قوله تعالى : " قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما " أعلم الله عز وجل في هذه الآية بما حرم . والمعنى : يا محمد لا أجد فيما أوحي إلي محرما إلا هذه الأشياء ، لا ما تحرمونه بشهوتكم . والآية مكية . ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ، ثم نزلت سورة " المائدة " بالمدينة . وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة{[6819]} والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك . وحرم رسول الله صلى الله عليه بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير . وقد اختلف العلماء في حكم هذه الآية وتأويلها على أقوال : الأول : ما أشرنا إليه من أن هذه الآية مكية ، وكل محرم حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جاء في الكتاب مضموم إليها ، فهو زيادة حكم من الله عز وجل على لسان نبيه عليه السلام . على هذا أكثر أهل العلم من أهل{[6820]} النظر ، والفقه والأثر . ونظيره نكاح{[6821]} المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله : " وأحل لكم ما وراء ذلكم{[6822]} " [ النساء : 24 ] وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قوله : " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان{[6823]} " [ البقرة : 282 ] وقد تقدم . وقد قيل : إنها منسوخة بقوله عليه السلام ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) أخرجه مالك ، وهو حديث صحيح . وقيل : الآية محكمة ولا حرام إلا ما فيها وهو قول يروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ، وروي عنهم خلافه . قال مالك : لا حرام بين إلا ما ذكر في هذه الآية . وقال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تحليل كل شيء من الحيوان وغيره إلا ما استثني في الآية من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير . ولهذا قلنا : إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان والخنزير مباح . وقال الكيا الطبري : وعليها بنى الشافعي تحليل كل مسكوت عنه ، أخذا من هذه الآية ، إلا ما دل عليه الدليل . وقيل : إن الآية جواب لمن سأل عن شيء بعينه فوقع الجواب مخصوصا . وهذا مذهب الشافعي . وقد روى الشافعي عن سعيد بن جبير أنه قال : في هذه الآية أشياء سألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء . وقيل : أي لا أجد فيما أوحي إلي أي في هذه الحال حال الوحي ووقت نزوله ، ثم لا يمتنع حدوث وحي بعد ذلك بتحريم أشياء أخر . وزعم ابن العربي أن هذه الآية مدنية وهي{[6824]} مكية في قول الأكثرين ، نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم نزل عليه " اليوم أكملت لكم دينكم " {[6825]} [ المائدة : 3 ] ولم ينزل بعدها ناسخ فهي محكمة ، فلا محرم إلا ما فيها ، وإليه أميل .
قلت : وهذا ما رأيته قاله غيره . وقد ذكر أبو عمر بن عبدالبر الإجماع في أن سورة " الأنعام " مكية إلا قوله تعالى : " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " [ الأنعام : 151 ] الثلاث الآيات ، وقد نزل بعدها قرآن كثير وسنن جمة . فنزل تحريم الخمر بالمدينة في " المائدة " . وأجمعوا على أن نهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة . قال إسماعيل بن إسحاق : وهذا كله يدل على أنه أمر كان بالمدينة بعد نزول قوله : " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما " لأن ذلك مكي .
قلت : وهذا هو مثار الخلاف بين العلماء . فعدل جماعة عن ظاهر الأحاديث الواردة بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ؛ لأنها متأخرة عنها والحصر فيها ظاهر فالأخذ بها أولى ؛ لأنها إما ناسخة لما تقدمها أو راجحة على تلك الأحاديث . وأما القائلون بالتحريم فظهر لهم وثبت عندهم أن سورة " الأنعام " مكية ، نزلت قبل الهجرة ، وأن هذه الآية قصد بها الرد على الجاهلية في تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ، ثم بعد ذلك حرم أمورا كثيرة كالحمر الإنسية ولحوم البغال وغيرها ، وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير . قال أبو عمر : ويلزم على قول من قال : " لا محرم إلا ما فيها " ألا يحرم ما لم يذكر اسم الله عليه عمدا ، وتستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين . وفي إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب دليل واضح على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد فيما أوحي إليه محرما غير ما في سورة " الأنعام " مما{[6826]} قد نزل بعدها من القرآن . وقد اختلفت الرواية عن مالك في لحوم السباع والحمير والبغال فقال مرة{[6827]} : هي محرمة ؛ لما ورد من نهيه عليه السلام عن ذلك ، وهو الصحيح من قول على ما في الموطأ . وقال مرة : هي مكروهة ، وهو ظاهر المدونة ؛ لظاهر الآية ؛ ولما روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة من إباحة أكلها ، وهو قول الأوزاعي . روى البخاري من رواية عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية ؟ فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس ، وقرأ " قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما " . وروي عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع فقال : لا بأس بها . فقيل له : حديث أبي ثعلبة الخشني{[6828]} فقال : لا ندع كتاب الله ربنا لحديث{[6829]} أعرابي يبول على ساقيه . وسئل الشعبي عن لحم الفيل والأسد فتلا هذه الآية . وقال القاسم : كانت عائشة تقول لما سمعت الناس يقولون حرم كل ذي ناب من السباع : ذلك حلال ، وتتلو هذه الآية " قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما " ثم قالت : إن كانت البرمة ليكون ماؤها أصفر من الدم ثم يراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحرمها .
