الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (31)

قوله تعالى : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم " الأحبار جمع حبر ، وهو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن البيان عنه . ومنه ثوب محبر أي جمع الزينة . وقد قيل في واحد الأحبار : حبر بكسر الحاء ، والدليل على ذلك أنهم قالوا : مداد{[7944]} حبر يريدون مداد عالم ، ثم كثر الاستعمال حتى قالوا للمداد حبر . قال الفراء : الكسر والفتح لغتان . وقال ابن السكيت : الحبر بالكسر المداد ، والحبر بالفتح العالم . والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة ، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يخلص له النية دون الناس ، ويجعل زمانه له وعمله معه وأنسه به .

قوله تعالى : " أربابا من دون الله " قال أهل المعاني : جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كل شيء ومنه قوله تعالى : " قال انفخوا حتى إذا جعله نارا{[7945]} " [ الكهف : 96 ] أي كالنار . قال عبدالله بن المبارك :

وهل أفسد الدين إلا الملوك*** وأحبار سوء ورهبانها

روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري قال : سئل حذيفة عن قول الله عز وجل : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " هل عبدوهم ؟ فقال لا ، ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلوه ، وحرموا عليهم الحلال فحرموه . وروى الترمذي عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب . فقال : ( ما هذا يا عدي اطرح عنك هذا الوثن ) وسمعته يقرأ في سورة [ براءه " " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم " ثم قال : ( أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه ) . قال : هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث عبدالسلام بن حرب . وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث .

قوله تعالى : " والمسيح ابن مريم " مضى الكلام في اشتقاقه في " آل عمران{[7946]} " والمسيح : العرق يسيل من الجبين . ولقد أحسن بعض المتأخرين فقال :

افرح فسوف تألف الأحزانا*** إذا شهدت الحشر والميزانا

وسالَ من جبينك المسيح *** كأنه جداول تسيحُ

ومضى في " النساء{[7947]} " معنى إضافته إلى مريم أمه .


[7944]:من ج و ك و هـ و ى.
[7945]:راجع ج 11 ص 55 فما بعد.
[7946]:راجع ج 4 ص 88.
[7947]:راجع ج 6 ص 21.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (31)

ثم زادهم جرأة عليهم بالإشارة إلى ضعف مستندهم{[36078]} حيث كان مخلوقاً مثلهم بقوله : { اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم العدول عن الله القادر على كل شيء وأخذوا { أحبارهم } أي من علماء اليهود ، والحبر في الأصل العالم من أيّ طائفة كان { ورهبانهم } أي{[36079]} من زهاد النصارى ، والراهب في الأصل من تمكنت الرهبة في قلبه فظهرت آثارها على وجهه ولباسه ، فاختص في العرف بعلماء النصارى أصحاب الصوامع { أرباباً } أي آلهة لكونهم يفعلون ما يختص به الرب من تحريم ما حرموا وتحليل ما حللوا{[36080]} ؛ وأشار إلى سفول أمرهم بقوله : { من دون الله } أي الحائز لجميع صفات الجلال ، فكانوا يعولون عليهم ويسندون أمرهم إليهم حتى أن كانوا ليتبعونهم {[36081]}في الحلال والحرام{[36082]} و { المسيح } أي المبارك الذي هو أهل لأن المسيح بدهن القدس وأن يمسح غيره { ابن مريم } أي اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابناً فأهلوه{[36083]} للعبادة بذلك{[36084]} مع كونه ابن امرأة ، فهو لا يصلح للإلهية بوجه لمشاركته للآدميين في الحمل والولادة{[36085]} والتربية والأكل والشرب وغير ذلك من أحوال البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية ، ومع تصريحه لهم بأنه{[36086]} عبد الله ورسوله ، فتطابق العقل والنقل على أنه ليس بإله .

ولما قبح عليهم ما اختاروه لأنفسهم ، قبحه عليهم من جهة مخالفته لأمره تعالى فقال : { وما } أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما { أمروا } أي من كل من له الأمر من أدلة العقل والنقل { إلا ليعبدوا } أي ليطيعوا على وجه التعبد { إلهاً واحداً } أي لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا بالمماثلة ، وذلك معنى وصفه بأنه { لا إله إلا هو } أي لا يصلح{[36087]} أن يكون معه إله آخر ، فلما تعين ذلك في الله وكانت{[36088]} رتبته زائدة البعد عما أشركوا به ، نزهه بقوله : { سبحانه } أي بعدت رتبته وعلت { عما يشركون* } في كونه معبوداً أو مشرعاً ؛ ذكر أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في تفسيره وغيره عن عدي ابن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : اقطعه ، فقطعته ثم أتيته وهو يقرأ سورة براءة { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } قلت : يا رسول ! إنا لم نكن نعبدهم ! قال : أجل . أليس كانوا يحلون لكم ما حرم الله فتستحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه ؟ قلت : بلى ، قال : تلك عبادتهم{[36089]} .


[36078]:في ظ: مسندهم.
[36079]:زيد من ظ.
[36080]:من ظ، وفي الأصل: أحلوا.
[36081]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36082]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36083]:في ظ: فأهللوه.
[36084]:سقط من ظ.
[36085]:في ظ: الولاية.
[36086]:في ظ: بأن.
[36087]:في ظ: لا يصح.
[36088]:في ظ: كان.
[36089]:وقد أورده الطبري في جامعه حول تفسير هذه الآية.