الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ} (53)

قوله تعالى : " الذي جعل لكم الأرض مهادا " {[11093]} " الذي " في موضع نعت " لربي " أي لا يضل ربي الذي جعل ويجوز أن يكون خبر ابتداء مضمر أي هو " الذي " . ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار أعني . وقرأ الكوفيون " مهدا " هنا وفي " الزخرف " بفتح الميم وإسكان الهاء . الباقون " مهادا " واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لاتفاقهم على قراءة " ألم نجعل الأرض مهادا{[11094]} " [ النبأ : 6 ] . النحاس : والجمع أولى لأن " مهدا " مصدر وليس هذا موضع مصدر إلا على حذف ، أي ذات مهد . المهدوي : ومن قرأ " مهدا " جاز أن يكون مصدرا كالفرش أي مهد لكم الأرض مهدا ، وجاز أن يكون على تقدير حذف المضاف ، أي ذات مهد . ومن قرأ " مهادا " جاز أن يكون مفردا كالفراش . وجاز أن يكون جمع " مهد " استعمل استعمال الأسماء فكسر . ومعنى " مهادا " أي فراشا وقرارا تستقرون عليها . " وسلك لكم فيها سبلا " أي طرقا . نظيره " والله جعل لكم الأرض بساطا . لتسلكوا منها سبلا فجاجا " {[11095]} [ نوح : 19 - 20 ] . وقال تعالى : " الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون{[11096]} " [ الزخرف : 10 ] " وأنزل من السماء ماء " وهذا آخر كلام موسى ، ثم قال الله تعالى : " فأخرجنا به " وقيل : كله من كلام موسى . والمعنى " فأخرجنا به " أي بالحرث والمعالجة ؛ لأن الماء المنزل سبب خروج النبات . ومعنى " أزواجا " ضروبا وأشباها ، أي أصنافا من النبات المختلفة الأزواج والألوان . وقال الأخفش : التقدير أزواجا شتى من نبات . قال : وقد يكون النبات شتى ، ف " شتى " يجوز أن يكون نعتا لأزواج ، ويجوز أن يكون نعتا للنبات . و " شتى " مأخوذ من شت الشيء أي تفرق . يقال : أمر شَتٌّ أي متفرق . وشت الأمر شتا وشتاتا تفرق ، واستشت مثله . وكذلك التشتت . وشتته تشتيتا فرقه . وأشت بي قومي أي فرقوا أمري . والشتيت المتفرق . قال رؤبة يصف إبلا :

جاءت معا وأطرقت شَتِيتَا *** وهي تُثِيرُ الساطعَ السِّخْتِيتَا{[11097]}

وثغر شتيت أي مفلج . وقوم شتى ، وأشياء شتى ، وتقول : جاؤوا أشتاتا ؛ أي : متفرقين ، واحدهم شت ، قاله الجوهري .


[11093]:"مهادا" بالجمع: قراءة "نافع" وعليها الأصل.
[11094]:راجع جـ 19 ص 169 فما بعد.
[11095]:راجع جـ 18 306.
[11096]:راجع جـ 16 ص 64.
[11097]:السختيت: دقاق التراب: وهو الغبار الشديد الارتفاع. ويروى: "الشختيتا" بالشين المعجمة.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ} (53)

ثم وصل بذلك{[49308]} ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة الصانع واختياره فقال : { الذي جعل لكم } أيها الخلائق { الأرض } أي أكثرها { مهداً } تفترشونها ، وجعل بعضها جبالاً لا يمكن القرار عليها ، وبعضها رخواً تسرح فيه الأقدام وبعضها جلداً - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف { وسلك لكم فيها سبلاً } {[49309]}أي سهّل طرقاً تسلكونها{[49310]} في أراضي سهلة وحزنة{[49311]} وسطها بين الجبال والأودية والرمال{[49312]} ، وهيأ لكم فيها من المنافع من {[49313]}المياه والمراعي ما يسهل ذلك{[49314]} ، وجعل فيها{[49315]} ما لا يمكن استطراقه أصلاً ، من أن نسبة الكل إلى الطبيعة واحدة ، فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت وعلى هذا النظام البديع { وأنزل من السماء ماء } تشاهدونه واحداً في اللون والطعم .

ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر للعقول . استغرق {[49316]}صلى الله عليه وسلم في بحار الجلال ، فاستحضر أن الآمر له بهذا الكلام هو المتكلم به في الحقيقة فانياً{[49317]} عن نفسه وعن جميع الأكوان ، فعبر عن ذلك{[49318]} ، {[49319]}عادلاً عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة{[49320]} بقوله : { فأخرجنا } {[49321]}أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة{[49322]} { به أزواجاً } أي{[49323]} أصنافاً {[49324]}متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحداً لا شبيه له{[49325]} { من نبات شتى* } أي مختلفة جداً في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع والطعوم ؛


[49308]:بين سطري ظ: أي قوله: لا يضل ربي ولا ينسى.
[49309]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49310]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49311]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49312]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49313]:من ظ ومد، وفي الأصل "و" وبين سطري ظ: بيان للمنافع.
[49314]:بين سطري ظ: أي السلوك في هذه.
[49315]:بهامش ظ: الضمير يرجع إلى الأرض.
[49316]:بهامش ظ: قول المفسر سامحه الله ولا آخذه استغرق صلى الله عليه وسلم إلى ان قال: فعبر عن ذلك، فيه نظر ويتلوه تعقيب مطول لا يقيده القلم لسوء الحظ
[49317]:بهامش ظ: قوله "فانيا" هو حال من الضمير في "استغرق" أي استغرق حال كونه فانيا.
[49318]:بين سطري ظ: أي الاستطراق في...الجنة.
[49319]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49320]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49321]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49322]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[49323]:زيد من ظ ومد.
[49324]:سقط ما بين الرقمين في ظ.
[49325]:سقط ما بين الرقمين في ظ.