الأولى - قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس " ابتداء وخبر . واختلف العلماء في معنى وصف المشرك بالنجس ، فقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما : لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل . وقال ابن عباس وغيره : بل معنى الشرك هو الذي نجسه . قال الحسن البصري من صافح مشركا فليتوضأ . والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم إلا ابن عبدالحكم فإنه قال : ليس بواجب ، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله . وبوجوب الغسل عليه قال أبو ثور وأحمد . وأسقطه الشافعي وقال : أحب إلي أن يغتسل . ونحوه لابن القاسم . ولمالك قول : إنه لا يعرف الغسل ، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس . وحديث ثمامة وقيس بن عاصم يرد هذه الأقوال . رواهما أبو حاتم البستي في صحيح مسنده . وأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بثمامة يوما فأسلم فبعث به إلى حائط{[7906]} أبي طلحة فأمره أن يغتسل ، فاغتسل وصلى ركعتين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد حسن إسلام صاحبكم ) وأخرجه مسلم بمعناه . وفيه : أن ثمامة لما من عليه النبي صلى الله عليه وسلم انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل . وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر . فإن كان إسلامه قبيل احتلامه فغسله مستحب . ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة . هذا قول علمائنا ، وهو تحصيل المذهب . وقد أجاز ابن القاسم للكافر أن يغتسل قبل إظهاره للشهادة بلسانه إذا اعتقد الإسلام بقلبه ، وهو قول ضعيف في النظر مخالف للأثر . وذلك أن أحدا لا يكون بالنية مسلما دون القول . هذا قول جماعة أهل السنة في الإيمان : إنه قول باللسان وتصديق بالقلب ، ويزكو بالعمل . قال الله تعالى : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح{[7907]} يرفعه " [ فاطر : 10 ] .
الثانية - قوله تعالى : " فلا يقربوا المسجد الحرام " " فلا يقربوا " نهي ، ولذلك حذفت منه النون . " المسجد الحرام " هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم ، وهو مذهب عطاء فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع . فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول . ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات نبش قبره وأخرجت عظامه . فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز . وأما جزيرة العرب ، وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها{[7908]} ، فقال مالك : يخرج من هذه المواضع كل من كان على غير الإسلام ، ولا يمنعون من التردد بها مسافرين . وكذلك قال الشافعي رحمه الله ، غير أنه استثنى من ذلك اليمن . ويضرب لهم أجل ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر رضي الله عنه حين أجلاهم ، ولا يدفنون فيها ويلجؤون إلى الحل .
الثالثة - واختلف العلماء في دخول الكفار المساجد والمسجد الحرام على خمسة أقوال ، فقال أهل المدينة الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد . وبذلك كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية . ويؤيد ذلك قوله تعالى : " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه{[7909]} " [ النور : 36 ] . ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها . وفي صحيح مسلم وغيره : ( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر . . . ) الحديث . والكافر لا يخلو عن ذلك . