الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{وَلَا يُؤۡذَنُ لَهُمۡ فَيَعۡتَذِرُونَ} (36)

" ولا يؤذن لهم فيعتذرون " أي إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت ، فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها ، ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل . وعن عكرمة عن ابن عباس قال : سأل ابن الأزرق عن قوله تعالى : " هذا يوم لا ينطقون " و " فلا تسمع إلا همسا " [ طه : 108 ] وقد قال تعالى : " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " [ الصافات : 27 ] فقال له : إن الله عز وجل يقول : " وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون " [ الحج : 47 ] فإن لكل مقدار من هذه الأيام لونا من هذه الألوان . وقيل : لا ينطقون بحجة نافعة ، ومن نطق بما لا ينفع ولا يفيد فكأنه ما نطق . قال الحسن : لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون . وقيل : إن هذا وقت جوابهم " اخسؤوا فيها ولا تكلمون " [ المؤمنون : 108 ] وقد تقدم{[15729]} . وقال أبو عثمان : أسكتتهم رؤية الهيبة وحياء الذنوب . وقال الجنيد : أي عذر لمن أعرض عن منعمه وجحده وكفر أياديه ونعمه ؟ و " يوم " بالرفع قراءة العامة على الابتداء والخبر ، أي تقول الملائكة : " هذا يوم لا ينطقون " ويجوز أن يكون قوله : " انطلقوا " [ المرسلات : 29 ] من قول الملائكة ، ثم يقول الله لأوليائه : هذا يوم لا ينطق الكفار . ومعنى اليوم الساعة والوقت . وروى يحيى بن سلطان . عن أبي بكر عن عاصم " هذا يوم لا ينطقون " بالنصب ، ورويت عن ابن هرمز وغيره ، فجاز أن يكون مبنيا لإضافته إلى الفعل وموضعه رفع . وهذا مذهب الكوفيين . وجاز أن يكون في موضع نصب على أن تكون الإشارة إلى غير اليوم . وهذا مذهب البصريين ؛ لأنه إنما بني عندهم إذا أضيف إلى مبني ، والفعل ها هنا معرب . وقال الفراء في قوله تعالى : " ولا يؤذن لهم فيعتذرون " الفاء نسق أي عطف على " يؤذن " وأجيز ذلك ؛ لأن أواخر الكلام بالنون . ولو قال : فيعتذروا لم يوافق الآيات . وقد قال : " لا يقضى عليهم فيموتوا " [ فاطر : 36 ] بالنصب وكله صواب ، ومثله : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه " [ البقرة : 245 ] بالنصب والرفع .


[15729]:راجع جـ 12 ص 153.