لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (43)

قيل أراه إياهم في نومه صلى الله عليه وسلم - بوصف القِلَّة ، وأخبر أصحابه بذلك فازدادوا جسارة عليهم .

وقيل أراه في منامه أي في محل نومه أي في عينيه ، فمعناه قلَّلَهم في عينيه ؛ لأنهم لو استكثروهم لفشلوا في قتالهم ، ولانكسرت بذلك قلوبُ المسلمين .

وفي الجملة أراد اللهُ جريانَ ما حصل بينهم من القتال يومَ بدر ، وإنَّ اللهَ إذا أراد أمراً هَيَّأ أسبابَه ؛ فقلَّلَ الكفارَ في أعين المسلمين فزادوا جسارةً ، وقلَّلَ المسلمين في أعين الكفار فازدادوا - عند نشاطهم إلى القتال - صغراً في حكم الله وخسارةً .

{ واللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }[ آل عمران : 154 ] : وكيف لا ؟ ومنه تصدُرُ المقاديرُ ، وإليه تُرْجَع الأمور .

ويقال إذا أراد الله نصرة عبدٍ فلو كَادَ له جميعُ البشر ، وأراده الكافةُ بكل ضَرَرٍ ، لا ينفع مَنْ شاءَ مَضَرَّتَه كَدٌّ ، ويحصل بينه وبين متاح لطفه به سَدٌّ .

وإذا أراد بعبدٍ سوءاً فليس له رَدٌّ ، ولا ينفعه كَدٌّ ، ولا ينعشه بعد ما سقط في حكمه جَهْدٌ .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (43)

قوله تعالى : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور } { وإذ } في موضع نصب بفعل مقدر ، وتقديره : واذكر إذ يريكم الله{[1668]} والمخاطب هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد تظاهرت الروايات أنها رؤيا منام . فقد روي الرسول صلى الله عليه وسلم فيها الكفار قليلا فأخبر بها أصحابه فاشتد أزرهم{[1669]} ، وقويت عزائمهم ، وازدادت في نفوسهم الشجاعة والاستبسال واليقين . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عقب النتباهه من المنام : ( أبشروا لقد نظرت إلى مصارع القوم ) . والمراد بالقلة في الآية : ضعف القوم واستيئاسهم وأنهم مهزومون مصروعون فتكون الغلبة للمؤمنين قوله : { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر } أي لو أراكم المشركين كثيرا لخارت عزائمكم ، وانهارت قواكم ، وأخذكم اليأس والخور ، { ولتنازعتم } أي اختلفتم . والتنازع في الأمر معناه الاختلاف الذي يحول به كل واحد نزع صاحبه عما هو عليه . والمقصود : أنه لاضطراب أمركم واختلفت كلمتكم { ولاكن الله سلم } أي سلمكم من الفشل ومن المخالفة فيما بينكم . وقيل : سلمكم من الهزيمة .

قوله : { إنه عليم بذات الصدور } أي يعلم ما تخفيه صدوركم من الجراءة والخور ، أو الصبر والجزع .


[1668]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 388.
[1669]:الأزر: القوة. انظر مختار الصحاح ص 14.