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب ) والكافر جنب وقوله تعالى : " إنما المشركون نجس " فسماه الله تعالى نجسا . فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدا من طريق الحكم . وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب ؛ لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم ، والحرمة موجودة في المسجد . يقال : رجل نجس ، وامرأة نجس ، ورجلان نجس ، وامرأتان نجس ، ورجال نجس ، ونساء نجس ، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر . فأما النجس - بكسر النون وجزم الجيم - فلا يقال إلا إذا قيل معه رجس . فإذا أفرد قيل نجس - بفتح النون وكسر الجيم - ونجس - بضم الجيم - . وقال الشافعي رحمه الله : الآية عامة في سائر المشركين ، خاصة في المسجد الحرام ، ولا يمنعون من دخول غيره ، فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر المساجد . قال ابن العربي : وهذا جمود منه على الظاهر ؛ لأن قوله عز وجل : " إنما المشركون نجس " تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة . فإن قيل : فقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة في المسجد وهو مشرك . قيل له : أجاب علماؤنا عن هذا الحديث - وإن كان صحيحا - بأجوبة : أحدها : أنه كان متقدما على نزول الآية . الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه . الثالث : أن ذلك قضية في عين فلا ينبغي أن تدفع بها الأدلة التي ذكرناها ، لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية . وقد يمكن أن يقال : إنما ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها ، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد ، فيستأنس بذلك ويسلم ، وكذلك كان . ويمكن أن يقال : إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد ، والله أعلم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره ، ولا يمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان . وهذا قول يرده كل ما ذكرناه من الآية وغيرها . قال الكيا الطبري : ويجوز للذمي دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة . وقال الشافعي : تعتبر الحاجة ، ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام . وقال عطاء بن أبي رباح : الحرم كله قبلة ومسجد ، فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم ، لقوله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام{[7910]} " [ الإسراء : 1 ] . وإنما رفع من بيت أم هانئ . وقال قتادة : لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبدا كافرا لمسلم . وروى إسماعيل بن إسحاق حدثنا يحيى بن عبدالحميد قال حدثنا شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقرب المسجد مشرك إلا أن يكون عبدا أو أمة فيدخله لحاجة ) . وبهذا قال جابر بن عبدالله فإنه قال : العموم يمنع المشرك عن قربان المسجد الحرام ، وهو مخصوص في العبد والأمة .
الرابعة - قوله تعالى : " بعد عامهم هذا " فيه قولان : أحدهما : أنه سنة تسع التي حج فيها أبو بكر . الثاني : سنة عشر قاله قتادة . ابن العربي : وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ وإن من العجب أن يقال : إنه سنة تسع وهو العام الذي وقع فيه الأذان . ولو دخل غلام رجل داره يوما فقال له مولاه : لا تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه .
الخامسة - قوله تعالى : " وإن خفتم عيلة " قال عمرو بن فائد : المعنى وإذ خفتم . وهذه عجمة ، والمعنى بارع ب " إن " . وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات ، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر وقالوا : من أين نعيش . فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله . قال الضحاك : ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذمة بقوله عز وجل : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " [ التوبة : 29 ] الآية . وقال عكرمة : أغناهم الله بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض فأخصبت تبالة{[7911]} وجرش وحملوا إلى مكة الطعام والودك{[7912]} وكثر الخير وأسلمت العرب : أهل نجد وصنعاء وغيرهم فتمادى حجهم وتجرهم وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأمم . والعيلة : الفقر . يقال : عال الرجل يعيل إذا افتقر . قال الشاعر{[7913]} :
وما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغني متى يَعِيلُ
وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود " عائلة " وهو مصدر كالقائلة من قال يقيل . وكالعافية . ويحتمل أن يكون نعتا لمحذوف تقديره : حالا عائلة ، ومعناه خصلة شاقة . يقال منه : عالني الأمر يعولني : أي شق علي واشتد . وحكى الطبري أنه يقال : عال يعول إذا افتقر .