والصحيح في هذا الباب ما بدأنا بذكره ، وإن ما ورد من المحرمات بعد الآية مضموم إليها معطوف عليها . وقد أشار القاضي أبو بكر بن العربي إلى هذا في قبسه خلاف ما ذكر في أحكامه قال : روي عن ابن عباس أن هذه الآية من آخر ما نزل ، فقال البغداديون من أصحابنا : إن كل ما عداها حلال ، لكنه يكره أكل السباع . وعند فقهاء الأمصار منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة وعبدالملك أن أكل كل ذي ناب من السباع حرام ، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله : " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما " بما يرد من الدليل فيها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ) فذكر الكفر والزنى والقتل . ثم قال علماؤنا : إن أسباب القتل عشرة بما ورد من الأدلة ، إذ النبي صلى الله عليه وسلم إنما يخبر بما وصل إليه من العلم عن الباري تعالى ، وهو يمحو ما يشاء ويثبت وينسخ ويقدم . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) وقد روي أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير . وروى مسلم عن معن عن مالك : " نهي عن أكل كل ذي مخلب من الطير " والأول أصح وتحريم كل ذي ناب من السباع هو صريح المذهب ، وبه ترجم مالك في الموطأ حين قال : تحريم أكل كل ذي ناب من السباع . ثم ذكر الحديث وعقبه بعد ذلك بأن قال : وهو الأمر عندنا . فأخبر أن العمل أطرد مع الأثر . قال القشيري : فقول مالك " هذه الآية من أواخر ما نزل " لا يمنعنا من{[6830]} أن نقول : ثبت تحريم بعض هذه الأشياء بعد هذه الآية ، وقد أحل الله الطيبات وحرم الخبائث ، ونهى رسول الله صلى عن أكل كل ذي ناب من السباع ، وعن أكل كل ذي مخلب من الطير ، ونهى عن لحوم الحمر الأهلية عام خيبر . والذي يدل على صحة هذا التأويل الإجماع على تحريم العذرة والبول والحشرات المستقذرة والحمر مما ليس مذكورا في هذه الآية .
الثانية - قوله تعالى : " محرما " قال ابن عطية : لفظة التحريم إذا وردت على لسان رسول الله صلى الله عليه مسلم ، فإنها صالحة أن تنتهي بالشيء المذكور غاية الحظر والمنع ، وصالحة أيضا{[6831]} بحسب اللغة أن تقف دون الغاية في حيز الكراهة ونحوها ، فما اقترنت به قرينة التسليم من الصحابة المتأولين وأجمع الكل منهم ولم تضطرب فيه ألفاظ الأحاديث وجب بالشرع أن يكون تحريمه قد وصل الغاية من الحظر والمنع ، ولحق بالخنزير والميتة والدم ، وهذه صفة تحريم الخمر . وما اقترنت به قرينة اضطراب ألفاظ الأحاديث واختلفت الأئمة فيه مع علمهم بالأحاديث كقوله عليه السلام : ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) . وقد ورد نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ثم اختلفت الصحابة ومن بعدهم في تحريم ذلك ، فجاز لهذه الوجوه لمن ينظر أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها . وما اقترنت به قرينة التأويل كتحريمه عليه السلام لحوم الحمر الإنسية فتأول بعض الصحابة الحاضرين ذلك لأنه نجس ، وتأول بعضهم ذلك لئلا تفنى حمولة الناس ، وتأول بعضهم التحريم المحض . وثبت في الأمة الاختلاف في تحريم لحمها ، فجائز لمن ينظر من العلماء أن يحمل لفظ التحريم على المنع الذي هو الكراهة ونحوها نحوها{[6832]} بحسب اجتهاده وقياسه .
