الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (34)

الخامسة عشرة : قوله تعالى : " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " استثنى جل وعز التائبين قبل أن يقدر عليهم ، وأخبر بسقوط حقه عنهم بقوله : " فاعلموا أن الله غفور رحيم " . أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط . ومن تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفع ، وتقام الحدود عليه كما تقدم . وللشافعي قول أنه يسقط كل حد بالتوبة ، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق لآدمي قصاصا كان أو غيره فإنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه . وقيل : أراد بالاستثناء المشرك إذا تاب وأمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود ؛ وهذا ضعيف ؛ لأنه إن آمن بعد القدرة عليه لم يقتل أيضا بالإجماع . وقيل : إنما لا يسقط الحد عن المحاربين بعد القدرة عليهم - والله أعلم - لأنهم متهمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام ، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم ، كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا ، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب ، فأما إذا تقدمت توبتهم القدرة عليهم ، فلا تهمة وهي نافعة على ما يأتي بيانه في سورة " يونس{[5537]} " ؛ فأما الشراب والزناة والسراق إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم ، وإن رفعوا إليه فقالوا تبنا لم يتركوا ، وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا . والله أعلم .


[5537]:راجع ج 8 ص 383.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (34)

ولما كان التعبير ب " إنما " يدل بختم{[25719]} الجزاء على هذا الوجه ، استثنى من المعاقبين هذه العقوبة بقوله : { إلا الذين تابوا } أي رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفاً من الله تعالى ، ولذا قال : { من قبل } وأثبت الجار إشارة إلى{[25720]} القبول وإن طال زمن المعصية وقصر زمن التوبة { أن تقدروا عليهم } أي فإن{[25721]} تحتم{[25722]} الجزاء المذكور يسقط ، فلا يجازون{[25723]} على ما يتعلق بحقوق الآدمي إلاّ إذا طلب صاحب الحق ، فإن عفا كان له ذلك ، وأما حق الله تعالى فإنه يسقط ، و{[25724]} إلى هذا{[25725]} الإشارة أيضاً بقوله تعالى : { فاعلموا أن الله } أي على ما له من صفات العظمة { غفور رحيم * } أي صفته{[25726]} ذلك أزلاًَ وأبداً ، فهو يفعل منه ما يشاء لمن يشاء ، وأفهمت الآية أن التوبة بعد{[25727]} القدرة لا تسقط شيئاً من الحدود .


[25719]:في ظ: تحتم.
[25720]:زيد بعده في ظ: أن.
[25721]:في ظ: بان.
[25722]:من ظ، وفي الأصل: يحتم.
[25723]:في ظ: فلا يجاوزون.
[25724]:في ظ: بهذا.
[25725]:في ظ: بهذا.
[25726]:في ظ: صفة.
[25727]:في ظ: حد.