قوله تعالى : " من أجل ذلك " أي من جراء ذلك القاتل وجريرته . وقال الزجاج : أي من جنايته ، يقال : أجل الرجل على أهله شرا يأجل أجلا إذا جنى ، مثل أخذ يأخذ أخذا . قال الخنوت{[5499]} :
وأهل خباء صالح كنتُ بينهم *** قد احتربوا في عاجل أنا آجله
أي جانيه ، وقيل : أنا جاره عليهم . وقال عدي بن زيد :
أجل إن الله قد فضلكم *** فوق من أَحْكَأُ{[5500]} صلبًا بإزَارِ
وأصله الجر ، ومنه الأجل لأنه وقت يجر إليه العقد الأول . ومنه الآجل نقيض العاجل ، وهو بمعنى يجر إليه أمر متقدم . ومنه أجل بمعنى نعم . لأنه انقياد إلى ما جر إليه . ومنه الإجل{[5501]} للقطيع من بقر الوحش ؛ لأن بعضه ينجر إلى بعض ، قاله الرماني . وقرأ يزيد بن القعقاع أبو جعفر : " من أجل ذلك " بكسر النون وحذف الهمزة وهي لغة ، والأصل " من إجل ذلك " فألقيت كسرة الهمزة على النون وحذفت الهمزة . ثم قيل : يجوز أن يكون قوله : " من أجل ذلك " متعلقا بقوله : " من النادمين " [ المائدة : 31 ] ، فالوقف على قوله : " من أجل ذلك " . ويجوز أن يكون متعلقا بما بعده وهو " كتبنا " . ف " من أجل " ابتداء كلام والتمام " من النادمين " ، وعلى هذا أكثر الناس ، أي من سبب هذه النازلة كتبنا . وخص بني إسرائيل بالذكر وقد تقدمته أمم قبلهم كان قتل النفس فيهم محظورا - لأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوبا ، وكان قبل ذلك قولا مطلقا ، فغلظ الأمر على بني إسرائيل بالكتاب بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء . ومعنى " بغير نفس " أي بغير أن يقتل نفسا فيستحق القتل . وقد حرم الله القتل في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال : كفر بعد إيمان ، أو زنى بعد إحصان ، أو قتل نفس ظلما وتعديا . " أو فساد في الأرض " أي شرك ، وقيل : قطع طريق . وقرأ الحسن : " أو فسادا " بالنصب على تقدير حذف فعل يدل عليه أول الكلام تقديره ، أو أحدث فسادا . والدليل عليه قوله : " من قتل نفسا بغير نفس " لأنه من أعظم الفساد . وقرأ العامة : " فساد " بالجر على معنى أو بغير فساد .
" فكأنما قتل الناس جميعا " اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه لأجل أن عقاب من قتل الناس جميعا أكثر من عقاب من قتل واحدا ، فروي عن ابن عباس أنه قال : المعنى من قتل نبيا أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعا . وعنه أيضا أنه قال : المعنى من قتل نفسا واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعا ، ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعا . وعنه أيضا . المعنى فكأنما قتل الناس جميعا عند المقتول ، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعا عند المستنقذ . وقال مجاهد : المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدا جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ؛ يقول : لو قتل الناس جميعا لم يزد على ذلك{[5502]} ، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه . وقال ابن زيد : المعنى أن من قتل نفسا فيلزمه من القود والقصاص ما يلزم من قتل الناس جميعا ، قال : ومن أحياها أي من عفا عمن وجب له قتله ، وقاله الحسن أيضا ، أي هو العفو بعد المقدرة . وقيل : المعنى أن من قتل نفسا فالمؤمنون كلهم خصماؤه ؛ لأنه قد وتر الجميع ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ، أي يجب على الكل شكره . وقيل : جعل إثم قاتل الواحد إثم قاتل الجميع ، وله أن يحكم بما يريد . وقيل : كان هذا مختصا ببني إسرائيل تغليظا عليهم . قال ابن عطية : وعلى الجملة فالتشبيه على ما قيل واقع كله ، والمنتهك في واحد ملحوظ بعين منتهك الجميع ، ومثاله رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئا ، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته ، وطعم الآخر ثمر شجرته كلها ، فقد استويا في الحنث . وقيل : المعنى أن من استحل واحدا فقد استحل الجميع ؛ لأنه أنكر الشرع .
وفي قوله تعالى : " ومن أحياها " تجوز ، فإنه عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة ، وإلا فالإحياء حقيقة - الذي هو الاختراع - إنما هو لله تعالى . وإنما هذا الإحياء بمنزلة قول نمروذ اللعين : " أنا أحيي وأميت " {[5503]} [ البقرة : 258 ] فسمى الترك إحياء . ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسل بالبينات ، وأن أكثرهم مجاوزون الحد ، وتاركون أمر الله .
ولما علم بهذا{[25651]} أن{[25652]} الإنسان موضع العجلة الإقدام على الموبقات من غير تأمل ، فكان أحوج شيء إلى نصب الزواجر ، أتبعه تعالى قوله : { من أجل ذلك } أي من غاية الأمر الفاحش جداً و{[25653]} مدته وعظم الأمر وشدة قبحه في نفسه وعند الله وصغره عند القاتل وحبسه ومنعه و{[25654]} جنايته وإثارته{[25655]} وتهييجه وجرأة الإنسان على العظائم بغير تأمل { كتبنا } أي بما لنا من العظمة ليفيد ذلك عظمة المكتوب والتنبيه على ما فيه من العجز{[25656]} ليفيد الانزجار { على بني إسرائيل } أي أعلمناهم بما لنا من العناية بهم في التوراة التي كتبناها لهم ، ويفهم ذلك أيضاً أنهم أشد الناس جرأة على القتل ، ولذلك{[25657]} كانوا يقتلون الأنبياء ، فأعلمهم الله بما فيهم من التشديد ، ولِمَا علم من الأدميين - لا سيما هم - من الجرأة عليه ، ليقيم عليهم بذلك الحجة على ما يتعارفونه بينهم ، ويكف عن القتل من سبقت{[25658]} له منه{[25659]} العناية بما يتصور من فظاعة القتل ، وقبح صورته وفحش أمره ، وعبر بأداة الاستعلاء التي هي للحتم من الوجوب{[25660]} والحرمة ، لأن السياق للزجر{[25661]} ، فهي تفهم المنع عن الإقدام على القتل في هذا المقام { أنه من قتل نفساً } أي من ابني آدم ، وكأنه أطلق تعظيماً لهم إشارة إلى أن غيرهم جماد { بغير نفس } أي بغير أن تكون{[25662]} قتلت نفساً تستحق أن تقاد بها فاستباح قتلها لتلك النفس التي قتلتها{[25663]} { أو } قتلها بغير{[25664]} { فساد } وقع منها .