السادسة - في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز وليس ذلك بمناف للتوكل وإن كان الرزق مقدرا وأمر الله وقسمه مفعولا ولكنه علقه بالأسباب حكمة ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب . وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل قال صلى الله عليه وسلم : ( لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا{[7914]} ) . أخرجه البخاري . فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق . ابن العربي : ولكن شيوخ الصوفية قالوا : إنما يغدو ويروح في الطاعات فهو السبب{[7915]} الذي يجلب الرزق . قالوا : والدليل عليه أمران : أحدهما : قوله تعالى : " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك{[7916]} " [ طه : 132 ] الثاني : قوله تعالى : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح برفعه{[7917]} " [ فاطر : 10 ] فليس ينزل الرزق من محله ، وهو السماء ، إلا ما يصعد وهو الذكر الطيب والعمل الصالح وليس بالسعي في الأرض فإنه ليس فيها رزق . والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر وهو العمل بالأسباب الدنيوية من الحرث والتجارة في الأسواق والعمارة للأموال وغرس الثمار . وقد كانت الصحابة تفعل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم . قال أبو الحسن بن بطال : أمر الله سبحانه عباده بالإنفاق من طيبات ما كسبوا إلى غير ذلك من الآي . وقال : " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه{[7918]} " [ البقرة : 173 ] . فأحل للمضطر ما كان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمره باكتسابه والاغتذاء به ، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء ، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذى به لكان لنفسه قاتلا . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوى من الجوع ما يجد ما يأكله ، ولم ينزل عليه طعام من السماء ، وكان يدخر لأهله قوت سنته حتى فتح الله عليه الفتوح . وقد روى أنس بن مالك أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببعير فقال : يا رسول الله ، أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل ؟ قال : ( اعقله وتوكل ) . قلت : ولا حجة لهم في أهل الصفة ، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون ، ليس لهم كسب ولا مال ، إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان ، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسرقون الماء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرؤون القرآن بالليل ويصلون . هكذا وصفهم البخاري وغيره . فكانوا يتسببون . وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءته هدية أكلها معهم ، وإن كانت صدقة خصهم بها ، فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمروا - كأبي هريرة وغيره - وما قعدوا . ثم قيل : الأسباب التي يطلب بها الرزق ستة أنواع :
أعلاها : كسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : ( جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ) . خرجه الترمذي وصححه . فجعل الله رزق نبيه صلى الله عليه وسلم في كسبه لفضله ، وخصه بأفضل أنواع الكسب ، وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه . الثاني : أكل الرجل من عمل يده ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) خرجه البخاري . وفي التنزيل " وعلمناه صنعة لبوس لكم{[7919]} " [ الأنبياء : 80 ] ، وروي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه .
الثالث : التجارة ، وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم ، وخاصة المهاجرين ، وقد دل عليها التنزيل في غير موضع .
الرابع : الحرث والغرس . وقد بيناه في سورة " البقرة{[7920]} " .
الخامس : إقراء القرآن وتعليمه والرقية ، وقد مضى في الفاتحة{[7921]} السادس : يأخذ بنية الأداء إذا احتاج ، قال صلى الله عليه وسلم : ( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ) . خرجه البخاري . رواه أبو هريرة رضي الله عنه .
السابعة - قوله تعالى : " إن شاء " دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد ، وإنما هو من فضل الله تولى قسمته بين عباده وذلك بين في قوله تعالى : " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " {[7922]} [ الزخرف : 32 ] الآية .
ولما تقدم{[35979]} في{[35980]} الأوامر والنواهي وبيان الحكم{[35981]} المرغبة والمرهبة ما لم يبق لمن عنده أدنى تمسك بالدين شيئاً من الالتفات إلى المفسدين ، بين أن العلة في مدافعتهم{[35982]} وشديد مقاطعتهم أنهم نجس وأن{[35983]} المواضع - التي ظهرت فيها أنوار{[35984]} عظمته وجلالته وأشرقت عليها شموس نبوته ورسالته ، ولمعت{[35985]} فيها بروق{[35986]} كبره وجالت صوارم نهيه وأمره - مواضع القدس ومواطن الأنس ، من دنا إليها من غير أهلها احترق بنارها ، وبهرت بصره أشعة أنوارها ، فقال مستخلصاً مما تقدم ومستنتجاً : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بألسنتهم بالإيمان وهم ممن{[35987]} يستقبح الكذب { إنما المشركون{[35988]} } أي العريقون في الشرك بدليل استمرارهم عليه .
