قوله تعالى : " إن الله اصطفى آدم ونوحا " اصطفى اختار ، وقد تقدم في البقرة{[3007]} . وتقدم فيها اشتقاق آدم{[3008]} وكنيته ، والتقدير إن الله اصطفى دينهم وهو دين الإسلام ، فحذف المضاف . وقال الزجاج : اختارهم للنبوة على عالمي زمانهم . " ونوحا " قيل إنه مشتق من ناح ينوح ، وهو اسم أعجمي إلا أنه انصرف لأنه على ثلاثة أحرف ، وهو شيخ المرسلين ، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم عليه السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر القرابات ، ومن قال : إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم على ما يأتي بيانه في
" الأعراف " {[3009]} إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : " وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين " تقدم في البقرة معنى الآل وعلى ما يطلق مستوفى{[3010]} . وفي البخاري عن ابن عباس قال : آل إبراهيم وآل عمران المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد ، يقول الله تعالى : " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " [ آل عمران : 68 ] وقيل : آل إبراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم . وقيل : آل إبراهيم نفسه ، وكذا آل عمران ، ومنه قوله تعالى : " وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون " {[3011]} [ البقرة : 248 ] . وفي الحديث : ( لقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود ) ، وقال الشاعر :
ولا تَبْكِ{[3012]} مَيْتاً بعد ميتٍ أَحِبّه *** عليٌّ وعباس وآل أبي بكر
يلاقي من تَذَكُّرِ آل ليلى *** كما يَلْقَى السَّلِيمُ من العِدَادِ{[3013]}
أراد من تذكر ليلى نفسها . وقيل : آل عمران آل إبراهيم ، كما قال : " ذرية بعضها من بعض " [ آل عمران : 34 ] . وقيل : المراد عيسى ؛ لأن أمه ابنة عمران . وقيل : نفسه كما ذكرنا . قال مقاتل : هو عمران أبو موسى وهارون ، وهو عمران بن يصهر بن فاهاث بن لاوى بن يعقوب . وقال الكلبي : هو عمران أبو مريم ، وهو من ولد سليمان عليه السلام . وحكى السهيلي : عمران بن ماتان ، وامرأته حنة ( بالنون ) . وخص هؤلاء بالذكر من بين الأنبياء ؛ لأن الأنبياء والرسل بقضهم وقضيضهم من نسلهم . ولم ينصرف عمران ؛ لأن في آخره ألفا ونونا زائدتين . ومعنى قوله : " على العالمين " أي على عالمي زمانهم ، في قول أهل التفسير . وقال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي : جميع الخلق كلهم . وقيل " على العالمين " : على جميع الخلق كلهم إلى يوم الصور ، وذلك أن هؤلاء رسل وأنبياء فهم صفوة الخلق ، فأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جازت{[3014]} مرتبته الاصطفاء لأنه حبيب ورحمة . قال الله تعالى : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " {[3015]} [ الأنبياء : 107 ] فالرسل خلقوا للرحمة ، ومحمد صلى الله عليه وسلم خلق بنفسه رحمة ، فلذلك صار أمانا للخلق ، لما بعثه الله أمن الخلق العذاب إلى نفخة الصور . وسائر الأنبياء لم يحلوا هذا المحل ؛ ولذلك قال عليه السلام : ( أنا رحمة مهداة ) يخبر أنه بنفسه رحمة للخلق من الله . وقوله ( مهداة ) أي هدية من الله للخلق . ويقال : اختار آدم بخمسة أشياء : أولها : أنه خلقه بيده في أحسن صورة بقدرته ، والثاني : أنه علمه الأسماء كلها ، والثالث : أمر الملائكة بأن يسجدوا له ، والرابع : أسكنه الجنة ، والخامس : جعله أبا البشر . واختار نوحا بخمسة أشياء : أولها : أنه جعله أبا البشر ؛ لأن الناس كلهم غرقوا وصار ذريته هم الباقين ، والثاني : أنه أطال عمره ، ويقال : طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ،
والثالث : أنه استجاب دعاءه على الكافرين والمؤمنين ،
والرابع : أنه حمله على السفينة ،
والخامس : أنه كان أول من نسخ الشرائع ، وكان قبل ذلك لم يحرم تزويج الخالات والعمات .