قلت : وهذا عقد حسن في هذا الباب وفي سبب الخلاف على ما تقدم . وقد قيل : إن الحمار لا يؤكل ؛ لأنه أبدى جوهره الخبيث حيث نزا على ذكر وتلوط ، فسمي رجسا . قال محمد بن سيرين : ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار . ذكره الترمذي في نوادر الأصول .
الثالثة - روى عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء ، فبعث الله نبيه عليه السلام وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه ، فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ، وتلا هذه الآية " قل لا أجد " الآية . يعني ما لم يبين تحريمه فهو مباح بظاهر هذه الآية . وروى الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عباس أنه قرأ " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما " قال : إنما حرم من الميتة أكلها ، ما يؤكل منها وهو اللحم ، فأما الجلد والعظم والصوف والشعر فحلال . وروى أبو داود عن ملقام بن تلب عن أبيه قال : صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما . الحشرة : صغار دواب الأرض كاليرابيع والضباب والقنافذ . ونحوها ، قال الشاعر :
أكلنا الرُّبَى{[6833]} يا أمَّ عمرو ومن يَكُنْ *** غريبا لديكُم يأكلِ الحشرات
أي ما دب ودرج . والربى جمع ربية وهي الفأرة . قال الخطابي : وليس في قوله " لم أسمع ل لها تحريما " دليل على أنها مباحة ؛ لجواز أن يكون غيره قد سمعه . وقد اختلف الناس في اليربوع والوبر{[6834]} والجمع وبار ونحوهما من الحشرات ، فرخص في اليربوع عروة وعطاء والشافعي وأبو ثور . قال الشافعي : لا بأس بالوبر وكرهه ابن سيرين والحكم وحماد وأصحاب الرأي . وكره أصحاب الرأي القنفذ . وسئل عنه مالك بن أنس فقال : لا أدري . وحكى أبو عمرو : وقال مالك لا بأس بأكل القنفذ . وكان أبو ثور لا يرى به بأسا ، وحكاه عن الشافعي . وسئل عنه ابن عمر فتلا " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما " الآية ؛ فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( خبيثة من الخبائث ) . فقال ابن عمر : إن كان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فهو كما قال . ذكره أبو داود . وقال مالك : لا بأس بأكل الضب واليربوع والورل{[6835]} . وجائز عنده أكل الحيات إذا ذكيت ، وهو قول ابن أبي ليلى والأوزاعي . وكذلك الأفاعي والعقارب والفأر والعظاية{[6836]} والقنفذ والضفدع . وقال ابن القاسم : ولا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها في قول مالك ؛ لأنه قال : موته في الماء لا يفسده . وقال مالك : لا بأس بأكل فراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه . والحجة له حديث ملقام{[6837]} بن تلب ، وقول ابن عباس وأبي الدرداء : ما أحل الله فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو . وقالت عائشة في الفأرة : ما هي بحرام ، وقرأت " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما " . ومن علماء أهل المدينة جماعة لا يجيزون أكل كل شيء من خشاش الأرض وهوامها ، مثل الحيات والأوزاغ والفأر وما أشبهه . وكل ما يجوز قتله فلا يجوز عند هؤلاء أكله ، ولا تعمل الذكاة عندهم فيه . وهو قول ابن شهاب وعروة والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم . ولا يؤكل عند مالك وأصحابه شيء من سباع الوحش كلها ، ولا الهر الأهلي ولا الوحشي لأنه سبع . وقال : ولا يؤكل الضبع ولا الثعلب ، ولا بأس بأكل سباع الطير كلها : الرخم والنسور والعقبان وغيرها ، ما أكل الجيف منها وما لم يأكل . وقال الأوزاعي : الطير كله حلال ، إلا أنهم يكرهون الرخم . وحجة مالك أنه لم يجد أحدا من أهل العلم يكره أكل سباع الطير ، وأنكر الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير ) . وروي عن أشهب أنه قال : لا بأس بأكل الفيل إذا ذكي . وهو قول الشعبي ، ومنع منه الشافعي . وكره النعمان وأصحابه أكل الضبع والثعلب . ورخص في ذلك الشافعي ، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضباع . وحجة مالك عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع ، ولم يخص سبعا من سبع . وليس حديث الضبع الذي خرجه النسائي في إباحة أكلها مما يعارض به حديث النهي ؛ لأنه حديث انفرد به عبدالرحمن بن أبي عمار ، وليس مشهورا بنقل العلم ، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه . قال أبو عمر : وقد روي النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة . وروى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات ، ومحال أن يعارضوا بمثل حديث ابن أبي عمار . قال أبو عمر : أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكله ، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه . قال : وما علمت أحدا رخص في أكله إلا ما ذكره عبدالرزاق عن معمر عن أيوب . سئل مجاهد عن أكل القرد فقال : ليس من بهيمة الأنعام .
