويهيئ هيأة فهاء يهيئ مثل جاء يجيء وهئت مثل جئت . وكسر الهاء في " هيت " لغة لقوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها . قال الزجاج : أجود القراءات " هيت " بفتح الهاء والتاء ، قال طرفة :
ليس قومي بالأبْعَدِينَ إذا ما*** قال داعٍ من العشيرةِ هَيْتَ
بفتح الهاء والتاء . وقال الشاعر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
أبلغ أمير المؤمن *** ين أخا العراق إذا أتيتا
إن العراق وأهله *** سِلْمٌ إليك فهَيْتَ هَيْتَا
قال ابن عباس والحسن : " هيت " كلمة بالسريانية تدعوه إلى نفسها . وقال السدي : معناها بالقبطية{[9033]} هلم لك . قال أبو عبيد : كان الكسائي يقول : هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز معناه تعال ؛ قال أبو عبيد : فسألت شيخا عالما من حوران فذكر أنها لغتهم ، وبه قال عكرمة . وقال مجاهد وغيره : هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها ، وهي كلمة حث وإقبال على الأشياء ، قال الجوهري : يقال هَوَّتَ به وهَيَّت به إذا صاح به ودعاه ، قال :
قد رابني أن الكَريَّ أسكَتَا*** لو كان مَعْنِيًّا بها لهَيَّتَا
قوله تعالى : " قال معاذ الله " أي أعوذ بالله وأستجير به مما دعوتني إليه ، وهو مصدر ، أي أعوذ بالله معاذا ، فيحذف المفعول وينتصب بالمصدر بالفعل المحذوف ، ويضاف المصدر إلى اسم الله كما يضاف المصدر إلى المفعول ، كما تقول : مررت بزيد مرور عمرو أي كمروري بعمرو . " إنه ربي " يعني زوجها ، أي هو سيدي أكرمني فلا أخونه ، قاله مجاهد وابن إسحاق والسدي . وقال الزجاج : أي إن الله ربي تولاني بلطفه ، فلا أرتكب ما حرمه . وفي الخبر أنها قالت له : يا يوسف ! ما أحسن صورة وجهك ! قال : في الرحم صورني ربي ، قالت : يا يوسف ما أحسن شعرك ! قال : هو أول شيء يبلى مني في قبري ؛ قالت : يا يوسف ! ما أحسن عينيك ؟ قال : بهما أنظر إلى ربي . قالت : يا يوسف ! ارفع بصرك فانظر في وجهي ، قال : إني أخاف العمى في آخرتي . قالت يا يوسف ! أدنو منك وتتباعد مني ؟ ! قال : أريد بذلك القرب من ربي . قالت : يا يوسف ! القيطون{[9034]} فرشته لك{[9035]} فادخل معي ، قال : القيطون لا يسترني من ربي . قالت : يا يوسف ! فراش الحرير قد فرشته لك ، قم فاقض حاجتي ، قال : إذا يذهب من الجنة نصيبي ، إلى غير ذلك من كلامها وهو يراجعها ، إلى أن هم بها . وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله ، فألقى عليه هيبة النبوة ، فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه . واختلف العلماء في همه . ولا خلاف أن همها كان المعصية ، وأما يوسف فهم بها " لولا أن رأى برهان ربه " ولكن لما رأى البرهان ما هم ؛ وهذا لوجوب العصمة للأنبياء ، قال الله تعالى : " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين " فإذا في الكلام تقديم وتأخير ؛ أي لولا أن رأى برهان{[9036]} ربه هم بها . قال أبو حاتم : كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله : " ولقد همت به وهم بها " الآية ، قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، كأنه أراد ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها . وقال أحمد بن يحيى : أي همت زليخاء بالمعصية وكانت مصرة ، وهم يوسف ولم يواقع ما هم به ، فبين الهِمَّتَيْن فرق ، ذكر هذين القولين الهروي في كتابه . قال جميل :
هَمَمْتُ بهمٍّ من بُثَينَة لو بدا *** شَفيتُ غليلاتِ الهوى من فُؤاديَا
هممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتني*** تركتُ على عثمانَ تبكِي حلائلُه
فهذا كله حديث نفس من غير عزم . وقيل : هم بها ، تمنى زوجيتها . وقيل : هم بها أي بضربها{[9037]} ودفعها عن نفسه ، والبرهان كفه عن الضرب ؛ إذ لو ضربها لأوهم أنه قصدها بالحرام فامتنعت فضربها . وقيل : إن هم يوسف كان معصية ، وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته ، وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم ، فيما ذكر القشيري أبو نصر ، وابن الأنباري والنحاس والماوردي وغيرهم . قال ابن عباس : حل الهِمْيَان{[9038]} وجلس منها مجلس الخاتن ، وعنه : استلقت ، على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه . وقال سعيد بن جبير : أطلق تكة سراويله . وقال مجاهد : حل السراويل حتى بلغ الأليتين ، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته . قال ابن عباس : ولما قال : " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " [ يوسف : 52 ] قال له جبريل : ولا حين هممت بها يا يوسف ؟ ! فقال عند ذلك : " وما أبرئ نفسي " [ يوسف : 53 ] . قالوا : والانكفاف في مثل هذه الحالة دال على الإخلاص ، وأعظم للثواب .