أولها : أنه جعله أبا الأنبياء ؛ لأنه روى أنه خرج من صلبه ألف{[3016]} نبي من زمانه إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ،
والثالث : أنه أنجاه من النار ،
والرابع : أنه جعله إماما للناس ،
والخامس : أنه ابتلاه بالكلمات فوفقه حتى أتمهن .
ثم قال : " وآل عمران " فإن كان عمران أبا موسى وهارون ، فإنما اختارهما على العالمين حيث بعث على قومه المن والسلوى ، وذلك لم يكن لأحد من الأنبياء في العالم . وإن كان أبا مريم فإنه اصطفى له مريم بولادة عيسى بغير أب ، ولم يكن ذلك لأحد في العالم . والله أعلم .
ولما كان الأصفياء أخص من مطلق الأحباب بين بعض الأصفياء{[16287]} وما أكرمهم به تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الشريف " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش{[16288]} بها ، ورجله التي يمشي بها " تنبيهاً لوفد نصارى نجران وغيرهم على أنه مثل ما اصطفى لنفسه ديناً اصطفى للتخلق به ناساً يحبونه ويطيعونه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه ، وليسوا{[16289]} من صفات الكافرين في شيء فقال - أو يقال : إنه سبحانه وتعالى لما شبه أفعاله في التشابه وغيره بأقواله وعرف أن الطريق الأقوم رد المتشابه منها إلى الواضح المحكم والالتجاء في كشف المشكل{[16290]} إليه مع الاعتقاد الجازم المستقيم ، وبين أن الموقف{[16291]} عن{[16292]} هذا الطريق الأقوم الوقوف مع العرض{[16293]} الدنيوي مع الرئاسة وغيرها وألف الدين مع التعلل فيه بالتمني{[16294]} الفارغ{[16295]} ، وأنهى ذلك وتوابعه إلى أن ختم بتهديد من تولى عن الحق أخذ في تصوير{[16296]} تصويره في الأرحام كيف شاء بما{[16297]} شوهد من ذلك ولم يشك فيه من أحوال أناس هم من خلص{[16298]} عباده المقبلين على ما يرضيه فقال : أو يقال ولعله أحسن :
ولما أخبر سبحانه وتعالى أن أهل الكتاب ما{[16299]} اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم فكفروا بذلك ، وألحق به ما تبعه{[16300]} إلى أن ختم بالأمر باتباع الرسول وبأنه لا يحب الكافرين بالتولي عن رسله اشتد تشوف النفس إلى معرفة الرسل الآتين{[16301]} بالعلم الذين توجب مخالفتهم الكفر فبينهم بقوله : وقال الحرالي : لما كان منزل هذه السورة لإظهار{[16302]} المحكم والمتشابه في الخلق والأمر قدم سبحانه وتعالى بين يدي إبانة متشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام وجه الاصطفاء المتقدم للآدمية ومن منها من الذرية لتظهر{[16303]} معادلة خلق عيسى عليه الصلاة والسلام آخراً لمتقدم{[16304]} خلق آدم عليه الصلاة والسلام أولاً ، حتى يكونا مثلين محيطين بطرفي{[16305]} الكون في علو روحه{[16306]} ودنو{[16307]} أديم تربته{[16308]} وأنه سبحانه وتعالى نزل الروح إلى الخلق الآدمي كما قال ( ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون{[16309]} }[ الأنعام : 9 ] وظهر{[16310]} أثر ذلك اللبس بما وقع لأهل الزيغ في عيسى كما{[16311]} أنه رقى الخلق الطيني رتبة رتبة{[16312]} إلى كمال التسوية إلى أن نفخ فيه من روحه ، فكان ترقي الآدمي إلى النفخة لتنزل الروح إلى الطينة{[16313]} الإنسانية التي تم بها وجود عيسى عليه الصلاة والسلام كما كمل وجود آدم عليه الصلاة والسلام بالنفخة .
