الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ} (9)

قوله تعالى : " ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا " أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة ؛ لأن كله جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه ، فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته ، ولما أنسوا به ، ولداخلهم من الرعب من كلامه والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه ، ويمنعهم عن سؤاله ، فلا تعم المصلحة ، ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا : لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم . وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا إبراهيم ولوطا في صورة الآدميين ، وأتى جبريل النبي عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي . أي لو أنزل ملك لرأوه في صورة رجل{[6255]} كما جرت عادة الأنبياء ، ولو نزل على عادته لم يروه ، فإذا جعلناه رجلا التبس عليهم فكانوا يقولون : هذا ساحر مثلك . وقال الزجاج : المعنى " وللبسنا عليهم " أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم ، وكانوا يقولون لهم إنما محمد بشروا وليس بينه وبينكم فروق فيلبسون عليهم بهذا{[6256]} ويشككونهم ، فأعلمهم الله عز وجل أنه لو أنزل في ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون . واللبس الخلط ، يقال : لبست عليه الأمر ألبسه لبسا أي خلطته ، وأصله التستر بالثوب ونحوه وقال : " لبسنا " بالإضافة إلى نفسه على جهة الخلق ، وقال " ما يلبسون " فأضاف إليهم على جهة الاكتساب .


[6255]:في ع و ك: بشر.
[6256]:في ع: يلبسون عليهم مثل هذا.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ} (9)

وهو معنى { ولو جعلناه } أي مطلوبَهم { ملكاً } أي يمكن في مجاري العادات في هذه الدار رؤيتهم{[28645]} له وبقاؤهم بعد رؤيته { لجعلناه رجلاً } أي في صورة رجل ، ولكنه عبر بذلك إشارة إلى تمام اللبس حتى أنه{[28646]} لا يشك أحد يراه في كونه رجلاً ، كما كان جبريل عليه السلام ينزل في بعض الأوقات على النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي ، فإذا رآه بعض الصحابة رضي الله عنهم لم يشك أنه دحية رضي الله عنه { و } لو جعلناه رجلاً { للبسنا عليهم ما يلبسون } أي لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلاً ما يخلطونه{[28647]} على أنفسهم وعلى غيرهم في قولهم : إن الرسالة لا تصح من البشر ، فلو كان هذا الذي يقول : إنه رسول{[28648]} رسولاً لكان ملكاً ، فوقع اللبس عليهم بأنه لما كان هذا{[28649]} الذي{[28650]} يقول : إنه رسول ، ملكاً كان رجلاً ، ويجوز أن يقرر ذلك على وجه آخر ، وهو أن يكون { ولو نزلنا } في حيز { كانوا عنها معرضين } ، أي أعرضوا عنها لو نزلناها عليك في غير قرطاس ، ولو نزلنا عليك من السماء كتاباً في قرطاس فجعلنا{[28651]} لهم في ذلك بين حس{[28652]} البصر واللمس لأعرضوا ، وقال الذين أبَّدْنا كفرَهم عناداً ومكابرة : ما هذا إلاّ سحر ظاهر ، ويكون { وقالوا } معطوفاً على { لقال الذين كفروا } ويكون ذلك قبل اقتراحهم لذلك بما حكاه الله تعالى عنهم في سورة الإسراء بقوله وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً{[28653]} }[ الإسراء : 90 ] - إلى آخرها ، فيكون إخباراً بمغيب .


[28645]:في ظ: رويته.
[28646]:زيد من ظ.
[28647]:في ظ: ما يخطونه.
[28648]:زيد من ظ.
[28649]:زيد من ظ.
[28650]:زيد بعده في الأصل: يقول رسولهم الذي، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[28651]:في ظ: لجعلنا.
[28652]:في ظ: حيز- كذا.
[28653]:آية 90.