قلت : ذكر ابن المنذر أنه قال : روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في الحرم فقال : يحكم به ذوا عدل . قال : فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه ؛ لأن الجزاء لا يجب على من قتل غير الصيد . وفي ( بحر المذهب ) للروياني على مذهب الإمام الشافعي : وقال الشافعي يجوز بيع القرد لأنه يعلم وينتفع به لحفظ المتاع . وحكى الكشفلي عن ابن شريح يجوز بيعه لأنه ينتفع به . فقيل له : وما وجه الانتفاع به ؟ قال تفرح به الصبيان . قال أبو عمر : والكلب والفيل وذو الناب كله عندي مثل القرد . والحجة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا في قول غيره . وقد زعم ناس أنه لم يكن في العرب من يأكل لحم الكلب إلا قوم من فقعس . وروى أبو داود عن ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها . في رواية : عن الجلالة في الإبل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها . قال الحليمي أبو عبدالله : فأما الجلالة فهي التي تأكل العذرة من الدواب والدجاج المخلاة . ونهى النبي عن لحومها . وقال العلماء : كل ما ظهر منها ريح العذرة في لحمه أو طعمه فهو حرام ، وما لم يظهر فهو حلال . وقال الخطابي : هذا نهي تنزه وتنظف ، وذلك أنها إذا اغتذت الجلة وهي العذرة وجد نتن رائحتها في لحومها ، وهذا إذا كان غالب علفها منها ، فأما إذا رعت الكلأ واعتلفت الحب وكانت تنال مع ذلك شيئا من الجلة فليست بجلالة ، وإنما هي كالدجاج المخلاة ، ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها وغالب غذائه وعلفه من غيره فلا يكره أكلها . وقال أصحاب الرأي والشافعي وأحمد : لا تؤكل حتى تحبس أياما وتعلف علفا غيرها ، فإذا طاب لحمها أكلت . وقد روي في الحديث ( أن البقر تعلف أربعين يوما ثم يؤكل لحمها ) . وكان ابن عمر يحبس الدجاج ثلاثا ثم يذبح . وقال إسحاق : لا بأس بأكلها بعد أن يغسل لحمها غسلا جيدا . وكان الحسن لا يرى بأسا بأكل لحم الجلالة ، وكذلك مالك بن أنس . ومن هذا الباب نُهِيَ أن تلقى في الأرض العذرة . روي عن بعضهم قال : كنا نكري أرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشترط على من يكريها ألا يلقي فيها العذرة . وعن ابن عمر أنه كان يكري أرضه ويشترط ألا تدمن بالعذرة{[6838]} . وروي أن رجل كان يزرع أرضه بالعذرة فقال له عمر : أنت الذي تطعم الناس ما يخرج منهم . واختلفوا في أكل الخيل ، فأباحها الشافعي ، وهو الصحيح ، وكرهها مالك . وأما البغل فهو متولد من بين الحمار والفرس ، وأحدهما مأكول أو مكروه وهو الفرس ، والآخر محرم وهو الحمار ، فغلب حكم التحريم ؛ لأن التحليل والتحريم إذا اجتمعا في عين واحدة غلب حكم التحريم . وسيأتي بيان هذه المسألة في " النحل{[6839]} " إن شاء الله بأوعب من هذا . وسيأتي حكم الجراد في " الأعراف " {[6840]} .
والجمهور من الخلف والسلف على جواز أكل الأرنب . وقد حكي عن عبدالله بن عمرو بن العاص تحريمه . وعن ابن أبي ليلى كراهته . قال عبدالله بن عمرو : جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس فلم يأكلها ولم ينه عن أكلها . وزعم أنها تحيض . ذكره أبو داود . وروى النسائي مرسلا عن موسى بن طلحة قال : أتي النبي بأرنب قد شواها رجل وقال : يا رسول الله ، إني رأيت بها دما ، فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأكلها ، وقال لمن عنده : ( كلوا فإني لو اشتهيتها أكلتها ) .
قلت : وليس في هذا ما يدل على تحريمه ، وإنما هو نحو من قوله عليه السلام : ( إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ) . وقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال : مررنا بمر الظهران فاستنفجنا{[6841]} أرنبا فسعوا عليه فلغبوا{[6842]} . قال : فسعيت حتى أدركتها ، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها ، فبعث بوركها وفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله .
الرابعة - قوله تعالى : " على طاعم يطعمه " أي أكل يأكله . وروي عن ابن عامر أنه قرأ " أوحى " بفتح الهمزة . وقرأ علي بن أبي طالب " يطعمه " مثقل الطاء ، أراد يتطعمه فأدغم . وقرأت عائشة ومحمد بن الحنفية " على طاعم طعمه " بفعل ماض " إلا أن يكون ميتة " قرئ بالياء والتاء ؛ أي إلا أن تكون العين أو الجثة أو النفس ميتة . وقرئ " يكون " بالياء " ميتة " بالرفع بمعنى تقع وتحدث ميتة . والمسفوح : الجاري الذي يسيل وهو المحرم . وغيره معفو عنه . وحكى الماوردي أن الدم غير المسفوح أنه إن كان ذا عروق يجمد عليها كالكبد والطحال فهو حلال ؛ لقوله عليه السلام : ( أحلت لنا ميتتان ودمان ) الحديث . وإن كان غير ذي عروق يجمد عليها ، وإنما هو مع اللحم ففي تحريمه قولان : أحدهما أنه حرام ؛ لأنه من جملة المسفوح أو بعضه . وإنما ذكر المسفوح لاستثناء الكبد والطحال منه . والثاني أنه لا يحرم ؛ لتخصيص التحريم بالمسفوح .
قلت : وهو الصحيح . قال عمران بن حدير : سألت أبا مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم ، وعن القدر تعلوها الحمرة من الدم فقال : لا بأس به ، إنما حرم الله المسفوح . وقالت نحوه عائشة وغيرها ، وعليه إجماع العلماء . وقال عكرمة : لولا هذه الآية لا تبع المسلمون من العروق ما تتبع اليهود . وقال إبراهيم النخعي : لا بأس بالدم في عرق أو مخ . وقد تقدم هذا وحكم المضطر في " البقرة " {[6843]} والله أعلم{[6844]} .
ولما تضمن قوله افتراء عليه افتراء على الله والتعبير في ذلك كله بالاسم الأعظم أن كون التحريم ليس إلاّ من الله أمر معلوم ليس موضعاً للشك لأنه الملك الأعظم ولا حكم لغير الملك ، ومن حكم عن غير أمره عذب ؛ حسن بعد إبطال دينهم{[31457]} والبيان لأن من حرم شيئاً بالتشهي مضل وظالم{[31458]} قولُه مبيناً البيان الصحيح لما يحل ويحرم جواباً لمن يقول : فما الذي حرمه سبحانه وما الذي أحله : { قل } معلماً بأن{[31459]} التحريم لا يثبت إلاّ بوحي من{[31460]} الله { لآ أجد } أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان ، فإن " لا " كلمة لا تدخل على مضارع إلاّ وهو بمعنى الاستقبال { في مآ } .
ولما كان ما آتاه صلى الله عليه وسلم قد ثبت بعجزهم عن معارضته أنه من الله ، بني للمفعول قوله{[31461]} : { أوحي إليّ } أي من القرآن والسنة شيئاً مما تقدم مما حرمتموه مطلقاً أو على حال دون حال وعلى ناس دون آخرين طعاماً { محرماً على طاعم } أيّ طاعم كان من ذكر أو أنثى { يطعمه } أي يتناوله أكلاً و{[31462]} شرباً أو دواء أو غير ذلك { إلا أن يكون } أي ذلك الطعام { ميتة } أي شرعاً ، والميتة الشرعية هي ما لا يقبل التذكية ، وهو كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية{[31463]} { أو دماً مسفوحاً } أي مراقاً من شأنه السيلان لا من شأنه الجمود كالكبد والطحال .