قلت : وهذا كان سبب ثناء الله تعالى على ذي الكفل حسب ، ما يأتي بيانه في " ص " {[9039]} ] إن شاء الله تعالى . وجواب " لولا " على هذا محذوف ، أي لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به ، ومثله " كلا لو تعلمون علم اليقين{[9040]} " [ التكاثر : 5 ] وجوابه لم تتنافسوا ، قال ابن عطية : روي هذا القول عن ابن عباس وجماعة من السلف ، وقالوا : الحكمة في ذلك أن يكون مثلا للمذنبين ليروا أن توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم ولم يُوبِقه القرب من الذنب ، وهذا كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين رجلي زليخاء وأخذ في حل ثيابه وتكته ونحو ذلك ، وهي قد استلقت له ، حكاه الطبري . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : وابن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه هم بها ، وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه ، وأشد تعظيما للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم . وقال الحسن : إن الله عز وجل لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها ، ولكنه ذكرها لكيلا تيأسوا من التوبة . قال الغزنوي : مع أن لزلة الأنبياء حِكَما : زيادة الوجل ، وشدة الحياء بالخجل ، والتخلي عن عجب العمل ، والتلذذ بنعمة العفو بعد الأمل ، وكونهم أئمة رجاء أهل الزلل . قال القشيري أبو نصر : وقال قوم جرى من يوسف هم ، وكان ذلك الهم{[9041]} حركة طبع من غير تصميم للعقد على الفعل ، وما كان من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد ، وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء البارد ، وتناول الطعام اللذيذ ، فإذا لم يأكل ولم يشرب ، ولم يصمم عزمه على الأكل والشرب لا يؤاخذ بما هجس في النفس ، والبرهان صرفه عن هذا الهم حتى لم يصر عزما مصمما .
قلت : هذا قول حسن ، وممن قال به الحسن . قال ابن عطية : الذي أقول به في هذه الآية إن كون يوسف نبيا في وقت هذه النازلة لم يصح ، ولا تظاهرت به رواية ، وإذا كان كذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما ، ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة ، وإن فرضناه نبيا في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو خاطر ، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تكته ونحوه ؛ لأن العصمة مع النبوة . وما روي من أنه قيل له : تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء . فإنما معناه العدة بالنبوة فيما بعد .
