الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة النحل وهي مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وتسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده . وقيل : هي مكية غير قوله تعالى : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به{[1]} " [ النحل : 126 ] الآية ، نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد . وغير قوله تعالى : " واصبر وما صبرك إلا بالله{[2]} " [ النحل : 127 ] . وغير قوله : " ثم إن ربك للذين هاجروا{[3]} " [ النحل :110 ] الآية . وأما قوله : " والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا{[4]} " [ النحل : 41 ] فمكي ، في شأن هجرة الحبشة . وقال ابن عباس : هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة بعد قتل حمزة ، وهي قوله : " ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا " إلى قوله " بأحسن ما كانوا يعملون{[5]} " [ النحل : 95 ] .

قوله تعالى : " أتى أمر الله فلا تستعجلوه " قيل : " أتى " بمعنى يأتي ، فهو كقولك : إن أكرمتني أكرمتك . وقد تقدم أن أخبار الله تعالى في الماضي والمستقبل سواء ؛ لأنه آت لا محالة ، كقوله : " ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار{[9782]} " [ الأعراف : 44 ] . و " أمر الله " عقابه لمن أقام على الشرك وتكذيب رسوله . قال الحسن وابن جريج والضحاك : إنه ما جاء به القرآن من فرائضه وأحكامه . وفيه بعد ؛ لأنه لم ينقل أن أحدا من الصحابة استعجل فرائض الله من قبل أن تفرض عليهم ، وأما مستعجلو العذاب والعقاب فذلك منقول عن كثير من كفار قريش وغيرهم ، حتى قال النضر بن الحارث : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك " الآية ، فاستعجل العذاب .

قلت : قد يستدل الضحاك بقول عمر رضي الله عنه : وافقت ربي في ثلاث : في مقام إبراهيم ، وفي الحجاب ، وفي أسارى بدر ، خرجه مسلم والبخاري . وقد تقدم في سورة البقرة{[9783]} . وقال الزجاج : هو ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم ، وهو كقوله : " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور{[9784]} " [ هود : 40 ] . وقيل : هو يوم القيامة أو ما يدل على قربها من أشراطها . قال ابن عباس : لما نزلت " اقتربت الساعة وانشق القمر{[9785]} " [ القمر : 1 ] قال الكفار : إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت ، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون ، فأمسكوا وانتظروا فلم يروا شيئا ، فقالوا : ما نرى شيئا فنزلت " اقترب للناس حسابهم{[9786]} " [ الأنبياء : 1 ] الآية . فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة ، فامتدت الأيام فقالوا : ما نرى شيئا فنزلت " أتى أمر الله " فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون وخافوا ، فنزلت " فلا تستعجلوه " فاطمأنوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) وأشار بأصبعيه : السبابة والتي تليها . يقول : ( إن كادت لتسبقني فسبقتها ) . وقال ابن عباس : كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ، وأن جبريل لما أمر بأهل السماوات مبعوثا إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا الله أكبر ، قد قامت الساعة .

قوله تعالى : " سبحانه وتعالى عما يشركون " أي تنزيها له عما يصفونه به من أنه لا يقدر على قيام الساعة ، وذلك أنهم يقولون : لا يقدر أحد على بعث الأموات ، فوصفوه بالعجز الذي لا يوصف به إلا المخلوق ، وذلك شرك . وقيل : " عما يشركون " أي عن إشراكهم . وقيل : " ما " بمعنى الذي أي ارتفع عن الذين أشركوا به .


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[2]:في بعض النسخ: "أبي قاسم"
[3]:في بعض النسخ: "المسيي".
[4]:آية 92 سورة الحج
[5]:آية 98 سورة النحل
[9782]:راجع ج 7ص 209.
[9783]:راجع ج 2 ص 112.
[9784]:راجع ج 9 ص 30.
[9785]:راجع ج 17 ص 125.
[9786]:راجع ج 11 ص 266.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة النحل

{ بسم الله } المحيط بدائرة الكمال ما شاء فعل { الرحمن } الذي عمت نعمته جليل خلقه وحقيره صغيره وكبيره { الرحيم * } الذي خص من شاء بنعمة النجاة مما يسخطه بما يرضاه .

لما ختم الحجر بالإشارة إلى إتيان اليقين ، وهو صالح لموت الكل ، ولكشف الغطاء بإتيان ما يوعدون مما يستعجلون به استهزاء من العذاب في الآخرة بعد ما يلقون في الدنيا ، ابتدأ هذه بمثل ذلك سواء ، غير أنه ختم تلك باسم الرب المفهم للإحسان لطفاً بالمخاطب ، وافتتح هذه باسم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء لأن ذلك أليق بمقام التهديد ، ولما ستعرفه من المعاني المتنوعة في أثناء السورة ، وسيكرر هذا الاسم فيها تكريراً تعلم منه صحة هذه الدعوى ، وعبر عن الآتي بالماضي إشارة إلى تحققه تحقق ما وقع ومضى ، وإلى أن كل آتٍ ولا بد قريب ، فقال تعالى : { أتى أمر الله } أي الملك الأعظم الذي له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى ، بما يذل الأعداء ، ويعز الأولياء ، ويشفي صدورهم ، ويقر أعينهم .

ولما كانت العجلة نقصاً ، قال مسبباً عن هذا الإخبار : { فلا تستعجلوه } أيها الأعداء استهزاء ، وأيها الأولياء استكفاء واستشفاء ، وذلك مثل ما أفهمه العطف في قوله تعالى { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } كما تقدم ؛ والضمير يجوز أن يكون لله وأن يكون للأمر .

ولما كان الجزم بالأمور المستقبلة لا يليق إلا عند نفوذ الأمر ، ولا نفوذ إلا لمن لا كفوء له ، وكانت العجلة - وهي الإتيان بالشيء قبل حينه الأولى به - نقصاً ظاهراً لا يحمل عليها إلا في ضيق الفطن ، وكان التأخير لا يكون إلا عن منازع مشارك ، نزه نفسه سبحانه تنزيهاً مطلقاً جامعاً بقوله تعالى : { سبحانه } أي تنزه عن الاستعجال وعن جميع صفات النقص { وتعالى } أي تعالياً عظيماً جداً { عما يشركون * } أي يدعون أنه شريك له ، فلا مانع له مما يريد فعله ، وساقه في غير قراءة حمزة والكسائي - في أسلوب الغيبة ، إظهاراً للإعراض الدال على شدة الغضب ، وهي ناظرة إلى قوله آخر التي قبلها{ وأعرض عن المشركين }[ الحجر :94 ] وقوله :{ الذين يجعلون مع الله إلهاً ءاخر }[ الحجر :96 ] وقد آل الأمر في نظم الآية إلى أن صار كأنه قيل : إنه لا يعجل لأنه منزه عن النقص ، ولا بد من إنفاذ أمره لأنه متعالٍ عن الكفوء ؛ أو يقال : لا تستعجلوه لأنه تنزه عن النقص فلا يعجل ، وتعالى عن أن يكون له كفوء يدفع ما يريد فلا بد من وقوعه ، فهي واقعة موقع التعليل لصدر الآية كما أن صدر الآية تعليل لآخر سورة الحجر .