ولما كان النصارى قد اتخذوا أكل الخنزير ديناً ، نص عليه وإن كان داخلاً{[31464]} في قوله " ميتة " على ما قررته في المراد بها ، وقال : { أو لحمِ خنزير } ليفيد تحريمه على كل حال سواء ذبح أم لا ، ولو قيل : أو خنزيراً لاحتمل أن يراد تحريم ما أخذ منه حياً فقط ، وقال : { فإنه } أي الخنزير{[31465]} { رجس } ليفيد نجاسة عينه وهو حي ، فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق الأولى ، وكل ما وافقه في هذه العلة كان نجساً ، لا يعاد الضمير على اللحم لأنه قد علمت نجاسته من تحريمه لعينه ، فلو عاد عليه كان تكراراً . {[31466]}
ولما ذكر المحرم لعينه ذكر المحرم لعارض ، فقال مبالغاً في النفي عنه بأن جعله نفس المعنى الذي وقع النهي لأجله : { أو فسقاً } أي أو كان الطعام خروجاً مما ينبغي القرار فيه من فسيح جناب الله الذي من توطنه{[31467]} أمن واهتدى وسلم من{[31468]} ضيق الهوى في ذكر الغير الذي من خرج إليه خاف وضل ، وهلك{[31469]} وتوى{[31470]} ؛ ثم قال مفسراً له مقدماً لما هو داخل في الفسق من الالتفات إلى الغير{[31471]} : { أهل لغير الله } أي الذي له كل شيء لأن له الكمال كله{[31472]} { به } أي ذكر غير اسمه عليه بأن ذبح له تديناً ؛ ثم ذكر لطفه بهذه الأمة في إباحته لهم في حال الضرورة كل محرم رحمة{[31473]} منه لهم وستراً لتقصيرهم فقال : { فمن اضطر } أي حصل له جوع خشي منه التلف ، وبني للمفعول لأن المعتبر حصول الاضطرار لا كونه من معين ، ومن التعبير بذلك تؤخذ حرمة ما زاد على سد الرمق لأنه حينئذٍ لا يكون مضطراً { غير باغ } أي على غيره بمكيدة { ولا عاد } أي على غيره بقوته ولا متجاوز سد الضرورة { فإن ربك } أي المحسن إليك بإرسالك وإلى أمتك الضعيفة بجعل دينها الحنيفية السمحة{[31474]} { غفور } أي يمحو الذنب إذا أراد { رحيم } أي يكرم المذنب بعد الغفران بأنواع الكرامات ، فهو جدير بأن يمحو عن هذا المضطر أثر تلك الحرمة التي كدرها{[31475]} ويكرمه بأن يجعل له - في حفظه بذلك لنفسه إذا صحت فيه نيته - أجراً عظيماً ، وقد تكلفت الآية على وجازتها بجميع المحرمات من المأكولات مع الإشارة بلفظ الرجس والفسق إلى جميع أصناف المحرمات وإلى أن ارتكابها موجب للخبث والانسلاخ {[31476]}من الخير{[31477]} ، وذلك هو سبب تحريمها ؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة : وجه إنزال هذا الحرف - أي حرف{[31478]} الحرام - طهرة الخلق من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم ، فما اجتمعت فيه كان أشد تحريماً وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه بحسب تأكد الضرورة{[31479]} إلى طهرته{[31480]} ، وكما اختلف{[31481]} أحوال بني آدم بحسب اختلاف طينتهم من بين خبيث وطيب وما بين ذلك ، اختلف أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم ، فمن اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذى به وأوصافه في نفسه ، ورين على القلب أو صفاء ، لتقويه بما يسمى عليه من ذكر الله أو كفر به بذكر غيره ، وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متسع{[31482]} الحلال قوله تعالى
قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً }[ الأنعام : 125 ] هذا لمضرته بالبدن { أو لحم خنزير } وهذا لتخبيثه للنفس وترجيسه لها كما قال تعالى{[31483]} { فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به } وهذا لرينه على القلب ، وهذه الآية مدنية وأثبتها تعالى في سورة مكية إشعاراً بأن التحريم كان مستحقاً في أول الدين ولكن أخر{[31484]} إلى حين اجتماع جمة الإسلام بالمدينة تأليفاً لقلوب المشركين وتيسيراً على ضعفاء الدين{[31485]} الذين آمنوا واكتفاء للمؤمنين بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه استبصاراً منهم حتى أن الصديق رضي الله عنه كان قد حرم الخمر على نفسه{[31486]} في زمن الجاهلية لما{[31487]} رأى فيها من نزف العقل ، فكيف بأحوالهم بعد الإسلام ! وألحق بها في سورة { الذين آمنوا } ما كان قتله{[31488]} سطوة من غير ذكر الله عليه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاّ ما أدرك{[31489]} بالتذكية المنهرة للدم الموصل في التحريم لفساد مسفوحه بما هو خارج عن حد الطعام في الابتداء والأعضاء في الانتهاء المستدركة ببركة التسمية أثر ما أصابها من مفاجأة السطوة ، وألحق بها