قوله تعالى : " إلا الذين تابوا " استثنى تعالى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم . ولا يكفي في التوبة عند علمائنا قول القائل : قد تبت ، حتى يظهر منه في الثاني خلاف الأول ، فإن كان مرتدا رجع إلى الإسلام مظهرا شرائعه ، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح ، وجانب أهل الفساد والأحوال التي كان عليها ، وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط أهل الإسلام ، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه . وسيأتي بيان التوبة وأحكامها في " النساء{[1348]} " إن شاء الله تعالى . وقال بعض العلماء في قوله : " وبينوا " أي بكسر الخمر وإراقتها . وقيل : " بينوا " يعني ما في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه . والعموم أولى على ما بيناه ، أي بينوا خلاف ما كانوا عليه ، والله تعالى أعلم . " فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم " تقدم{[1349]} ولله الحمد والمنة .
ولما تم أمر القبلة وما استتبعه وختم بشريعة الحج المكتوبة على الناس عامة الأمر لهم بها باني البيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن أمر الله سبحانه وتعالى بقوله إذ قام{[6009]} المقام : يا أيها الناس ! كتب عليكم الحج فحجوا ، فأجابه من علم الله سبحانه وتعالى أنه يحج ثم حجت{[6010]} الأنبياء من بني إسرائيل بن إبراهيم عليهما السلام ثم أخفاها أهل الكتاب فيما أخفوه من كتابهم حسداً للعرب وختمت آية الحج بعليم{[6011]} رجع إلى أمر الكاتمين الذين يكتمون الحق وهم يعلمون ، وأعظم ما كتموه أمر هذا الكتاب الذي هو الهدى المفتتح به السورة ، ولما بين جزاءهم استثنى منهم التائبين مبيناً لشرائط التوبة الثلاثة فقال { إلا{[6012]} الذين تابوا } بالندم على ارتكاب الذنب { وأصلحوا } بالعزم على عدم العود { وبينوا } ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع .
{[6013]}ولما كان الإنسان يحب ما كان بسبب منه رغبهم{[6014]} في المتاب بعد توبتهم سبباً لتوبته ورحمته وإن كان ذلك كله مَنّاً منه في نفس الأمر فقال معبراً بالفاء : { فأولئك } العالو الرتبة{[6015]} { أتوب عليهم } {[6016]}أي أقبل توبتهم{[6017]} فأحفظهم بما يشعر به مثال الفعل الدائم فيما وفقتهم لابتدائه ، وفي{[6018]} الربط بالفاء إشارة إلى إسراع{[6019]} استنقاذ توبة الله عليهم من نار الخوف والندم رحمة منه لهم برفعهم إلى موطن الإنس ، لأن نار الخوف في الدنيا للمقترف رحمة من عذاب النار تفدية من نار السطوة في الآخرة ، من لم يحترق بنار المجاهدة أحرقته نار الخوف ، فمن لم يحترق بنار الخوف أحرقته نار السطوة - أفاده الحرالي{[6020]} . ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان ختم الآية بما دل على أن التقدير : فإني أحب التوابين فقال : { وأنا التواب } أي مرة بعد مرة لمن كر على الذنب{[6021]} ثم راجع التوبة كرة إثر كرة { الرحيم * } لمن فعل ما يرضيني .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.