لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ} (40)

الإشارة منه أن العبد في أَوان لطلب رقيقُ الحال ، ضعيفٌ ، مختصرُ الفَهْم . ثم يُفَكِّر حتى تزداد بصيرته . . أَنه كالقمر يصير كاملاً ، ثم يتناقَصُ ، ويدنو من الشمس قليلاً قليلاً ، وكُلَّمَا ازداد من الشمس دُنُوَّا ازداد في نفسه نقصاناً حتى يتلاشى ويختفي ولا يُرَى . . ثم يَبْعُدُ عن الشمس فلا يزال يتباعد ويتباعد حتى يعود بدراً - مَنْ الذي يُصَرِّفه في ذلك إلا أَنه تقدير العزيز العليم ؟ وشبيهُ الشمسِ عارِفٌ أبداً في ضياء معرفته ، صاحبُ تمكين غيرُ مُتَلَوِّنٍ ، يشرق من برج سعادته دائماً ، لا يأخذه كسوفٌ ، ولا يستره سحابٌ .

وشبيهُ القمر عبدٌ تتلون أحوالُه في تنقله ؛ فهو في حال من البسط يترقَّى إلى حَدِّ الوصال ، ثم يُرَدُّ إلى الفترة ، ويقع في القبض مما كان به من صفاء الحال ، فيتناقص ، ويرجع إلى نقصان أمره إلى أن يرفع قلبه عن وقته ، ثم يجود الحقُّ- سبحانه- فيُوَفِّقُه لرجوعه عن فترته ، وإفاقته عن سَكْرَتِه ، فلا يزال يصفوا حاله إلى أنْ يَقْرُبَ من الوصال ، ويرزقَ صفة الكمال ، ثم بعد ذلك يأخذ في النقص والزوال . . كذلك حاله إلى أن يُحَقَّ له بالمقسوم ارتحاله ، كما قالوا :

ما كنت أشكو ما على بَدَني *** من كثرة التلوين من بُدَّتِه

وأنشدوا :

كُلَّ يوم تتلون *** غيرُ هذا بِكَ أجمل

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ} (40)

{ لا شمس ينبغي لها أن تدرك القمر } أي لا يصح له أن تدرك القمر في مسيرته فتجتمع معه في الليل ؛ لأنه تعالى حدد لكل منهما وقتا معينا يظهر فيه سلطانه ؛ فلا يدخل أحدهما في سلطان الآخر ، بل يتعاقبان ، وإلا لاختل تكون النبات وتدبيره عيش الإنسان والحيوان . { ولا الليل سابق النهار } أي ولا آية الليل – وهي القمر – تسبق آية النهار – وهي الشمس - ، بحيث يظهر سلطانه في وقت ظهور سلطانها . { وكل في فلك يسبحون } يدورون . حكى ابن حزم وابن الجوزى وغيرهما الإجماع على أن السموات كرية مستدير ؛ استدلالا بهذه الآية . وخالف في ذلك جماعة من أهل الجدل .