أيضاً{[31490]} في هذه السورة تحريم الخمر لرجسها كالخنزير كما ألحقت المقتولة بالميتة ، وكما حرم الله ما فيه جماع الرجس من الخنزير وجماع الإثم من الخمر حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه{[31491]} حظ من ذلك ، فألحق بالخنزير السباع حماية{[31492]} من سورة غضبها لشدة المضرة في ظهور الغضب من العبيد لأنه لا يصلح إلاّ لسيدهم ، وحرم الحمر الأهلية حماية من بلادتها وحرانها الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق ، وألحق صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر التي سكرها مطبوع{[31493]} تحريمَ المسكر الذي سكره مصنوع ، وكما حرم الله ما يغر العبد في ظاهره وباطنه حرم عليه فيما بينه وبينه ما يقطعه عنه من أكل الربا ، والربا{[31494]} بضع وسبعون باباً والشرك مثل ذلك ، وجامع منزله في قوله تعالى { الذين يأكلون الربا } إلى قوله : وأحل الله البيع وحرم الربا{[31495]} }[ البقرة : 275 ] إلى انتهاء ذكره إلى ما ينتظم من ذلك في قوله :{ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة{[31496]} }[ آل عمران : 113 ] - الآية ما يلحق بذلك في قوله :{ وما آتيتم من ربا{[31497]} }[ الروم : 39 ] - الآية ، هكذا قال : إن هذه الآية مدنية ، وهو - مع{[31498]} كوني لم أره لغيره - مشكل بقوله{ وقد فصل لكم ما حرم عليكم{[31499]} }[ الأنعام : 119 ] - الآية .
ولما كان تحريم الربا بين الرب والعبد ، كان فيه{[31500]} الوعيد بالإيذان بحرب من الله ورسوله ، ولذلك حمت الأئمة ذرائعه أشد الحماية ، وكان أشدهم في ذلك عالم المدينة حتى أنه{[31501]} حمي من صورته{[31502]} من الثقة بسلامة الباطن منه ، وعمل{[31503]} بضد ذلك في محرمات ما بين العبد ونفسه ، وكما حرم الله الربا فيما بينه وبين عبده من هذا الوجه الأعلى كذلك حرم أكل المال بالباطل فيما بين العبد وبين غيره من الطرف الأدنى ، وجامع منزله في قوله تعالى :{ و{[31504]} لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام{[31505]} }[ البقرة : 188 ] - الآية إلى ما ينتظم به{[31506]} من قوله تعالى{ يا أيها الذين آمنوا{[31507]} لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }[ النساء : 29 ] إلى ما ينتظم به من قوله تعالى : { وآتوا اليتامى أموالهم{[31508]} }[ النسا : 2 ] - الآيات في أموال اليتامى ، فحرمه تعالى من جهة الأعلى والمثيل والأدنى ، وانتظم التحرير في ثلاثة أصول : من جهة ما بين الله وبين عبده ومن جهة ما بين العبد وبين{[31509]} نفسه ، ومن جهة ما بين العبد وبين غيره ، مما تستقرأ{[31510]} جملة آية في القرآن وأحاديثه في السنة ومسائله في فقه الأئمة ؛ ولما كان له متسع ، وقع فيما بين الحلال البين والحرام البين أمور متشابهات لا يعلمها كثير من الناس ، لأنها تشبه الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه ، فلوقوعها بينهما يختلف فيها ولعرضه في الأولى ، وعن حماية الله عباده عن وبيل الحرام تحقق لهم اسمه " الطيب{[31511]} " ، فلم يتطبب بطب الله من لم يحتم عن محرماته ومتشابهاتها ، وهو الورع الذي هو ملاك الدين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف{[31512]} الحرام تماماً في العلم والحال والعمل : اعلم أن الإنسان لما كان خلقاً جامعاً كانت فيه بزرتان : بزرة للخير وبزرة للشر ، وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة{[31513]} نبات بزرة الشر تنمو{[31514]} فيه وتزكو بزرة الخير ، ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده ، فأول الحروف في الترتيب العمل ، والأساس لما بعده هو قراءة حرف الحرام ، لتحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان فمن غذي بالحرام في طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته إلا أن يطهر الله بما شاء من نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء ، فهو الأساس الذي ينبني{[31515]} عليه تطهر النفس من المناهي وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل ، والذي تحصل به قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم ويؤذي النفس وما يكره الخلق وما يغضب الرب ، فمن أصاب شيئاً من ذلك ولم يبادر إليه بالتوبة عذب بكل آية قرأها وهو مخالف لحكمها " من لم يبال من أيّ باب دخل{[31516]} عليه رزقه لم يبال الله من أيّ باب أدخله النار " .