ولما كان أصل الإبداء نوراً علياً نزله الحق سبحانه وتعالى في رتب التطوير والتصيير والجعل{[16314]} إلى أن بدأ عالماً دنياوياً محتوياً على الأركان الأربعة والمواليد الثلاثة{[16315]} ، وخفيت نورانيته في موجود أصنافه{[16316]} صفي الله سبحانه وتعالى من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله ، فأنبأ الخطاب عن{[16317]} تصييره إلى الصفاء بالافتعال ؛ انتهى - فقال سبحانه وتعالى : { إن الله } أي بجلاله وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته { اصطفى } أي للعلم والرسالة عنه سبحانه وتعالى إلى خلقه والخلافة له في ملكه{[16318]} { آدم } أباكم الأول الذي لا تشكون{[16319]} في أنه خلقه من تراب ، وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام على أن أعظم ما استغربوا{[16320]} من عيسى كونه من غير ذكر ، وآدم أغرب{[16321]} حالاً منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس الأحياء - كما سيأتي ذلك صريحاً بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح .
قال الحرالي : فاصطفاه من كلية مخلوقه الذي أبداه{[16322]} ملكاً وملكوتاً خلقاً وأمراً ، وأجرى اسمه من أظهر {[16323]}ظاهره الأرضي{[16324]} وأدنى أدناه ، فسماه آدم من أديم الأرض ، على صيغة أفعل ، التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية . فكان مما أظهر تعالى في اصطفاء آدم ما ذكر جوامعه علي رضي الله عنه في قوله : لما خلق الله سبحانه وتعالى أبان فضله للملائكة وأراهم{[16325]} ما اختصه به من سابق العلم من حيث علمه عند استنبائه{[16326]} إياه أسماء الأشياء{[16327]} فجعل الله سبحانه وتعالى آدم محراباً وكعبة وباباً وقبلة ، أسجد{[16328]} له الأبرار والروحانيين الأنوار ، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه بعد أن سماه عند الملائكة إماماً ، فكان تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه - انتهى . { ونوحاً } أباكم الثاني الذي أخرجه من بين أبوين شابين على عادتكم المستمرة فيكم . وقال الحرالي : أنبأ تعالى أنه عطف لنوح عليه الصلاة والسلام اصطفاء على اصطفاء آدم ترقياً إلى كمال الوجود الآدمي وتعالياً إلى الوجود الروحي العيسوي ، فاصطفى نوحاً عليه الصلاة والسلام بما{[16329]} جعله أول رسول بتوحيده من حيث دحض{[16330]} الشرك وأقام كلمة الإيمان بقول " لا إله إلا الله " ، لما تقدم بين{[16331]} آدم ونوح من عبادة الأصنام والأوثان ، فكان هذا الاصطفاء اصطفاء باطناً{[16332]} لذلك الاصطفاء الظاهر فتأكد الاصطفاء وجرى{[16333]} من أهلكته طامة الطوفان مع نوح عليه الصلاة والسلام من الذر{[16334]} الآدمي مجرى تخليص الصفاوات من خثارتها{[16335]} ، و{[16336]} {[16337]}كما صفي{[16338]} آدم من الكون كله صفى نوحا عليه السلام وولده الناجين{[16339]} معه من مطرح الخلق الآدمي{[16340]} الكافرين الذين لا يلدون إلا فاجراً كفاراً ، فلم يكن فيهم{[16341]} ولا{[16342]} في مستودع ذراريهم صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي اختص بصفوته نوح عليه الصلاة والسلام
وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح{[16343]} }[ الأحزاب : 7 ] فكان ميثاق نوح عليه السلام{[16344]} ما قام به من كلمة التوحيد ورفض الأصنام والطاغوت التي اتخذها الظلمانيون من ذر{[16345]} آدم ، فتصفى{[16346]} بكلمة التوحيد النوارانيون منه ، فكان نوح عليه الصلاة والسلام ومن نجا معه صفوة زمانه ، كما كان آدم صفوة حينه{[16347]} - انتهى .
ولما كان أكثر الأنبياء من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام زاد في تعظيمه{[16348]} بقوله{[16349]} : { وآل إبراهيم } أي{[16350]} الذين أوجد فيهم الخوارق ولا سيما في إخراج الولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لمثلهما ، وفي ذلك إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام مثلهم لأنه أحدهم ، وكذا قوله : { وآل عمران } في قوله : { على العالمين * } إشارة إلى أنه كسائر{[16351]} أقاربه منهم ، وأفصح بذلك إفصاحاً جلياً في قوله :