ولما كانت الأرض - مع أنها فراشنا فهي{[25665]} محل التوليد والتربية والتنمية - دار الكدر ، وكان فساد من أفسد فراشه الموصوف - لا سيما وهو في{[25666]} كدر - دالاً على{[25667]} سوء{[25668]} جبلته ، وكان سوء الجبلة موجباً للقتل ، قال : { في الأرض } أي يبيح ذلك الفساد دمها كالشرك والزنا بعد الإحصان وكل ما يبيح إراقة الدم ، وقد علم بهذا أن{[25669]} قصة ابني{[25670]} آدم مع شدة التحامها بما قبل توطئة لما بعد ، وتغليظُ أمر القتل تقدم عن التوراة في سورة البقرة ، وقوله : { فكأنما قتل الناس جميعاً } من جملة الأدلة المبطلة لما ادعوا من البنوة ، إذ معناه أن الناس شرع واحد من جهة نفوسهم متساوون فيها . كلهم أولاد آدم ، لا فضل لأحد منهم على آخر في أصل تحريم القتل بغير ما ذكر من الموجب من قصاص أو فساد{[25671]} لا من بني إسرائيل ولا من{[25672]} غيرهم ، وذلك كما قال تعالى في ثاني{[25673]} النقوض
{ بل أنتم بشر ممن خلق }[ المائدة : 18 ] فصار من قتل نفساً{[25674]} واحدة بغير ما ذكر فكأنما حمل إثم من قتل الناس جميعاً ، لأن اجتراءه على ذلك أوجب اجتراء غيره ، ومن سن سنة كان كفاعلها{[25675]} { ومن أحياها } أي بسبب من الأسباب{[25676]} كعفو ، أو إنقاذ من هلكة كغرق{[25677]} ، أو مدافعة لمن يريد أن يقتلها ظلماً { فكأنما أحيا } أي بذلك{[25678]} الفعل الذي كان سبباً للأحياء { الناس جميعاً } أي بمثل ما تقدم في القتل ، والآية دالة على تعليمه سبحانه لعباده الحكمة ، لما يعلم من طباعهم التي خلقهم عليها ومن{[25679]} عواقب الأمور - لا على أنه يجب عليه - رعاية المصلحة ، ومما يحسن إيراده هاهنا{[25680]} ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ورأيت من ينسبه للشافعي{[25681]} رحمه الله تعالى{[25682]} :الناس من جهة التمثال{[25683]} أكفاء *** أبوهمُ آدم والأم حواء
نفس كنفس وأرواح{[25684]} مشاكلة *** وأعظمُ خلقت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهمُ في أصلهم حسب *** يفاخرون به فالطين والماء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم *** على الهدى لمن استهدى{[25685]} أدلاء
وقدر كل امرىء ما كان يحسنه *** وللرجال على الأفعال أسماء
وضد كل امرىء ما كان يجهله *** والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز{[25686]} بعلم تعش حياً{[25687]} به أبداً *** فالناس موتى وأهل العلم أحياء
ولما أخبر سبحانه أنه كتب عليهم ذلك ، أتبعه حالاً منهم دالة{[25688]} على أنهم بعيدون من أن{[25689]} يكونوا أبناء وأحباء فقال : { ولقد } أي والحال أنهم قد{[25690]} { جاءتهم رسلنا } أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا واختيارنا لهم لأن يأتوا عنا ، فهم لذلك أنصح الناس وأبعدهم عن الغرض وأجلّهم وأجمعهم للكمالات{[25691]} وأرفعهم عن النقائص ، لأن كل رسول دال على مرسله { بالبينات } أي الآيات الواضحة للعقل أنها من عندنا ، آمرة{[25692]} لهم بكل خير ، زاجرة عن كل{[25693]} ضير ، لم نقتصر{[25694]} في التغليظ في ذلك على الكتاب بل وأرسلنا{[25695]} الرسل إليهم{[25696]} متواترة .
ولما كان وقوع{[25697]} الإسراف - وهو الإبعاد عن حد الاعتدال{[25698]} في الأمر منهم بعد ذلك - بعيداً{[25699]} - عبر بأداة التراخي مؤكداً بأنواع التأكيد فقال : { ثم إن كثيراً منهم } أي بني إسرائيل ، وبيَّنَ شدة عتوّهم بإصرارهم خلفاً بعد سلف فلم يثبت الجار فقال : { بعد ذلك } أي البيان العظيم والزجر البليغ بالرسل والكتاب { في الأرض } أي التي هي{[25700]} مع كونها فراشاً لهم - ويقبح على الإنسان أن يفسد فراشه - شاغلة{[25701]} - لما فيها من عظائم الكدورات وترادف القاذورات - عن الكفاف فضلاً عن الإسراف { لمسرفون * } أي عريقون{[25702]} في الإسراف بالقتل وغيره .