الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ} (99)

فيه مسألة واحدة : وهو أن اليقين الموت . أمره بعبادته إذ{[9774]} قصر عباده في خدمته ، وأن ذلك يجب عليه . فإن قيل : فما فائدة قوله : " حتى يأتيك اليقين " وكان قوله : " واعبد ربك " كافيا في الأمر بالعبادة . قيل له : الفائدة في هذا أنه لو قال : " واعبد ربك " مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا ، وإذا قال " حتى يأتيك اليقين " كان معناه لا تفارق هذا حتى تموت . فإن قيل : كيف قال سبحانه : " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " ولم يقل أبدا ، فالجواب أن اليقين أبلغ من قوله : أبدا ؛ لاحتمال لفظ الأبد للحظة الواحدة ولجميع الأبد . وقد تقدم هذا المعنى{[9775]} . والمراد استمرار العبادة مدة حياته ، كما قال العبد الصالح : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا . ويتركب على هذا أن الرجل إذا قال لامرأته : أنت طالق أبدا ، وقال : نويت يوما أو شهرا كانت عليه الرجعة . ولو قال : طلقتها حياتها لم يراجعها . والدليل على أن اليقين الموت حديث أم العلاء الأنصارية ، وكانت من المبايعات ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما عثمان - أعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به ) وذكر الحديث{[9776]} . انفرد بإخراجه البخاري رحمه الله وكان عمر بن عبدالعزيز يقول : ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لا يستعدون له ، يعني كأنهم فيه شاكون . وقد قيل : إن اليقين هنا الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك ، قاله ابن شجرة . والأول أصح ، وهو قول مجاهد وقتادة والحسن . والله أعلم . وقد روى جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني أنه سمعه يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين لكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) .


[9774]:في ي: وقد.
[9775]:راجع ج 2 ص 33.
[9776]:راجع صحيح البخاري ج 3 ص 151 طبعة بولاق.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ} (99)

ولما أمره بعبادة خاصة ، أتبعه بالعامة فقال : { واعبد ربك } أي دم على عبادة المحسن إليك بهذا القرآن الذي هو البلاغ بالصلاة وغيرها { حتى يأتيك اليقين } بما يشرح صدرك من الموت أو ما يوعدون به من الساعة أو غيرها مما { يود الذين كفروا معه لو كانوا مسلمين } قال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن شرف العبد في العبودية ، وأن العبادة لا تسقط عن العبد بحال ما دام حياً - انتهى . وقال البغوي : وهذا معنى ما في سورة مريم عليها السلام

{ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً }[ مريم :31 ] فقد انطبق آخر السورة - في الأمر باتخاذ القرآن بلاغاً لكل خير والإعراض عن الكفار - على أولها أتم انطباق ، واعتنق كل من الطرفين : الآخر والأول أي اعتناق - والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب .

ختام السورة:

فقد انطبق آخر السورة - في الأمر باتخاذ القرآن بلاغاً لكل خير والإعراض عن الكفار - على أولها أتم انطباق ، واعتنق كل من الطرفين : الآخر والأول أي اعتناق - والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب .