الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (207)

" ابتغاء " نصب على المفعول من أجله . ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين . قيل : نزلت في صهيب{[1860]} فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش ، فنزل عن راحلته ، وانتثل ما في كنانته{[1861]} ، وأخذ قوسه ، وقال : لقد علمتم أني من أرماكم ، وايْم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ، ثم افعلوا ما شئتم . فقالوا : لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا ، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك ، وعاهدوه على ذلك ففعل ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " الآية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ربح البيع أبا يحيى ) ، وتلا عليه الآية ، أخرجه رزين ، وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما . وقال المفسرون : أخذ المشركون صهيبا فعذبوه ، فقال لهم صهيب : إني شيخ كبير ، لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم ، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ؟ ففعلوا ذلك ، وكان شرط عليه راحلة ونفقة ، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال ، فقال له أبو بكر : ربح بيعك أبا يحيى . فقال له صهيب : وبيعك فلا يخسر ، فما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك كذا ، وقرأ عليه الآية . وقال الحسن : أتدرون فيمن نزلت هذه الآية ، نزلت في المسلم لقي الكافر فقال له : قل لا إله إلا الله ، فإذا قلتها عصمت مالك ونفسك ، فأبى أن يقولها ، فقال المسلم : والله لأشرين نفسي لله ، فتقدم فقاتل حتى قتل . وقيل : نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وعلى ذلك تأولها عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم ، قال علي وابن عباس : ( اقتتل الرجلان ، أي قال المغير{[1862]} للمفسد : اتق الله ، فأبى المفسد وأخذته العزة ، فشرى المغير نفسه من الله وقاتله فاقتتلا ) . وقال أبو الخليل : سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية ، فقال عمر : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل ) . وقيل : إن عمر سمع ابن عباس يقول : ( اقتتل الرجلان عند قراءة القارئ هذه الآية ) ، فسأله عما قال ففسر له هذا التفسير ، فقال له عمر ، ( لله تلادك يا ابن عباس ) ! وقيل : نزلت فيمن يقتحم القتال . حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل ، فقرأ أبو هريرة : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " ، ومثله عن أبي أيوب . وقيل : نزلت في شهداء غزوة الرجيع . وقال قتادة : هم المهاجرون والأنصار . وقيل : نزلت في علي رضي الله عنه حين تركه النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه ليلة خرج إلى الغار ، على ما يأتي بيانه في " براءة " إن شاء الله تعالى . وقيل : الآية عامة ، تتناول كل مجاهد في سبيل الله ، أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر . وقد تقدم حكم من حمل على الصف{[1863]} ، ويأتي ذكر المغير للمنكر وشروطه وأحكامه في " آل عمران " إن شاء الله تعالى .

و " يشري " معناه يبيع ، ومنه " وشروه بثمن بخس " {[1864]} أي باعوه ، وأصله الاستبدال ، ومنه قوله تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " {[1865]} . ومنه قول الشاعر :

وإن كان ريبُ الدهر أمضاك في الألى *** شروا هذه الدنيا بجناته الخلد

وقال آخر :

وشريت بُرْداً ليتني *** من بعد بُرْدٍ كنتُ هَامَهْ

البرد هنا اسم غلام . وقال آخر :

يعطى بها ثمنا فيمنعها *** ويقول صاحبها أَلاَ فاشْرِ

وبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله . " ابتغاء " مفعول من أجله . ووقف الكسائي على " مرضات " بالتاء ، والباقون بالهاء . قال أبو علي : وقف الكسائي بالتاء إما على لغة من يقول : طلحت وعلقمت ، ومنه قول الشاعر :

بل جَوْزِتَيْهَاءَ كظهر الحَجَفَت{[1866]}

وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد . والمرضاة الرضا ، يقال : رضي يرضى رضا ومرضاة . وحكى قوم أنه يقال : شرى بمعنى اشترى ، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب ؛ لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها ، اللهم إلا أن يقال : إن عرض صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله . فيستقيم اللفظ على معنى باع .


[1860]:- هو صهيب بن سنان بن مالك الرومي، سبته الروم [وهو صغير] فجلب إلى مكة فاشتراه عبد الله بن جدعان. وقيل: بل هرب من الروم فقدك مكة ومحالف بن جدعان. وكان صهيب من السابقين الأولين، شهد بدرا والمشاهد كلها. توفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين. (من النجوم الزاهرة).
[1861]:- انتثل ما في كنانته: أي استخرج ما فيها من السهام، والكنانة: جعبة السهام، تتخذ من جلود لا خشب فيها، أو من خشب لا جلود فيها.
[1862]:- في ح "المتقي".
[1863]:- راجع المسألة الثانية جـ2 ص 363.
[1864]:- آية 20 سورة يوسف.
[1865]:- آية 111 سورة التوبة.
[1866]:- الجحفة (بالتحريك وبتقديم الحاء على الجسيم): الترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب (انظر اللسان مادة جحف).
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ} (207)

