الأولى : قوله تعالى : " إذ قالت امرأة عمران " قال أبو عبيدة : " إذ " زائدة . وقال محمد بن يزيد : التقدير : اذكر إذ . وقال الزجاج : المعنى واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران . وهي حنة ( بالحاء المهملة والنون ) بنت فاقود بن قنبل أم مريم جدة عيسى عليه السلام ، وليس باسم عربي ولا يعرف في العربية حنة اسم امرأة . وفي العربية أبو حنة البدري ، ويقال فيه : أبو حبة ( بالباء بواحدة ) وهو أصح ، واسمه عامر ، ودير حنة بالشأم ، ودير آخر{[3019]} أيضا يقال له كذلك ، قال أبو نواس :
يا دَيْرَ حَنَّةَ من ذات الأُكَيْرَاحِ{[3020]} *** من يصحُ عنكَ فإني لستُ بالصَّاحِي
وحبة في العرب كثير ، منهم أبو حبة الأنصاري ، وأبو السنابل بن بعكك المذكور في حديث سبيعة{[3021]} حبة ، ولا يعرف خنة بالخاء المعجمة{[3022]} إلا بنت يحيى بن أكثم القاضي ، وهي أم{[3023]} محمد بن نصر ، ولا يعرف جنة ( بالجيم ) إلا أبو جنة ، وهو خال ذي الرمة الشاعر . كل هذا من كتاب ابن ماكولا .
الثانية : قوله تعالى : " رب إني نذرت لك ما في بطني محررا " تقدم معنى النذر{[3024]} ، وأنه لا يلزم العبد إلا بأن يلزمه نفسه . ويقال : إنها لما حملت قالت : لئن نجاني الله ووضعت ما في بطني لجعلته محررا . ومعنى " لك " أي : لعبادتك . " محررا " نصب على الحال ، وقيل : نعت لمفعول محذوف ، أي : إني نذرت لك ما في بطني غلاما محررا ، والأول أولى من جهة التفسير وسياق الكلام والإعراب : أما الإعراب فإن إقامة النعت مقام المنعوت لا يجوز في مواضع ، ويجوز على المجاز في أخرى ، وأما التفسير فقيل : إن سبب قول امرأة عمران هذا أنها كانت كبيرة لا تلد ، وكانوا أهل بيت من الله بمكان ، وإنها كانت تحت شجرة فبصرت بطائر يَزُقُّ فرخا فتحركت نفسها لذلك ، ودعت ربها أن يهب لها ولدا ، ونذرت إن ولدت أن تجعل ولدها محررا{[3025]} : أي عتيقا خالصا لله تعالى ، خادما للكنيسة حبيسا عليها ، مفرغا لعبادة الله تعالى . وكان ذلك جائزا في شريعتهم ، وكان على أولادهم أن يطيعوهم . فلما وضعت مريم قالت : " رب إني وضعتها أنثى " يعني أن الأنثى لا تصلح لخدمة الكنيسة . قيل لما يصيبها من الحيض والأذى . وقيل : لا تصلح لمخالطة الرجال . وكانت ترجو أن يكون ذكرا{[3026]} فلذلك حررت .
الثالثة : قال ابن العربي : " لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حملها نذر لكونها حرة ، فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده وكيفما تصرفت حاله ، فإنه إن كان الناذر عبدا فلم يتقرر له قول في ذلك ، وإن كان حرا فلا يصح أن يكون مملوكا له ، وكذلك المرأة مثله ، فأي وجه للنذر فيه ؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريد ولده للأنس به والاستنصار والتسلي ، فطلبت هذه المرأة الولد أنسا به وسكونا إليه ، فلما من الله تعالى عليها به نذرت أن حظها من الأنس به متروك فيه ، وهو على خدمة الله تعالى موقوف ، وهذا نذر الأحرار من الأبرار . وأرادت به محررا من جهتي ، محررا من رق الدنيا وأشغالها ، وقد قال رجل من الصوفية لأمه : يا أمه : ذريني لله أتعبد له وأتعلم العلم ، فقالت : نعم . فسار حتى تبصر ثم عاد إليها فدق الباب ، فقالت من ؟ فقال لها : ابنك فلان ، قالت : قد تركناك لله ولا نعود فيك .
