لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

{ حَقَّ جِهَادِهِ } : حق الجهاد ما وافق الأمر في القَدْرِ والوقتِ والنوع ، فإذا حَصَلَتْ في شيءٍ منه مخالفةٌ فليس حَقَّ جهاده .

ويقال المجاهدة على أقسام : مجاهدةٌ بالنَّفْسِ ، ومجاهدةٌ بالقلبِ ، ومجاهدةٌ بالمال . فالمجاهدةُ بالنفس ألا يَدَّخِرَ العبدُ ميسوراً إلا بَذَلَه في الطاعة بتحمل المشاق ، ولا يطلب الرخص والإرفاق . والمجاهدةُ بالقلب صَوْنُه عن الخواطرِ الرديئةِ مثل الغفلة ، والعزمُ على المخالفات ، وتذكرُ ما سَلَفَ أيام الفترة والبطالات . والمجاهدة بالمال بالبذل والسخاء ثم بالجود والإيثار .

ويقال حق الجهاد الأخذ بالأشق ، وتقديم الأشق على الأسهل- وإنْ كان في الأَخَفِّ أيضاً حق .

ويقال حق الجهاد ألا يَفْتُرَ العبدُ عن مجاهدةِ النَّفْس لحظةً ، قال قائلُهم :

يا رَبِّ إِنَّ جهادي غيرُ مُنْقَطِعٍ *** فكلُّ أرضٍ لي ثَغْر طرسوس

قوله جلّ ذكره : { هُوَ اجْتَبَاكُمْ } .

يحتمل أن يقول من حق اجتبائه إياكم أَنْ تُعَظمُّوا أَمْرَ مولاكم .

ويحتمل أن يقال هو الذي اجتباكم ، ولولا أنه اجتباكم لَمَا جَاهَدْتُم ، فلاجتبائه إياك وَفَّقَكَ حتى جاهدتَ .

ويقال عَلَم ما كنت تفعله قبل أَنْ خَلَقَكَ ولم يمنعه ذلك مِنْ أَنْ يَجْتَبِيَكَ ، وكذلك إِنْ رأى ما فَعَلْتَ فلا يمنعه ذلك أَنْ يتجاوزَ عنك ولا يعاقبك .

قوله جلّ ذكره : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .

الشرع مبناه على السهولة ، والذي به تصل إلى رضوانه وتستوجِب جزيلَ فضله وإحسانه ، وتتخلَّص به من أليم عقابه وامتحانه - يسيرٌ من الأمر لا يستغرق كُنْه إمكانك ؛ بمعنى أَنَّك إٍن أَرَدْتَ فِعْلَه لَقَدَرْتَ عليه ، وإنْ لم توصَفْ في الحال بأنَّك مستطيعٌ ما ليس بموجودٍ فيك .

قوله جلّ ذكره : { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } .

أي اتَّبِعوا والزَمُوا مِلَّةَ أبيكم إبراهيم عليه السلام في البَذْلِ والسخاء والجود والخلة والإحسان .

قوله جلّ ذكره : { هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } اللَّهُ هو الذي اجتباكم ، وهو الذي بالإسلام والعرفان سَمَّاكم المسلمين . وقيل إبراهيم هو الذي سماكم المسلمين بقوله : { وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } [ البقرة :128 ] قوله : { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ } ، نَصَبَ الرسولَ بالشهادة علينا ، وأمره بالشفاعة لأمته ، وإنما يشهد علينا بمقدار ما يُبْقى للشفاعة موضعاً ومحلاً .

قوله جلّ ذكره : { وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } .

وتلك الشهادة إنما نؤديها لله ، ومَنْ كانت له شهادة عند أحد - وهو كريم - فلا يجرح شاهده ، بل يسعى بما يعود إلى تزكية شهوده .

قوله جلّ ذكره : { فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } .

أقيموا الصلاةَ وآتوا الزكاةَ بحكم الإتمام ، ونعت الاستدامة ، وجميل الاستقامة .

والاعتصامُ بالله التبري من الحول والقوة والنهوض بعبادة الله بالله لله يقال الاعتصام بالله التمسكُ بالكتاب والسنة . ويقال الاعتصامُ بالله حُسْنُ الاستقامة بدوام الاستعانة .

{ هُوَ مَوْلاَكُمْ } : سيدكم وناصركم والذي لا خلف عنه .

{ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } نِعْمَ المولى : إخبارُ عن عظمته ، ونعم النصير : إخبارُ عن رحمته .

ويقال إن قال لأيوب : { نِعْمَ العَبْدُ } [ ص :44 ] ولسليمان : { نِعْمَ العَبْدُ } [ ص :30 ] فلقد قال لنا : { نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } ، ومدحه لِنفسه أعزُّ وأجلُّ من مدحه لك .

ويقال : { نِعْمَ المَوْلَى } : بَدَأَكَ بالمحبة قبل أنْ أحببتَه ، وقبل أن عَرَفْتَه أو طَلَبْتَه أو عَبَدته .

{ وَنِعْمَ النَّصِيرُ } : إذا انصرف عنكَ جمع مَنْ لَكَ فلا يدخل القبرَ معك أحدٌ كان ناصِرَك ، ولا عند السؤال أو عند الصراط .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ} (78)

شرح الكلمات :

{ حق جهاده } : أي الجهاد الحق الذي شرعه الله تعالى وأمر به وهو جهاد الكفر والشيطان والنفس والهوى .

{ اجتباكم } : أي اختاركم لحمل دعوة الله إلى الناس كافة .

{ من حرج } : أي من ضيق وتكليف لا يطاق .

{ ملة أبيكم } : أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم وهي عبادة الله وحده لا شريك له . { وفي هذا } : أي القرآن .

{ اعتصموا بالله } : أي تمسكوا بدينه وثقوا في نصرته وحسن مثوبته .

{ ونعم النصير } : أي هو تعالى نعم النصير أي الناصر لكم .

المعنى :

وقوله : { وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده } أي أمرهم أيضاً بأمر هام وهو جهاد الكفار حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ومعنى حق جهاده أي كما ينبغي الجهاد من استفراغ الجهد والطاقة كلها نفساً ومالاً ودعوة وقوله : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } هذه مِنَّة ذكَر بها تعالى المؤمنين حتى يشكروا الله بفعل ما أمرهم به أي لم يضيق عليكم فيما أمركم به بل وسع فجعل التوبة لكل ذنب ، وجعل الكفارة لبعض الذنوب ، ورخص للمسافر والمريض في قصر الصلاة والصيام ، ولمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله في التيمُم .

وقوله : { ملة أبيكم إبراهيم } أي الزموا ملة أبيكم وقوله : { هو سماكم المسلمين } أي الله جل جلاله هو الذي سماهم المسلمين في الكتب السابقة وفي القرآن وهو معنى قوله : { هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا } أي القرآن وقوله : { ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس } أي اجتباكم أيها المؤمنون لدينه الإسلامي وسماكم المسلمين ليكون الرسول شهيداً عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أرسل به إليكم وتكونوا أنتم شهداء حينئذ على الرسل أجمعين أنهم قد بلغوا أممهم ما أرسل به إليهم وعليه فاشكروا هذا الإنعام والإِكرام لله تعالى { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله } أي تمسكوا بشرعه عقيدة وعبادة وخلقاً وأدباًَ وقضاءاً وحكماً ، وقوله تعالى : { هو مولاكم } أي سيدكم ومالك أمركم { فنعم المولى } هو سبحانه وتعالى { ونعم النصير } أي الناصر لكم ما دمتم أولياءه تعيشون على الإيمان والتقوى .

الهداية

من الهداية :

- فضل الجهاد في سبيل الله وهو جهاد الكفار ، وان لا تأخذ المؤمن في الله لومة لائم .

- فضيلة هذه الأمة المسلمة حيث أعطيت ثلاثاً لم يعطها إلا نبي كان يقال للنبي عليه السلام اذهب فليس عليك حرج فقال الله لهذه الأمة : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وكان يقال للنبي عليه السلام أنت شهيد على قومك وقال الله : { لتكونوا شهداء على الناس } وكان يقال للنبي سل تعطه وقال الله لهذه الأمة : { ادعوني استجب لكم } دل على هذا قوله تعالى : { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج } .

- فرضية الصلاة ، والزكاة ، والتمسك بالشريعة .