ولما كانوا متصفين به ، وكانوا لا يغتسلون - ولا{[35989]} يغسلون - ثيابهم من النجاسة ، بولغ في وصفهم بها بأن جعلوا عينها فقال : { نجس } أي وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس عن النجس حساً ومعنى ، فيجب أن يقذروا وأن يبعدوا ويحذروا كما يفعل بالشيء النجس لما اشتملوا عليه من خلال الشر واتصفوا به من خصال السوء ، وأما أبدانهم فاتفق الفقهاء على طهارتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم ولم ينه عن مؤاكلتهم ولا أمر بالغسل منها{[35990]} ولو كانت نجسة ما طهرها الإسلام . ولما تسبب عن ذلك إبعادهم ، قال : { فلا يقربوا } أي المشركون ، وهذا نهي للمسلمين عن تمكينهم من ذلك ، عبر عنه بنهيهم مبالغة فيه { المسجد الحرام } أي الذي أخرجوكم منه وأنتم أطهر الناس ، واستغرق الزمان فأسقط الجار ونبههم على حسن الزمان و{[35991]} اتساع الخير فيه بالتعبير بالعام فقال : { بعد عامهم } وحقق الأمر وأزال اللبس بقوله : { هذا } وهو آخر سنة تسع سنة الوفود مرجعه صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك ، فعبر بقربانه لا بإتيانه بعد التقديم إليهم بأن لا يقبل من مشرك إلا الإسلام أو القتل إشارة إلى إخراج المشركين من جزيرة العرب وانها لا يجتمع بها دينان لأنها كلها محل النبوة العربية وموطن الأسرار الإلهية ، فمن كان فيها - ولو في أقصاها - فقد قارب جميع ما فيها ، وتكون حينئذ بالنسبة إلى الحرم كأفنية الدور ورحاب المساجد ؛ وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل{[35992]} أبا بكر رضي الله عنه أميراً على الحج بعد رجوعه من تبوك ثم أردفه بعلي رضي الله عنه فأمره أن يؤذن ببراءة ، قال أبو هريرة : فأذن معنا عليّ يوم النحر في{[35993]} أهل منى ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان{[35994]} . وهذه سنة قديمة فقد أمر الله تعالى بني إسرائيل في غير موضع من التوراة بأن لا يبقوا{[35995]} في جميع بلاد بيت المقدس أحداً من المشركين بخلاف غيرها من البلاد التي يفتحها الله عليهم ، منها ما قال المترجم في أواخر{[35996]} السفر الخامس{[35997]} : وإذا تقدمتم إلى قرية أو مدينة لتقاتلوا أهلها ادعوهم إلى الصلح ، فإن قبلوه وفتحوا لكم من كان فيها من الرجال يكونوا عبيداً لكم يؤدوا إليكم الخراج ، وإن لم يقبلوا الصلح وحاربوكم فحاربوهم وضيقوا عليهم فإن الله ربكم يدفعها إليكم وتظفرون بمن فيها ، فإذا ظفرتم بمن فيها فاقتلوا الذكور كلهم بالسيف ، كذلك اصنعوا بجميع القرى البعيدة النائية التي ليست من قرى هذه الشعوب فأما قرى هذه الشعوب التي يعطيكم الله ميراثاً فلا تبقوا{[35998]} من أهلها أحدا ولكن اقتلوهم قتلاً كالذي أمركم الله ربكم لئلا يعلموكم النجاسة التي يعلمونها{[35999]} لآلهتهم ، ومثل ذلك كثير فيها ، وقد مضى بعده فيما ذكرته عن التوراة .
والله الموفق ، وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام : أحدها الحرم ، فلا يجوز للكافر{[36000]} أن يدخله بحال لظاهر هذه الآية ، الثاني الحجاز وما في حكمه وهو جزيرة العرب ، فيدخله الكافر بالإذن ولا يقيم أكثر من مقام السفر ثلاثة أيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وهي من أقصى عدن أبين{[36001]} ، وهي في الجنوب إلى أطراف الشام وهي في الشمال طولاً ، ومن جدة وهي أقصى الجزيرة غرباً على شاطئ بحر الهند إلى ريف العراق وهو في المشرق عرضاً{[36002]} ، والثالث سائر بلاد الإسلام يجوز للكافر الإقامة فيها بذمة وأمان ما شاء ، ولكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم . ذكر ذلك البغوي{[36003]} ، قال ابن الفرات في تاريخه عند غزو بخت نصر لبني إسرائيل ولأرض العرب : إنما سميت بلاد العرب جزيرة لإحاطة البحار والأنهار{[36004]} بها ، فصارت مثل الجزيرة من جزائر البحر ، وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم وظهر من ناحية قنسرين ثم انحط على الجزيرة وسواد العراق حتى وقع في البحر من ناحية البصرة والأبلة{[36005]} وامتد البحر من ذلك الموضع مطيفاً ببلاد العرب ، فأتى منه عنق على كاظمة وتعدى إلى القطيف وهجر وعمان والشجر{[36006]} ، ومال منه عنق{[36007]} إلى حضرموت وناحية أبهر{[36008]} وعدن ، واستطال ذلك العنق فطعن في تهامة{[36009]} اليمن ومضى إلى ساحل جدة ، وأقبل النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد السودان مستطيلاً معارضاً للبحر معه حتى وقع في بحر مصر {[36010]}والشام ، ثم أقبل ذلك البحر من مصر{[36011]} حتى بلغ بلاد فلسطين فمر{[36012]} بعسقلان وسواحلها ، وأتى على بيروت ونفذ إلى سواحل حمص وقنسرين حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات منحطاًعلى أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق ، وأقبل جبل{[36013]} السراة من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف الشام فسمته العرب حجازاً لأنه حجز بين الغور ونجد فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه الغور وهو تهامة ، وما دونه في شرقيه نجداً{[36014]} .
