قوله تعالى : " وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها " قيل : " تولى وسعى " من فعل القلب ، فيجيء " تولى " بمعنى ضل وغضب وأنف في نفسه . و " سعى " أي سعى بحيلته وإرادته الدوائر على الإسلام وأهله ، عن ابن جريج وغيره . وقيل : هما فعل الشخص ، فيجيء " تولى " بمعنى أدبر وذهب عنك يا محمد . و " سعى " أي بقدميه فقطع الطريق وأفسدها ، عن ابن عباس وغيره . وكلا السعيين فساد . يقال : سعى الرجل يسعى سعيا ، أي عدا ، وكذلك إذا عمل وكسب . وفلان يسعى على عياله أي يعمل في نفعهم .
قوله تعالى : " ويُهلك " عطف على ليفسد . وفي قراءة أبي " وليهلك " . وقرأ الحسن ، وقتادة " ويهلك " بالرفع ، وفي رفعه أقوال : يكون معطوفا على " يعجبك " . وقال أبو حاتم : هو معطوف على " سعى " ؛ لأن معناه يسعى ويهلك ، وقال أبو إسحاق : وهو يهلك . وروي عن ابن كثير " ويهلك " بفتح الياء وضم الكاف ، " الحرث والنسل " مرفوعان بيهلك ، وهي قراءة الحسن وابن أبي إسحاق وأبي حيوة وابن محيصن ، ورواه عبدالوارث عن أبي عمرو . وقرأ قوم " ويهلك " بفتح الياء واللام ، ورفع الحرث ، لغة هَلَكَ يَهلك ، مثل ركن يركن ، وأبى يأبى ، وسلى يسلى ، وقلى يقلى ، وشبهه . والمعني في الآية الأخنس في إحراقه الزرع وقتله الحمر ، قاله الطبري . قال غيره : ولكنها صارت عامة لجميع الناس ، فمن عمل مثل علمه استوجب تلك اللعنة والعقوبة . قال بعض العلماء : إن من يقتل حمارا أو يحرق كُدْساً{[1850]} استوجب الملامة ، ولحقه الشين إلى يوم القيامة . وقال مجاهد : المراد أن الظالم يفسد في الأرض فيمسك الله المطر فيهلك الحرث والنسل . وقيل : الحرث النساء ، والنسل الأولاد ، وهذا لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال ، وفيه هلاك الخلق ، قال معناه الزجاج . والسعي في الأرض المشي بسرعة ، وهذه عبارة عن إيقاع الفتنة والتضريب بين الناس ، والله أعلم .
وفي الحديث : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ) . وسيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : " الحرث والنسل " الحرث في اللغة : الشق ، ومنه المحراث لما يشق به الأرض . والحرث : كسب المال وجمعه ، وفي الحديث : ( احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا ) . والحرث الزرع . والحراث الزراع . وقد حرث واحترث ، مثل زرع وازدرع ويقال : احرث القرآن ، أي ادرسه . وحرثت الناقة وأحرثتها ، أي سرت عليها حتى هزلت وحرثت النار حركتها . والمحراث : ما يحرك به نار التنور ، عن الجوهري . والنسل : ما خرج من كل أنثى من ولد . وأصله الخروج والسقوط ، ومنه نسل الشعر ، وريش الطائر ، والمستقبل ينسل ، ومنه " إلى ربهم ينسلون " {[1851]} ، " من كل حدب ينسلون " {[1852]} وقال امرؤ القيس :
فسُلِّي ثيابي من ثيابك تَنْسُلِ{[1853]}
قلت : ودلت الآية على الحرث وزراعة الأرض ، وغرسها بالأشجار حملا على الزرع ، وطلب النسل ، وهو . نماء الحيوان ، وبذلك يتم قوام الإنسان . وهو يرد على من قال بترك الأسباب ، وسيأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : " والله لا يحب الفساد " قال العباس بن الفضل : الفساد هو الخراب . وقال سعيد بن المسيب : قطع الدراهم من الفساد في الأرض . وقال عطاء : إن رجلا يقال له عطاء بن منبه أحرم في جبة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزعها . قال قتادة : قلت لعطاء : إنا كنا نسمع أن يشقها ، فقال عطاء : إن الله لا يحب الفساد .
قلت : والآية بعمومها تعم كل فساد كان في أرض أو مال أو دين ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى . قيل : معنى لا يحب الفساد أي لا يحبه من أهل الصلاح ، أولا يحبه دينا .
ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده فقال{[9032]} عاطفاً على ما تقديره : فإذا واجهك{[9033]} اجتهد في إظهار أنه مصلح{[9034]} {[9035]}أو تكون جملة حالية{[9036]} { وإذا{[9037]} تولى } أي أعرض بقلبه{[9038]} أو قاله{[9039]} عمن خدعه بكلامه ، {[9040]}وكنى{[9041]} بالتعبير بالسعي عن{[9042]} الإسراع في إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال : { سعى }{[9043]} ونبه على{[9044]} كثرة فساده بقوله : { في الأرض } {[9045]}أي كلها{[9046]} بفعله وقوله عند من يوافقه { ليفسد } أي ليوقع الفساد {[9047]}وهو اسم لجميع المعاصي{[9048]} { فيها } أي في{[9049]} الأرض{[9050]} في ذات البين لأجل الإهلاك والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في أفعال الفساد ، فإذا فعل منه ما يريد كان معروفاً عندهم فكان له عليه أعوان {[9051]}وبين أنه يصل بإفساده إلى الغاية بقوله مسمياً{[9052]} المحروث حرثاً{[9053]} مبالغة : { ويهلك الحرث } أي المحروث{[9054]} الذي يعيش به الحيوان ، قال الحرالي سماه حرثاً لأنه الذي نسبه إلى الخلق ، ولم يسمه زرعاً لأن ذلك منسوب إلى الحق - انتهى . ولأنه إذا هلك السبب هلك المسبب من غير عكس { والنسل } أي المنسول الذي به بقاء نوع الحيوان . قال الحرالي{[9055]} : وهو استخراج لطيف الشيء من جملته - انتهى . وفعله ذلك للإفساد {[9056]}ونظمت{[9057]} الآية هكذا إفهاماً{[9058]} لأن المعنى أن غرضه أولاً بإفساد{[9059]} ذات البين التوصل إلى الإهلاك{[9060]} وثانياً بالإهلاك التوصل إلى الإفساد { والله } أي والحال أن{[9061]} الملك الأعظم { لا يحب الفساد * } أي لا يفعل فيه فعل المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره وإن طال المدى ويعاقب عليه ، ولم يقل : الهلاك ، لأنه قد يكون صورة فقط فيكون{[9062]} صلاحاً كما إذا كان قصاصاً ولا{[9063]} قال{[9064]} : الإفساد{[9065]} يشمل ما إذا كان الفساد عن غير قصد ، والآية من الاحتباك ، ذكر أولاً الإفساد ليدل على حذفه{[9066]} ثانياً وثانياً الإهلاك ليدل على حذفه {[9067]}أولاً ، وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان .