الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (6)

فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " هو الذي يصوركم " أخبر تعالى عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات وأصل الرحِم من الرحمة ؛ لأنها مما يتراحم به . واشتقاق الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله ، فالصورة مائلة إلى شَبَه وهيئة . وهذه الآية تعظيم لله تعالى ، وفي ضمنها الرد على نصارى نجران ، وأن عيسى من المصَوَّرين ، وذلك مما لا ينكره عاقل . وأشار تعالى إلى شرح التصوير في سورة " الحج " {[2828]} و " المؤمنون " . وكذلك شرحه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود ، على ما يأتي هناك بيانه{[2829]} إن شاء الله تعالى وفيها الرد على الطبائعيين أيضا إذ يجعلونها فاعلةً مستبِدَّة . وقد مضى الرد عليهم في آية التوحيد{[2830]} وفي مسند ابن سنجر - واسمه محمد بن سَنْجر - حديث ( إن الله تعالى يخلق عظام الجنين وغضاريفه{[2831]} من مني الرجل وشحمه ولحمه من مني المرأة ) . وفي هذا أدل دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة ، وهو صريح{[2832]} في قوله تعالى : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " {[2833]}[ الحجرات : 13 ] وفي صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه : أن اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان . قال : ( ينفعك إن حدثتك ) ؟ . قال : أسمع بأذني ، قال : جئتك أسألك عن الولد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذْكَرا بإذن الله تعالى ، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله . . . ){[2834]} الحديث . وسيأتي بيانه آخر " الشورى " {[2835]} إن شاء الله تعالى .

الثانية : قوله تعالى : " كيف يشاء " يعني من حسن وقبح وسواد وبياض وطول وقصر وسلامة وعاهة ، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة . وذكر عن إبراهيم بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث ، فقال لهم : إني مشغول عنكم بأربعة أشياء ، فلا أتفرغ لرواية الحديث . فقيل له : وما ذاك الشغل ؟ قال : أحدها : أني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال : ( هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي ) فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت . والثاني : حيث صورت في الرحم فقال الملك الذي هو موكل على الأرحام : ( يا رب شقي هو أم سعيد ) فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت . والثالث : حين يقبض ملك الموت روحي فيقول : ( يا رب مع الكفر أم مع الإيمان ) فلا أدري كيف يخرج الجواب . والرابع : حيث يقول : " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " {[2836]} [ يس :59 ] فلا أدري في أي الفريقين أكون . ثم قال تعالى : " لا إله إلا هو " أي لا خالق ولا مصور سواه{[2837]} وذلك دليل على وحدانيته ، فكيف يكون عيسى إلها مصورا وهو مصور . " العزيز " الذي لا يغالب . " الحكيم " ذو الحكمة أو المحكم ، وهذا أخص بما ذكر من التصوير .


[2828]:- راجع جـ12 ص 6 فما بعد وص 109 فما بعد.
[2829]:- الزيادة من نسخة: ب.
[2830]:- راجع جـ2 ص 201.
[2831]:- الغضاريف:جمع غضروف (بضم الغين) وهو كل عظم رخص يؤكل، وهو مارن الأنف، ونغض الكتف (العظم الرقيق على طرقها)، ورؤوس الأضلاع، ورهابة الصدر (عظيم في الصدر مشرف على البطن)، وداخل فوق الأذن.
[2832]:- الزيادة في: جـ.
[2833]:- راجع جـ16 ص 340.
[2834]:- راجع الحديث في صحيح مسلم جـ1 ص 99 طبع بولاق.
[2835]:- راجع جـ16 ص 48 فما بعد.
[2836]:- راجع جـ 15 ص 46.
[2837]:- زيادة لا بد منها.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (6)