ولما كان ما والاها من أرض الشام ونحوها كله أنهار أو جداول{[36015]} ، جعل كأنه بحر لأنه في حكم شاطئه{[36016]} ، ولما كان قوامهم بالمتاجر ، وكان قوام المتاجر باجتماعهم في أسواقهم ، وكان نفيهم من تلك الأراضي مظنة لخوف انقطاع المتاجر وانعدام الأرباح المفضي إلى الحاجة وكان قد أمر بنفيهم رعاية لأمر الدين ، وكان سبحانه عالماً بأن ذلك يشق على النفوس لما ذكر من العلة ولا سيما وقد قال بعضهم لما قرأ علي رضي الله عنه آيات البراءة على أهل الموسم : يا أهل مكة ! ستعلمون ما تلقونه من الشدة بانقطاع السبيل وبُعد الحمولات{[36017]} ، وعد سبحانه - وهو الواسع العليم - بما يغني عن ذلك ، لأن من ترك الدنيا لأجل الدين أوصله سبحانه إلى مطلوبه من الدنيا مع ما{[36018]} سعد به من أمر الدين{[36019]} " من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه " فقال : { وإن خفتم } أي بسبب منعهم من قربان المواطن الإلهية { عيلة } أي فقراً وحاجة { فسوف يغنيكم الله } أي هو ذو الجلال والإكرام { من فضله } وهو ذو الفضل والطول والقوة والحول .
ولما كان سبحانه الملك الغني القادر القوي الذي لا يجب لأحد عليه شيء وتجب طاعته على كل شيء ، نبه على ذلك بقوله : { إن شاء } ولما كان ذلك عندهم مستبعداً ، علل تقريباً له بقوله{[36020]} : { إن الله } {[36021]}أي الذي له الإحاطة الكاملة{[36022]} { عليم } أي{[36023]} بوجوه المصالح { حكيم* } أي في تدبير استجلابها وتقدير إدرارها ولقد صدق سبحانه ومن أصدق منه قيلاً فإنه أغناهم - بالمغانم التي انتثلها بأيديهم بعد نحو{[36024]} ثلاث سنين من إنزالها من كنوز كسرى وقيصر - غنى لم يطرق أوهامهم قط ، ثم جعل ذلك سبباً لاختلاط بعض الطوائف من جميع الناس ببعض لصيرورتهم إخواناً في الدين الذي كان سبباً لأن يجتمع في سوق منى وغيره في أيام الحج كل عام من المتاجر مع العرب والعجم{[36025]} ما لا يكون مثله في بقعة من الأرض ، والعيلة : الفاقة والافتقار ، ومادتها بهذا الترتيب تدور على الحاجة وانسداد وجوه الحيلة وقد تقدم أول النساء أنها - لا بقيد ترتيب - تدور تقاليبها الثمانية على الارتفاع ويلزمه الزيادة والميل ، ومنه تأتي الحاجة ، وبرهن على ذلك في جميع الجزئيات .