الرابعة : قوله تعالى : " محررا " مأخوذ من الحرية التي هي ضد العبودية ، من هذا تحرير الكتاب ، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد . وروى خصيف عن عكرمة ومجاهد : أن المحرر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا . وهذا معروف في اللغة أن يقال لكل ما خلص : حر ، ومحرر بمعناه ، قال ذو الرمة :
والقُرطُ في حُرَّة الذِّفْرَى مُعَلَّقُه *** تباعد الحبلُ منه فهو يضطرب{[3027]}
وطين حر لا رمل فيه ، وباتت فلانة بليلة حرة إذا لم يصل إليها زوجها أول ليلة ، فإن تمكن منها فهي بليلة شيباء .
ولما كان جل{[16397]} المقصود هنا بيان الكرامات في آل عمران لا سيما في الولادة ، وكان آدم الممثل به عليه الصلاة والسلام قد تقدم بيان أمره في سورة البقرة سورة الكتاب المثمر للعلم ، وكذا بيان كثير{[16398]} مما اصطفى به إبراهيم وآله عليهم الصلاة والسلام إذ كان معظم القصد{[16399]} بالكلام لذريته ، وكان معظم المقصود من ذكر نوح عليه الصلاة والسلام كونه في{[16400]} عمود النسب ، وليس في أمر ولادته ما هو خارج عن العادة قال طاوياً لمن قبل : { إذ } أي اذكر جواباً لمن يجادلك في أمرهم ويسألك عن حالهم حين { قالت امرأة عمران } وهي حامل .
وقال الحرالي : لما كان من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى عليه الصلاة والسلام اختص التفصيل{[16401]} بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام دون سائر من ذكر معه ، وكان في هذه المناظرة بين الصورتين حظ من التكافؤ من حيث ذكر أمر{[16402]} خلق آدم عليه الصلاة والسلام في سورة البقرة ، فذكر خلق المثل المناظر له في السورة المناظرة لسورة البقرة وهي هذه السورة ، فعاد{[16403]} توقيت هذا القول إلى غاية هذا الاصطفاء ، فأنبأ عن ابتداء ما اختص منه بعيسى عليه الصلاة والسلام من قول{[16404]} أم مريم امرأة عمران حين أجرى على لسانها وأخطر بقلبها أن تجعل ما في بطنها نذراً ، ففصل ما به ختم من اصفطاء آل عمران ، ولذلك عرفت{[16405]} أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة عمران ليلتئم التفصيل بجملته السابقة { رب إني نذرت لك ما في بطني } وكان نذر الولد شائعاً{[16406]} في بني إسرائيل إلا أنه كان{[16407]} عندهم معهوداً{[16408]} في الذكور لصلاحهم لسدانة{[16409]} بيت الله والقيام به ، فأكمل الله سبحانه وتعالى مريم لما كمل له الرجال - كما قال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع " فذكر مريم بنت عمران عليها السلام ، فكان من كمالها خروج والدتها عنها ، وكان أصله من الأم التي لها الإشفاق ، فكان خروجها أكمل من خروج الولد لأنها لها في زمن الحمل والرضاع والتربية إلى أن يعقل الولد أباه فحينئذ{[16410]} يترقى إلى حزب أبيه ، ولذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - أري إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده عند تمييزه ، وخرجت امرأة عمران عن حملها وهو في بطنها حين ما هو أعلق بها - انتهى . ونذرته لله تعالى حال{[16411]} كونه { محرراً } أي لا اعتراض ولا حكم لأحد من الخلق عليه ، قال الحرالي : والتحرير طلب الحرية ، والحرية رفع اليد عن الشيء من كل وجه ، وفي الإتيان{[16412]} بصيغة {[16413]}التكثير والتكرير{[16414]} إشعار بمضي العزيمة في قطع الولاية عنه{[16415]} بالكلية لتسلم ولايته لله تعالى - انتهى . { فتقبل مني } ولما كان حسن{[16416]} إجابة{[16417]} المهتوف به{[16418]} الملتجأ إليه على حسب إحاطة سمعه وعلمه عللت سؤالها في التقبل بأن قصرت السمع والعلم{[16419]} عليه سبحانه فقالت : { إنك أنت } أي وحدك { السميع العليم * } فقالت كما قال سلفها إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام { ربنا تقبل منا{[16420]} }[ البقرة : 127 ] ، أي فلا يسمع أحد قولي{[16421]} مثل سمعك ، ولا يعلم أحد نيتي{[16422]} مثل علمك ولا أنا ، فإن كان فيهما{[16423]} شيء لا يصلح فتجاوز عنه .