{ إِنَّ رَبَّكَ } يا محمد { يَعْلَمُ أَنََّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثِي الَّليْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ } من المؤمنين .
{ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّليْلَ وَالنَّهَارَ } فهو خالقهما { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } وتطيعوه .
{ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } أي : خَفَّفَ عنكم { فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ } من خمس آيات إلى ما زاد . ويقال : من عَشْرِ آيات إلى ما يزيد .
{ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ } يسافرون ، ويعلم أصحاب الأعذار ، فَنَسخَ عنهم قيامَ الليل .
{ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ } المفروضة .
{ وَأَقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } مضى معناه .
{ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنِفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ } أي : ما تقدِّموا من طاعة تجدوها عند الله ثواباً هو خيرٌ لكم من كلِّ متاع الدنيا .
يقدّر الليل والنهار : يقدر طول الليل والنهار وقصَرهما ويعلم مقاديرهما وأجزاءهما وساعاتهما .
فتاب عليكم : فخفّفَ عنكم بأن تصلّوا ما تستطيعون وما تطيقون .
فاقرأوا ما تيسّر من القرآن : فصلّوا ما يمكنكم وما يتيسر لكم من صلاة الليل .
ثم تُختم السورةُ بهذه الآية الطويلة وفيها تخفيفٌ ورحمةٌ للمؤمنين . ويقول معظم المفسّرين إن هذه الآية نزلت بعدَ عامٍ من نزول سورة المزمل .
إن ربك يا محمد ، يعلمُ أنك تقوم أقل من ثلث الليل أحيانا ، وتقوم نصفه وثلثه في بعض الأحيان ، وأن طائفة من أصحابك كذلك تقوم من الليل كما تقوم أنت ، والله يقدّر طول الليل والنهار ، وهو يعلم أنكم لا تستطيعون إحصاء أجزاء الليل والنهار ( لأنه لم يكن عندهم ساعات يضبطون فيها الأوقات ) . فخفف الله عليكم للأعذار التي تحيط بكم من مرض أو سفر أو جهاد للعدو ، ولذلك صلّوا
ما تستطيعون من صلاة الليل ، وواظبوا على الصلاة وأداء الزكاة . وتصدقوا في سبيل الخير ، على الفقراء والمساكين والأعمال العامة .
{ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله } .
أي شيء تفعلوه من وجوهِ البرّ والخير والإحسان تلقَوا ثوابَهُ عندَ الله بأضعاف ما قدّمتموه . . . . فاستغفِروا الله من فعلِ السيّئات والتقصيرِ في الحسناتِ ، إن الله غفور رحيم دائماً وأبدا .
وقوله تعالى : { وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله } دليلٌ من دلائل النبوة ، لأن الآية مكية ، والجهادُ لم يُفرض إلا بعدَ الهجرة .
قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو : ونصفه وثلثه بالجر ، والباقون : ونصفه وثلثه بالنصب . والحمد لله أولا وآخرا .
{ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى } أقل من ، { ثلثي الليل ونصفه وثلثه } قرأ أهل مكة والكوفة : { نصفه وثلثه } بنصب " الفاء " و " الثاء " وإشباع الهاءين ضماً ، أي : وتقوم نصفه وثلثه وقرأ الآخرون بجر الفاء والثاء وإشباع الهاءين كسراً ، عطفاً على ثلثي ، { وطائفة من الذين معك } يعني المؤمنين وكانوا يقومون معه ، { والله يقدر الليل والنهار } قال عطاء : يريد لا يفوته علم ما تفعلون ، إي أنه يعلم مقادير الليل والنهار فيعلم القدر الذي تقومون من الليل ، { علم أن لن تحصوه } قال الحسن : قاموا حتى انتفخت أقدامهم ، فنزل : { علم أن لن تحصوه } لن تطيقوه . وقال مقاتل : كان الرجل يصلي الليل كله ، مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام ، فقال : { علم أن لن تحصوه } لن تطيقوا معرفة ذلك . { فتاب عليكم } فعاد عليكم بالعفو والتخفيف ، { فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } يعني في الصلاة ، قال الحسن : يعني في صلاة المغرب والعشاء . قال قيس بن حازم : صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة ، ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة ، ثم ركع ، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه فقال : إن الله عز وجل يقول : فاقرؤوا ما تيسر منه .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنبأنا أبو منصور السمعاني ، حدثنا أبو جعفر الرياني ، حدثنا حميد بن زنجويه ، حدثنا عثمان بن صالح ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني حميد بن مخراق ، عن أنس بن مالك " أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من قرأ خمسين آية في يوم أو في ليلة لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ مائتي آية لم يحاججه القرآن يوم القيامة ، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنبأنا عبد الغافر بن محمد ، أنبأنا محمد بن عيسى ، حدثنا إبراهيم بن محمد ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثني القاسم بن زكريا بن عبيد الله بن موسى ، عن شيبان ، عن يحيى ، عن محمد عبد الرحمن مولى ابن زهرة ، عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو قال : " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرأ القرآن في كل شهر ، قال قلت : إني أجد قوة ، قال : فاقرأه في كل عشرين ليلة ، قال قلت : إني أجد قوة ، قال : فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك " . قوله عز وجل : { علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله } يعني المسافرين للتجارة يطلبون من رزق الله ، { وآخرون يقاتلون في سبيل الله } لا يطيقون قيام الليل . روى إبراهيم عن ابن مسعود قال : أيما رجل جلب شيئا ماً إلى المدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ، ثم قرأ عبد الله : { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤوا ما تيسر منه } أي ما تيسر عليكم من القرآن . قال أهل التفسير كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بالصلوات الخمس ، وذلك قوله : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضاً حسناً } قال ابن عباس : يريد ما سوى الزكاة من صلة الرحم ، وقرى الضيف . { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً } تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل مما أعطيتم ، { وأعظم أجراً } من الذي أخرتم ، ولم تقدموه ، ونصب خير وأعظم على المفعول الثاني ، فإن الوجود إذا كان بمعنى الرؤية يتعدى إلى مفعولين ، وهو فصل في قول البصريين ، وعماد في قول الكوفيين ، لا محل له في الإعراب .
أخبرنا أبو القاسم يحيى بن علي الكشمهيني ، أنبأنا أبو نصر أحمد بن علي البخاري بالكوفة ، أنبأنا أبو القاسم نصر بن أحمد الفقيه بالموصل ، حدثنا أبو يعلى الموصلي ، حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سويد قال : قال عبد الله : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه ؟ قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه . قال : اعلموا ما تقولون قالوا ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله ، قال : ما منكم رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله ، قالوا : كيف يا رسول الله ؟ قال : إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخر " . { واستغفروا الله } لذنوبكم ، { إن الله غفور رحيم } .