ولما قرر سبحانه وتعالى شمول علمه أتبعه دليله{[14610]} من تمام قدرته فقال : وقال الحرالي : ولما كان كل تفصيل{[14611]} يتقدمه بالرتبة مجمل{[14612]} جامع ، وكانت تراجم السورة موضع الإجمال ليكون تفصيلها موضع التفاصيل ، وكان من المذكور في سورة الكتاب ما وقع من اللبس كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع إلهية ما وقع من اللبس{[14613]} في أمر الإلهية في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، فكان في هذه الآية الجامعة توطئة لبيان الأمر في شأنه عليه السلام من حيث إنه مما صور في الرحم{[14614]} وحملته الأنثى ووضعته ، وأن جميع ما حوته السماء والأرض لا ينبغي أن{[14615]} يقع فيه لبس{[14616]} في أمر الإلهية ؛ انتهى فقال مبيناً أمر قدرته بما لا يقدر عليه عيسى عليه الصلاة والسلام ولا غيره : { هو } أي وحده { الذي } وقرعهم بصرف القول من الغيبه إلى الخطاب ليعظم تنبههم على ما هم فيه من قهر المصور لهم على ما أوجدهم عليه مما يشتهونه و{[14617]} لا يفقهونه فقال : { يصوركم } أي بعد أن كنتم نطفاً من التصوير وهو إقامة الصورة . وهي تمام البادي التي{[14618]} يقع عليها حس{[14619]} الناظر لظهورها ، فصورة{[14620]} كل شيء تمام بدوه{[14621]} قال الحرالي : { في الأرحام } أي التي لا اطلاع لكم عليها بوجه ، ولما كان التصوير في نفسه أمراً معجباً وشيناً{[14622]} للعقل إذا تأمله وإن كان قد هان لكثرة{[14623]} {[14624]} الإلف باهراً{[14625]} {[14626]} فكيف بأحواله المتباينة{[14627]} وأشكاله المتخالفة المتباينة{[14628]} أشار إلى التعجب من أمره وجليل سره بآلة الاستفهام وإن قالوا : إنها في هذا{[14629]} الوطن شرط ، فقال : { كيف } أي كما { يشاء } أي على أي حالة أراد ، سواء عنده كونكم من نطفتي ذكر وأنثى أو نطفة أنثى وحدها{[14630]} دليلاً على كمال العلم والقيومية ، وإيماء إلى أن من صور في الأرحام كغيره من العبيد لا يكون إلا عبداً ، إذ الإله{[14631]} متعال عن ذلك لما فيه من أنواع{[14632]} الاحتياج والنقص . وقال الحرالي : فكان في إلاحة هذه الآية توزيع{[14633]} أمر الإظهار على ثلاثة{[14634]} وجوه تناظر وجوه التقدير{[14635]} الثلاثة التي في فاتحة{[14636]} سورة البقرة ، فينتج{[14637]} هدى وإضلالاً وإلباساً أكمل الله به وحيه ، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر والنفاق خلقه فطابق الأمر الخلق فأقام الله سبحانه وتعالى بذلك قائم خلقه وأمره ، فكان في انتظام هذه الإفهامات أن{[14638]} بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء الخلق إنما ظهرت لأنها مودعة في أصل التصوير فصورة نورانية يهتدي بها وصورة ظلمانية يكفر لأجلها ، وصورة ملتبسة عيشية علمية يفتتن{[14639]} ويقع الإلباس والالتباس{[14640]} من جهتها ، مما لا يفي ببيانها إلا الفرقان المنزل على هذه الأمة ، ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن المخصوصة{[14641]} به أئمة هذه الأمة انتهى .

