الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ} (63)

قوله تعالى : " ألم يعلموا " يعني المنافقين . وقرأ ابن هرمز والحسن " تعلموا " بالتاء على الخطاب . " أنه " في موضع نصب ب " يعلموا " ، والهاء كناية عن الحديث . " من يحادد الله " في موضع رفع بالابتداء . والمحادة : وقوع هذا في حد وذاك في حد ، كالمشاقة . يقال : حاد فلان فلانا أي صار في حد غير حده . " فأن له نار جهنم " يقال : ما بعد الفاء في الشرط مبتدأ ، فكان يجب أن يكون " فإن " بكسر الهمزة . وقد أجاز الخليل وسيبويه " فإن له نار جهنم " بالكسر . قال سيبويه : وهو جيد وأنشد :

وعلمي بأسْدَامِ المياه فلم تزل*** قلائصُ تَخْدِي في طريقٍ طلائحُ

وأني إذا ملت ركابي مناخَها*** فإني على حظِّي من الأمر جامحُ{[8130]}

إلا أن قراءة العامة " فأن " بفتح الهمزة . فقال الخليل أيضا وسيبويه : إن " أن " الثانية مبدلة من الأولى . وزعم المبرد أن هذا القول مردود ، وأن الصحيح ما قاله الجرمي ، قال : إن الثانية مكررة للتوكيد لما طال الكلام ، ونظيره " وهم في الآخرة هم الأخسرون{[8131]} " [ النمل : 5 ] . وكذا " فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها{[8132]} " [ الحشر : 17 ] . وقال الأخفش : المعنى فوجوب النار له . وأنكره المبرد وقال : هذا خطأ من أجل إن " أن " المفتوحة المشددة لا يبتدأ بها ويضمر الخبر . وقال علي بن سليمان : المعنى فالواجب أن له نار جهنم ، فإن الثانية خبر ابتداء محذوف . وقيل : التقدير فله أن له نار جهنم . فإن مرفوعة بالاستقرار عاف إضمار المجرور بين الفاء وأن .


[8130]:البيتان لابن مقبل: والشاهد فيهما كسر "إن" الثانية. والأسدام: المياه المتغيرة لقلة الوارد، واحدها سدم. وتخدي: تسرع والطلائح: المعيبة لطول السفر. ومعنى "ملت ركابي مناخها" توالى سفرها وإناخها فيه وارتحالها. والجامح : الماضي على وجهه. أي لا يكسرني طول السفر ولكني أمضي قدما لما أرجوه من الحظ في أمري. (عن شرح الشواهد) .
[8131]:راجع ج 13 ص 154 فما بعد.
[8132]:راجع ج 18 ص 37.