قلت : ما ذكره من هذا{[9042]} التفصيل صحيح ، لكن قوله تعالى : " وأوحينا إليه " [ يوسف : 15 ] يدل على أنه كان نبيا على ما ذكرناه ، وهو قول جماعة من العلماء ، وإذا كان نبيا فلم يبق إلا أن يكون الهم الذي هم به ما يخطر في النفس ولا يثبت في الصدر ، وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق ، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه ، ويكون قوله : " وما أبرئ نفسي " [ يوسف : 53 ] - إن كان من قول يوسف - أي من هذا الهم ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف ، لمخالفة النفس لما زكي به قبل وبرئ ، وقد أخبر الله تعالى عن حال يوسف من حين بلوغه فقال : " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما " [ يوسف : 22 ] على ما تقدم بيانه ، وخبر الله تعالى صدق ، ووصفه صحيح ، وكلامه حق ، فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزنى ومقدماته ، وخيانة السيد والجار والأجنبي في أهله ، فما تعرض لامرأة العزيز ، ولا أجاب إلى المراودة ، بل أدبر عنها وفر منها ، حكمة خص بها ، وعملا بمقتضى ما علمه الله . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال : ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جَرَّاي ){[9043]} . وقال عليه السلام مخبرا عن ربه : ( إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت حسنة ) . فإن كان ما يهم به العبد من السيئة يكتب له بتركها حسنة فلا ذنب ، وفي الصحيح : ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به ) وقد تقدم . قال ابن العربي : كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية ، - وأي إمام - يعرف بابن عطاء ! تكلم يوما على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه ، فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال : يا شيخ ! يا سيدنا ! فإذا يوسف هم وما تم ؟ قال : نعم ! لأن العناية من ثم . فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم ، وانظر إلى فطنة العامي في سؤاله ، وجواب العالم في اختصاره واستيفائه ؛ ولذلك قال علماء الصوفية : إن فائدة قوله : " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما " [ يوسف : 22 ] إنما أعطاه ذلك إبان غلبة الشهوة لتكون له سببا للعصمة .
قلت : وإذا تقررت عصمته وبراءته بثناء الله تعالى عليه فلا يصح ما قال مصعب بن عثمان : إن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها ، فاشتاقته امرأة فسامته نفسها فامتنع عليها وذكرها ، فقالت : إن لم تفعل لأشهرنك ، فخرج وتركها ، فرأى في منامه يوسف الصديق عليه السلام جالسا فقال : أنت يوسف ؟ فقال : أنا يوسف الذي هممت ، وأنت سليمان الذي لم تهم ؟ ! فإن هذا يقتضي أن تكون درجة الولاية أرفع من درجة النبوة وهو محال ، ولو قدرنا يوسف غير نبي فدرجته الولاية ، فيكون محفوظا كهو ، ولو غلقت على سليمان الأبواب ، وروجع في المقال والخطاب ، والكلام والجواب مع طول الصحبة لخيف عليه الفتنة ، وعظيم المحنة ، والله أعلم .
قوله تعالى : " لولا أن رأى برهان ربه " " أن " في موضع رفع أي لولا رؤية برهان ربه{[9044]} والجواب محذوف . لعلم السامع ، أي لكان ما كان . وهذا البرهان غير مذكور في القرآن ، فروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن زليخاء قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب ، فقال : ما تصنعين ؟ قالت : أستحي من إلهي هذا أن يراني في هذه الصورة{[9045]} ، فقال يوسف : أنا أولى أن أستحي من الله ، وهذا أحسن ما قيل فيه ؛ لأن فيه إقامة الدليل . وقيل : رأى مكتوبا في سقف البيت " ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا{[9046]} " [ الإسراء : 32 ] . وقال{[9047]} ابن عباس : بدت كف مكتوب عليها " وإن عليكم لحافظين{[9048]} " [ الانفطار : 10 ] وقال قوم : تذكر عهد الله وميثاقه . وقيل : نودي يا يوسف ! أنت مكتوب في ديوان{[9049]} الأنبياء وتعمل عمل السفهاء ؟ ! وقيل : رأى صورة يعقوب على الجدران عاضا على أنملته يتوعده فسكن ، وخرجت شهوته من أنامله ، قاله قتادة ومجاهد والحسن والضحاك . وأبو صالح وسعيد بن جبير . وروى الأعمش عن مجاهد قال : حل سراويله فتمثل له يعقوب ، وقال له : يا يوسف ! فولى هاربا . وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال : مثل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله ، قال مجاهد : فولد لكل واحد من أولاد يعقوب اثنا عشر ذكرا إلا يوسف لم يولد له إلا غلامان ، ونقص بتلك الشهوة ولده ، وقيل غير هذا . وبالجملة : فذلك البرهان آية من آيات الله أراها الله يوسف حتى قوي إيمانه ، وامتنع عن المعصية .