فقد علم أن التصوير في الرحم أدق شيء علماً وقدرة ، فعلم فاعله بغيره والقدرة عليه من باب الأولى فثبت{[14642]} أنه لا كفوء له ؛ فلذلك وصل به كلمة الإخلاص وقال الحرالي : ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من الإلباس والتكفير أظهر سبحانه وتعالى كلمة الإخلاص ليظهر نورها أرجاس تلك الإلباسات وتلك التكفيرات فقال : { لا إله إلا هو } إيذاناً بما هي له الإلباس{[14643]} والتكفير{[14644]} من وقوع الإشراك بالإلهية والكفر فيها والتلبس والإلتباس في أمرها ؛ فكان في طي هذا التهليل بشرى بنصرة{[14645]} أهل الفرقان وأهل القرآن على أهل الالتباس والكفران{[14646]} وخصوصاً على أهل الإنجيل الذين ذكرت كتبهم{[14647]} صريحاً في هذا التنزيل بل{[14648]} يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في هذه الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته والحكمة المقتضية{[14649]} لإكرام أهل ولايته ؛ انتهى فقال : { العزيز } أي الغالب غلبة{[14650]} لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة{[14651]} ولا انفلات{[14652]} ، ولا معجز له في إنفاذ{[14653]} شيء من أحكامه { الحكيم * } أي الحاكم بالحكمة ، فالحكم{[14654]} المنع عما يترامى إليه المحكوم عليه وحمله{[14655]} على ما يمتنع منه من جميع أنواع الصبر ظاهراً بالسياسة العالية نظراً له ، والحكمة العلم{[14656]} بالأمر الذي لأجله وجب الحكم{[14657]} من قوام أمر العاجلة وحسن العقبى في الآجلة ؛ ففي ظاهر ذلك الجهد ، وفي باطنه الرفق ، وفي عاجله الكره ، وفي آجله{[14658]} الرضى والروح ؛ ولايتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة{[14659]} العلم ، فبذلك يكون تنزيل أمر العزة على وزن الحكمة قاله الحرالي بالمعنى{[14660]} .


[14610]:من ظ، وفي الأصل: دليل.
[14611]:من ظ، وفي الأصل: يفصل.
[14612]:من ظ، وفي الأصل: مجل.
[14613]:من ظ، وفي الأصل: لبسه.
[14614]:زيد من ظ.
[14615]:من ظ، وفي الأصل: لمن.
[14616]:في ظ: ليس.
[14617]:تكرر في ظ.
[14618]:من ظ، وفي الأصل: الذي.
[14619]:من ظ، وفي الأصل: حسن.
[14620]:من ظ، وفي الأصل: فصوره.
[14621]:في ظ: بدره.
[14622]:من ظ، وفي الأصل: سبا.
[14623]:في ظ: بكثرة.
[14624]:في الأصل: للالف ما هو، والتصحيح من ظ، غير أن فيه: باهرا ـ كذا.
[14625]:ي الأصل: للألف ما هو، والتصحيح من ظ، غير أن فيه: باهرا ـ كذا.
[14626]:ن ظ، وقد أخرها في الأصل عن "بآلة الاستفهام".
[14627]:من ظ، وقد أخرها في الأصل عن "بآلة الاستفهام".
[14628]:في ظ: المتنايبة.
[14629]:من ظ، وفي الأصل: هذه.
[14630]:في ظ: وجدها.
[14631]:في ظ: لاله.
[14632]:زيد من ظ.
[14633]:من ظ، وفي الأصل: توزيع.
[14634]:زيد بعده في الأصل: أوجه. ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[14635]:في ظ: التقرير.
[14636]:زيد من ظ.
[14637]:في الأصل: فيايح، وفي ظ: فسح ـ كذا.
[14638]:في ظ: أي.
[14639]:من ظ، وفي الأصل: تعيين ـ كذا.
[14640]:في الأصل: الانقياس، وفي ظ: الالباس.
[14641]:في ظ: المخصوص.
[14642]:من ظ، وفي الأصل: بكتب.
[14643]:زيد من ظ.
[14644]:في ظ: والتكفرر.
[14645]:في الأصل : مصر، وفي ظ: تبصرة.
[14646]:من ظ، وفي الأصل: والكفرات.
[14647]:في ظ: قلوبهم.
[14648]:زيد من ظ.
[14649]:في ظ: المقضية.
[14650]:في الأصل وظ: عليه ـ كذا.
[14651]:في ظ: مرافعته.
[14652]:من ظ: وفي الأصل: انقلاب.
[14653]:من ظ، وفي الأصل: ابقاه ـ كذا.
[14654]:في ظ: فالحكمة.
[14655]:ي الأصل وظ: جملة.
[14656]:ي ظ: بالعلم.
[14657]:من ظ، وفي الأصل: الحلم.
[14658]:في ظ: أمله.
[14659]:في ظ: سفه.
[14660]:من ظ، وفي الأصل: فالمعنى.