فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ} (99)

{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ { 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ { 100 ) }

تبين الآيات الكريمتان حال من يحضره الموت من الكافرين ، بل ومن المسلمين المفرطين ، كما يشهد لذلك قول رب العالمين : { وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين . ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها . . ){[2411]} يسأل ربه أن يرجعه إلى الدنيا ليتدارك ما فات ، ويعمل صالحا فيما ضيع ؛ ف{ رب } منادى ، وحرف النداء مقدر ؛ و{ ارجعون } يراد به التعظيم والله أعلم بالمراد و{ لعلي } أي رجاء ؛ فيجاب هذا المترجي : { كلا } لن ترجع ! فليس الأمر على هواك ليس الأمر على ما يظنه من أن يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا ، بل هو كلام يطيح في أدراج الريح ؛ وقيل : لو أجيب إلى ما طلب لما وفى بما يقول ؛ كما قال المولى تبارك وتعالى : { . . ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ){[2412]} ؛ قيل : { كلا إنها كلمة هو قائلها } ترجع إلى الله تعالى ؛ أي : لا خلف في خبره ، وقد أخبر أنه لن يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ، وأخبر بأن هذا الكافر لا يؤمن { ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون } من أمام النادمين المتحسرين وبين أيديهم حاجز بين الدنيا والآخرة ؛ فالمقبور ليس من أهل الدنيا إذ قد فارقها بالموت وليس بعد من أهل الآخرة لأنها لما تجيء ، فيعرض على النار غدوا وعشيا حتى يجيء يوم البعث فيجازى الجزاء الأوفى ، وإذا كان من الذين سعدوا وآمنوا واتقوا وعملوا الصالحات فإنه في برزخه يبقى راضيا مرضيا حتى يبعث فيجزى كذلك الجزاء الأوفى ، ويخلد في النعيم الأبقى وأضيف { يوم } إلى { يبعثون } لأنه ظرف زمان ، والمراد بالإضافة المصدر {[2413]}


[2411]:سورة المنافقون. الآية 10 ومن الآية 11
[2412]:سورة الأنعام. من الآية 28.
[2413]:ما بين العارضتين أورده القرطبي؛ بتصرف.