الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ} (99)

قوله تعالى : " حتى إذا جاء أحدهم الموت " عاد الكلام إلى ذكر المشركين ، أي قالوا " أئذا متنا - إلى قوله - إن هذا إلا أساطير الأولين " . ثم احتج عليهم وذكرهم قدرته على كل شيء ، ثم قال : هم مصرون على ذلك حتى إذا جاء أحدهم الموت تيقن ضلالته وعاين الملائكة التي تقبض روحه ، كما قال تعالى : " ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة " {[11714]}[ الأنفال : 50 ] . " قال رب ارجعون " تمنى الرجعة كي يعمل صالحا فيما ترك . وقد يكون القول في النفس ، قال الله عز وجل : " ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول " {[11715]} [ المجادلة : 8 ] . فأما قوله " ارجعون " وهو مخاطب ربه عز وجل ولم يقل " ارجعني " جاء على تعظيم الذكر للمخاطب . وقيل : استغاثوا بالله عز وجل أولا ، فقال قائلهم : ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال : ارجعون إلى الدنيا ، قاله ابن جريج . وقيل : إن معنى " ارجعون " على جهة التكرير ، أي أرجعني أرجعني أرجعني وهكذا . قال المزني في قوله تعالى " ألقيا في جهنم " {[11716]} [ ق : 24 ] قال : معناه ألق ألق . قال الضحاك : المراد به أهل الشرك .

قلت : ليس سؤال الرجعة مختصا بالكافر فقد يسألها المؤمن كما في آخر سورة المنافقين على ما يأتي{[11717]} . ودلت الآية على أن أحدا لا يموت حتى يعرف اضطرارا أهو من أولياء الله أم من أعداء الله ، ولولا ذلك لما سأل الرجعة ، فيعلموا ذلك قبل نزول الموت وذواقه .


[11714]:راجع ج 8 ص 28.
[11715]:راجع ج 17 ص 294 و ص 16.
[11716]:راجع ج 17 ص 294 و ص 16.
[11717]:راجع ج 18 ص 130.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ} (99)

ولما كان أضر أوقات حضورهم ساعة الموت ، وحالة الفوت ، فإنه وقت كشف الغطاء ، عما كتب من العطاء ، وآن اللقاء ، وتحتم السفول أو الارتقاء ، عقب ذلك بذكره تنبيهاً على بذل الجهد في الدعاء والتضرع للعصمة فيه فقال معلقاً بقوله تعالى : { بل لا يشعرون } أو بمبلسون ، منبهاً بحرف الغاية على أنه سبحانه يمد في أزمانهم استدراجاً لهم : { حتى } أو يكون التقدير كما يرشد إليه السياق : فلا أكون من الكافرين المطيعين للشياطين حتى { إذا جاء } وقدم المفعول ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال : { أحدهم الموت } فكشف له الغطاء ، وظهر له الحق ، ولاحت له بوارق العذاب ، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب { قال } مخاطباً لملائكة العذاب على عادة جهله ووقوفه مع المحسوس دأب البهائم : { رب ارجعون* } أي إلى الدنيا دار العمل ؛ ويجوز أن يكون الجمع لله تعالى وللملائكة ، أو للتعظيم على عادة في مخاطبات الأكابر لا سيما الملوك ، أو لقصد تكرير الفعل للتأكيد .