ولما كان الورع كف اليد ظاهراً{[31517]} عن الشيء الضار ، وكانت الجوارح لا تنقاد إلا عن تأثر من النفس ، لم يصح الورع ظاهراً{[31518]} إلا أن يقع في النفس روعة باطنه من تناول ذلك الشيء ؛{[31519]} ولما كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصر القلب في الضار كما لا ينكف اليد إلا عند تقذر النفس{[31520]} لما تدرك العين قذره{[31521]} حتى أن النفس الرضية تأنف من المحرمات كما يأنف المستنطف من المستقذرات ، فأكلة الحرام هم{[31522]} دود جيفة الدنيا يستقذرهم أهل البصائر كما يستقذرون هم دود جيف المزابل .
ولما كان الحرام ما يضر العبد في نفسه كالميتة ، تيسر على المستبصر كف يده عنها لما يدري من مضرتها بجسمه ، وكذلك الدم المسفوح لأنه ميتة بانفصاله عن الحي ومفارقته لروح الحياة التي تخالطه في العروق ، قلت : وسيأتي قريباً تعليله في التوراة بما يقتضي أنه أكثر فعلاً في النفس وتطبيعاً لها{[31523]} بخلق ما هو{[31524]} دمه من اللحم - والله الموفق ؛ وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير لأنه رجس ، والرجس هو{[31525]} خبائث الأخلاق{[31526]} التي هي{[31527]} عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان ، وذلك لأن{[31528]} من اعتذى جسمه بلحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان وبخلق{[31529]} من أخلاقه ، وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق من الإباء والحران والمكر والإقدام على ما يعانيه فيه الهلاك ومتابعة الفساد ، والانكباب على ما تقبل{[31530]} عليه في أدنى{[31531]} الأشياء على ما أظهرت في خلقته آياته فإنه ليس له استشراف كذوات الأعناق ، وكذلك ما يضر بهما{[31532]} وبالعقل كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها للرأس وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس ، ولذلك هي جماع الإثم ، فالمتبصر في المحرمات يأنف منها لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر وفي معيبها{[31533]} في يوم الدنيا إلى ما أخبر به من سوء عقباها في يوم الدين ، ومن شرب الخمر ومات ولم يتب منها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال ، وهي عصارة أهل النار ، ولو هدد شاربها في الدنيا من له أمر بأن يسقيه من بوله ورجيعه لوجد من الروع ما تحمله على الورع عنها ، وإذا استبصر ذو دراية فيما يضره في ذاته فأنف منه رعاية نفسه لحق له بذلك التزام رعايتها عما يتطرق له منه درك من جهة غيره فيتورع من{[31534]} أكل أموال الناس بالباطل لما يدري من المؤاخذة عليها في العاجل وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل ، ولها في ذاته مضرة في الوقت{[31535]} بتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً{[31536]} }[ النساء : 10 ] وإن لم يحس بها ، وليس تأويله الوعد بالنار لأن ذلك إنباء عند قوله تعالى{ وسيصلون سعيراً }[ النساء : 10 ] ، وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه وخاف مما يتطرق إليه ضره من غيره ، أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله ، وذلك فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه وعدم التفاوت في أمر رحمانيته في محرم الربا ، ولما فيه أيضاً من مضرة وقته الحاضر التي يقيدها{[31537]} بالإيمان من تعريف ربه ، فإنه تعالى كما{[31538]} عرف أن أكل مال الغير بالباطل نار في البطن ، عرف أن أكل مال الربا جنون في العقل وخبال في النفس { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس{[31539]} }[ البقرة : 275 ] وأعظم{[31540]} من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق روحه ، لأنه مأخوذ عن غير الله ، وما أخذ عن غير الله كان أكله فسقاً وكفراً{[31541]} لأنه تناول الروح من يد من لا يملكها ، ولذلك فرضت التسمية في التذكية ونفلت فيما سوى ذلك ، فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب فيه وروعة النفس منه وورع اليد عنه ، وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه ويضيعون حدوده ، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم " كثر هؤلاء من القراء ، لا كثّرهم الله ! " ومن لم تصح له قراءة هذا الحرف لم تصح له قراءة حرف سواه ولا تصح له عبادة ، وهو الذي لا تزيده صلاته{[31542]} من الله إلا بعدا ، ولا يقبل منه دعاؤه " الرجل يطلب الله مطعمه{[31543]} حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ، يقول : يا رب ! يا رب ! فأنى يستجاب لذلك ! " فهذه{[31544]} قراءة هذا الحرف وشرطه - والله ولي التوفيق .