ولما أتم الخبر عن هذا القسم الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ختاماً{[9092]} وبينهما تباين فإن{[9093]} الأول من يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك نفسه لاستصلاح الناس{[9094]} فقال : { ومن الناس من } {[9095]}أي شخص أو الذي{[9096]} { يشري } أي يفعل هذا الفعل كلما{[9097]} لاح له وهو أنه يبيع{[9098]} بغاية الرغبة والانبعاث { نفسه }{[9099]} فيقدم على إهلاكها أو يشتريها{[9100]} بما يكون سبب {[9101]}إعتاقها وإحيائها{[9102]} بالاجتهاد في أوامر الله بالنهي لمثل هذا الألد عن فعله الخبيث والأمر له بالتقوى والتذكير بالله ، وروي{[9103]} أنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما هاجر أرادت قريش رده فجعل لهم ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :

" ربح البيع " فعلى هذا يكون شرى بمعنى اشترى ، ثم علل ذلك بقوله : { ابتغآء } أي تطلب {[9104]}وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك{[9105]} { مرضات الله } {[9106]}أي رضى المحيط بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ميمياً{[9107]} ويكون ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه{[9108]} بالتاء الممدودة لما يعلم من شدّة رحمة الله تعالى به { والله رؤوف } أي بالغ الرحمة ، {[9109]}وأظهر موضع الإضمار دلالة على العموم وعلى الوصف المقتضي للرحمة والشرف فقال{[9110]} : { بالعباد{[9111]} } كلهم حيث أسبغ عليهم نعمه{[9112]} ظاهرة وباطنة مع كفرهم به أو تقصيرهم في أمره ، وبين لهم الطريق غاية البيان بالعقل أولاً والرسل ثانياً والشرائع ثالثاً والكتب الحافظة لها رابعاً ، ولعل الفصل بين الأقسام الأربعة بالأيام المعدودات اهتماماً بأمرها لكونها من فعل{[9113]} الحج وتأخيرها عن أخواتها إشارة إلى أنها ليست من دعائم المناسك بل {[9114]}تجبر بدم{[9115]} .


[9092]:في م ومد: ختانا – كذا.
[9093]:في م: وإن.
[9094]:العبارة من "وبينهما" إلى هنا ليست في ظ.
[9095]:ليست في ظ.
[9096]:ليست في ظ.
[9097]:في م: كل ما.
[9098]:في الأصل: يتبع، والتصحيح من م وظ ومد.
[9099]:العبارة من هنا إلى "بالاجتهاد" ليست في ظ
[9100]:من م ومد وفي الأصل: يشريها.
[9101]:في مد: أحبائها واعتاقها.
[9102]:في مد: أحبائها واعتاقها.
[9103]:نقل أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط 2 / 118 روايات في سبب نزول هذه الآيات وقال: والذي ينبغي أن يقال إنه تعالى لما ذكر ومن الناس من يعجبك قوله "وكان عاما في المنافق الذي بيدي خلاف ما اضمر ناسب ان يذكر قسيمه عاما من يبذل نفسه في طاعة الله تعالى من أي صعب كان فكذلك المنافق مدار عن نفسه بالكذب والرياء وحلاوة المنطق وهذا باذل نفسه لله ولمرضاته، وتندرج تلك الأقاويل التي في الآيتين تحت عموم هاتين الآيتين ويكون ذكر ما دكر من تعيين من عين إنما هو على نحو من ضرب المثال، ولا يبعد أن يكون السبب خاصا والمراد عموم اللفظ.
[9104]:ليست في ظ.
[9105]:ليست في ظ.
[9106]:العبارة من هنا إلى "بالتاء الممدودة" ليست في ظ.
[9107]:في الأصل: تنميا، والتصحيح من م ومد.
[9108]:في مد: وقف.
[9109]:ليست في ظ.
[9110]:ليست في ظ.
[9111]:والعباد عن كان خاصا وهو الأظهر لنه لما ختم الآية بالوعيد من قوله: "فحسبه جهنم" وكان ذلك خاصا بأولئك الكفار ختم هذه بالوعد المبشر لهم لحسن الثواب وجزيل المآب، ودل على ذلك بالرأفة التي هي سبب لذلك فصار كناية عن إحسان الله إليهم لأن رأفته بهم تستدعي جميع أنواع الإحسان ولو ذكر أي نوع من الإحسان لم يفد ما أفاده لفظ الرأفة ولذلك كانت الكناية أبلغ، ويكون إذ ذاك في لفظ العباد التفاتا إذ هو خروج من ضمير غائب مفرد إلى اسم ظاهر فلو جرى على نظم الكلام السابق لكان: والله رؤوف به – أ: بهم وحسن الالتفات هنا بهذا الاسم الظاهر شيئان: أحدهما أن لفظ العباد له في استعمال القرآن تشريف واختصاص....والثاني مجئ اللفظة فاضلة – البحر المحيط 2 / 119.
[9112]:من م وظ وفي الأصل وم: نعمة.
[9113]:ليس في م ومد وظ.
[9114]:في الأصل: يحبر بذم، والتصحيح من بقية الأصول.
[9115]:في الأصل: يحبر بذم والتصحيح من بقية الأصول.