قوله تعالى : " كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء " الكاف من " كذلك " يجوز أن تكون رفعا ، بأن يكون خبر ابتداء محذوف ، التقدير : البراهين كذلك ، ويكون نعتا لمصدر محذوف ، أي أريناه البراهين رؤية كذلك . والسوء الشهوة ، والفحشاء المباشرة . وقيل : السوء الثناء القبيح ، والفحشاء الزنى . وقيل : السوء خيانة صاحبه ، والفحشاء ركوب الفاحشة . وقيل : السوء عقوبة الملك العزيز . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " المخلصين " بكسر اللام ، وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله . وقرأ الباقون بفتح اللام ، وتأويلها : الذين أخلصهم الله لرسالته ، وقد كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين ، لأنه كان مخلصا في طاعة الله تعالى ، مستخلصا لرسالة الله تعالى .
ولما أخبر تعالى أن سبب النعمة{[41013]} عليه إحسانه ، أتبعه دليله{[41014]} فقال : { وراودته } أي راجعته الخطاب ودارت{[41015]} عليه بالحيل ، فهو كناية عن المخادعة التي هي{[41016]} لازم معنى راد يرود{[41017]} - إذا جاء وذهب { التي } هي متمكنة منه غاية المكنة{[41018]} بكونه{[41019]} { هو في بيتها } وهو في عنفوان{[41020]} الشباب { عن نفسه } أي مراودة{[41021]} لم تكن لها سبب إلا نفسه ، لأن المراودة لا يمكن أن تتجاورز نفسه إلاّ بعد مخالطتها - كما تقول : كان هذا عن أمره ، وذلك بأن دارت عليه بكل حيلة ونصبت له أشراك الخداع وأقامت حيناً تفتل له{[41022]} في الذروة والغارب ، وذلك لأن مادة " راد " واوية ويائية بجميع تقاليبها السبعة : رود ، ودور ، وورد ، " ودير " وردي ، وريد ، ودري - تدور على الدوران ، وهو الرجوع إلى موضع الابتداء ، ويلزم منه القصد والإتيان والإقبال والإدبار والرفق والمهلة وإعمال الحيلة وحسن النظر ، وربما يكون عن{[41023]} غير قصد فتأتي منه{[41024]} الحيرة فيلزم الفساد والهلاك ، يقال : دار فلان يدور - إذا مشى على هيئة الخلقة{[41025]} ، والدهر دواري - لدورانه باهله بالرفع والحط ، والدوار : شبه دوران{[41026]} في الرأس ، ودارة القمر معروفة ، والدائرة : الحلقة والدار تجمع العرصة والبناء - لدوران بنائها وللدوران فيها وللذهاب منها{[41027]} والرجوع إليها ، والداري{[41028]} : الملاح الذي يلي الشراع ، وهو القلع - لأنه يديره على عمود المركب ، أو لأنه يلزم دار السفينة ؛ والرائد : الذي يرتاد الكلأ ، أي يذهب ويجيء في طلبه - لمّا لم يكن له{[41029]} مقصد من الأرض معين كان كأنه يدور فيها ، والذي{[41030]} لا يكذب أهله{[41031]} ، وكل طالب حاجة{[41032]} - قاله ابن دريد .
وراودت الرجل : أردته{[41033]} على فعل ؛ ورائد الرحى : يدها ، أي العود الذي تدار به ويقبض عليه{[41034]} الطاحن ، والرياد : اختلاف الإبل في المرعى مقبلة ومدبرة ، ورادت{[41035]} المرأة - إذا اختلفت إلى بيوت جاراتها ، وراد وساده - إذا لم يستقر ، والرود : الطلب والذهاب والمجيء ، وامش على رود - بالضم ، أي مهل ، وتصغيره رويد ، والمرود : الذي يكتحل به ، لأنه يدار في العين ، وحديدة تدور{[41036]} في اللجام ، ومحور البكرة من حديد ، والدير : معروف ، ويقال لرجل إذا كان رأس أصحابه : هو رأس الدير - كأنه من إرادة{[41037]} أصحابه به{[41038]} ، وترديت بالرداء وارتديت - كأنه من الإدارة{[41039]} ، والرداء : السيف{[41040]} - لأنه يتقلد به في موضع الردى ، والرديان - محركاً : مشى{[41041]} الحمار بين آريه ومتمعكه{[41042]} ، وراديت فلاناً ، مثل : راودته ، وردت الجارية - إذا رفعت إحدى رجليها وقفزت بواحدة ، لأت مشيها{[41043]} حينئذٍ يشبه الدوران ، والريد{[41044]} - بالكسر : الترب ، لأنه يراودك ، أي يمشي معك من أول زمانك ؛ ومن الإتيان : الورود ، وهو إتيان المورد من ماء وطريق ، والوارد : الصائر إلى الماء للاستقاء منه ، وهو الذي ينزل إلى الماء ليتناول{[41045]} منه ، والورد معروف ، و{[41046]} نور كل شجرة{[41047]} ورد ، لأنه يقصد للشم{[41048]} وغيره ، ويخرج هو منها فهو وارد أي آتٍ ، وهو أيضاً مع ذلك مستدير ، والورد - بالكسر : يوم الحمى إذا أخذت صاحبَها لوقت لأنها تأتيه{[41049]} ، وهو من الدوران أيضاً لأنها تدور في ذلك الوقت بعينه{[41050]} ، وهذا كله يصلح للإقبال ، ومنه : أرنبة واردة ، أي مقبلة على السبلة ، والريد : أنف الجبل - قاله ابن فارس ، وقال ابن دريد : والريد : الحيد{[41051]} الناتىء من الجبل ، والجمع ريود ؛ وفي القاموس : الحيد{[41052]} من الجبل شاخص كأنه جناح ، ويسمى الشجاع{[41053]} الوارد ، لإقباله على كل ما يريده واستعلائه عليه ، والوريدان : عرقان مكتنفا صفحتي العنق مما يلي مقدمة غليظان ، والورد : النصيب من القرآن ، لأنه يقصد بالقراءة ويقبل عليه ويدار عليه ، ودريت الشيء : علمته ، فأنت مقبل عليه وارد{[41054]} إليه ، والدرئة{[41055]} - مهموزة : حلقة يتعلم عليها الطعن والرمي ، والدرية - مهموزة وغير مهموزة : دابة يستتر بها رامي الصيد فيختله ، فهي{[41056]} من الإقبال والخداع ، وإن بنى فلان أدورا مكاناً ، أي اعتمدوا بالغزو والغارة{[41057]} ، والدريّ : شبيه بمدرى{[41058]} الثور وهو قرنه{[41059]} ، لأنه يقصد به الشيء ويقبل به على مراده فيصلحه به ، وما أدري أين ردي{[41060]} ؟ أي{[41061]} أين{[41062]} ذهب ؟ والإرواد{[41063]} : المهلة{[41064]} في الشيء ؛ وامش رويداً : على مهل ، والرادة والريدة : السهلة من الرياح ، فكأنها{[41065]} تأتي{[41066]} على مهل ؛ و{[41067]} من الحيرة والفساد والهلاك : ردي{[41068]} الرجل - إذا هللك ، وأرداه{[41069]} الله ، وتردى في هوة : تهور{[41070]} فيها ، ورديته بالحجارة : رميته ، والرداة{[41071]} : الصخرة ، يكسر بها الشيء ، والمرادي : المرامي ؛ ومن حسن النظر : أرديت على الخمسين : زدت ، لأنه يلزم حسن النظر الزيادة ، وأراد الشيء على غيره ، أي ربا عليه ، وسيأتي بيان المهموز من هذه المادة في سنراود{[41072]} }[ يوسف :61 ] من هذه السورة إن شاء الله تعالى { وغلقت } أي تغليقاً كثيراً { الأبواب } زيادة في المكنة ، قالوا : وكانت سبعة ؛ والإغلاق : إطباق الباب بما يعسر معه فتحه { وقالت هيت } أي تهيأت وتصنعت { لك } خاصة فأقبل إليّ وامتثل أمري ؛ والمادة - على تقدير إصالة التاء وزيادتها بجميع تقاليبها : يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة - تدور على إرادة{[41073]} امتثال{[41074]} الأمر : هيت لك - مثلثة{[41075]} الآخر وقد يكسر أوله ، أي{[41076]} هلم ، وهيت تهييتاً : صاح ودعاه ، وهات - بكسر التاء أعطني - قال في القاموس ، والمهاياة مفاعلة منه{[41077]} ، والهيت : الغامض من الأرض ، كأنه يدعو ذا{[41078]} الهمة إلى الوقوف على حقيقته ، والتيه - بالكسر : الكبرياء والصلف ، فالتائه داع بالقوة إلى امتثال أمره ، والمفازة ، فإنها تقهر سالكها ، والضلال من المفازة - تسمية{[41079]} للشي باسم موضعه ، ومنه : تها - بمعنى غفل ، ومنه : مضى تهواء من الليل - بالكسر ، أي طائفة ، لأنها محل الغفلة ، أو لأنها تدعو ساهرها إلى النوم ونائمها إلى الانتباه ، هذا على تقدير إصالة التاء ، وأما على تقدير{[41080]} أنها زائدة فهاءَ بنفسه إلى المعالي : رفعها ، فهو يراه أهلاً لأن يمتثل{[41081]} أمرها ، والهوء : الهمة{[41082]} والأمر الماضي ، والهوء أيضاً : الظن ، ويضم ، وهؤت به : فرحت ، ولا يكون ذلك إلاّ{[41083]} لفعل ما يشتهي ، فكأنه امتثل أمرك ، وهوىء إليه - كفرح : همّ ، وهاء كجاء : لبى ، أي امتثل الأمر ، وهاء - بالكسر : هات ، وهاء - كجاء{[41084]} ، أي هاك ، بمعنى خذ ، والهيئة : حال الشيء وكيفيته الداعية{[41085]} إلى تركه أو لزومه ، وتهايؤوا : توافقوا{[41086]} ، وهاء إليه : اشتاق ، فكأنه دعاه إلى رؤيته ، وتهيأ للشيء : أخذ له هيئته ، فكأنه صار قابلاً للأمر ، أو لأن يمتثل أمره ، وهيأه : أصلحه ، والهيء - بالفتح والكسر : الدعاء إلى الطعام والشراب ودعاء الإبل للشرب ، وإيه - بكسر الهمزة : كلمة{[41087]} استزاده واستنطاق ، و{[41088]} بإسكان الهاء : زجر بمعنى حسبك ، وهأهأ{[41089]} : قهقه في ضحكه ، ولا يكون ذلك إلا بمن امتثل مراده .
ولما قالت ما قالت وفعلت ما فعلت ، مع ما هي عليه من القدرة في نفسها ولها عليه من التسلط وهو عليه من الحسن والشباب ، كان كأنه قيل : إن هذا لموطن لا يكاد ينجو منه أحد ، فماذا كان منه ؟ فقيل : { قال } أي يوسف مستعملاً للحكم بالعلم { معاذ } أي أعوذ{[41090]} من هذا{[41091]} الأمر معاذ { الله } أي ألزم حصن الذي له صفات الكمال وهو محيط بكل شيء علماً وقدرة ، وملجأه الذي ينبغي الاعتصام به واللجاء إليه ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنه } أي الله { ربي } أي موجدي ومدبري والمحسن إليّ في كل أمر ، فأنا أرجو إحسانه في هذا { أحسن مثواي } بأن{[41092]} جعل لي في قلب سيدك مكانة عظيمة حتى خولني في جميع ما يملك{[41093]} وائتمنني على كل ما لديه{[41094]} ، فإن خالفت أمر ربي فخنت مَن جعلني موضعاً للأمانة كنت ظالماً واضعاً للشيء في غير موضعه ، وهذا{[41095]} التقدير - مع كونه أليق بالصالحين المراقبين - أحسن ، لأنه يستلزم نصح العزيز ، ولو أعدنا الضمير على العزيز لم يستلزم التقوى .
ولما كان من المعلوم أن لسان حالها يقول : وإذا كان ظلماً كان ماذا ؟ قال ما تقديره : إني{[41096]} إذن لا أفلح{[41097]} ، وعلله بقوله : { أنه لا يفلح } أي لا يظفر بمراده أصلاً { الظالمون * } أي العريقون{[41098]} في الظلم - وهو وضع الشيء في غير موضعه - الذين{[41099]} صرت{[41100]} في عدادهم على تقدير الفعل ، فيا له من دليل على إحسانه وحكمه وعلمه ، فإنه لما رأى المقام الدحض بادر إلى الاعتصام بمن بيده ملكوت كل شيء ، ثم استحضر إحسانه إليه الموجب للشكر عليه المباعد{[41101]} عن الهفوات ثم مقام الظلم وما يوجب لصاحبه من الحزن بعدم الفلاح .