قيل كان في طلب في زيادة اليقين ، فأراد أن يقرن حق اليقين بما كان له حاصلاً من عين اليقين .
وقيل استجلب خطابه بهذه المقالة إلى قوله سبحانه : { أو لم تؤمن قال بلى } كنت أومن ولكني اشتقتُ إلى قولك لي : أَوَ لم تؤمن ، فإن بقولك لي : { أو لم تؤمن } تطميناً لقلبي . والمحبُّ أبداً يجتهد في أن يجد خطاب حبيبه على أي وجه أمكنه .
وقيل : إنه طلب رؤية الحق سبحانه ولكن بالرمز والإشارة فَمُنِعَ منها بالإشارة بقوله { وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } . وإن موسى - عليه السلام - لما سأل الرؤية جهراً وقال :{ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ }[ الأعراف : 143 ] فَرُدَّ بالجهر صريحاً وقيل له { لَن تَرَانِي } .
وقيل إنما طلب حياة قلبه فأُشير إليه بأن ذلك بذبح هذه الطيور ، وفي الطيور الأربعة طاووس ، والإشارة إلى ذبحه تعني زينة الدنيا ، وزهرتها ، والغراب لحِرصِه ، والديك لمشيته ، والبط لطلبه لرزقه .
ولما قال إبراهيم عليه السلام { أرِنِى كَيْفَ تُحْيِ المَوْتَى } ؟ قيل له : وأرني كيف تذبح الحي ؟ يعني إسماعيل ، مطالبة بمطالبة . فلمَّا وَفَّى بما طولب به وفَّى الحق سبحانه بحكم ما طلب .
وقيل كان تحت ميعاد من الحق - سبحانه - أن يتخذه خليلاً ، وأمارة ذلك إحياء الموتى على يده ، فجرى ما جرى .
ووصل بين قصة الخليل صلى الله عليه وسلم فيما أراه وأظهره على يده من إحياء الموتى وبين عُزَير إذ أراه في نفسه ؛ لأن الخليل يَرْجُح على عزير في السؤال وفي الحال ، فإن إبراهيم - عليه السلام - لم يَرُدَّ عليه في شيء ولكنه تَلَطَّف في السؤال ، وعُزَير كلمه كلام من يُشْبِه قولُه قولَ المسْتَبْعِد ، فأراد الحق أن يظهر له أقوى معجزة وأتمَّ دلالة حيث أظهر إحياءَ الموتى على يده حين التبس على نمرود ما قال إبراهيم - عليه السلام - ربي الذي يحيي ويميت ، فقال : { أَنَا أُحْييِ وَأُمِيتُ } أراد إبراهيم أن يُرِيَه الله سبحانه إحياء الموتى ليعلم أنه ليس هو الذي ادَّعى .
وفي هاتين الآيتين رخصة لمن طلب زيادةَ اليقين من الله سبحانه وتعالى في حال النظر .
ويقال إن إبراهيم أراد إحياء القلب بنور الوصلة بحكم التمام ، فقيل له : { أَوَلَمْ تُؤْمِن } يعني أما تذكر حال طلبك إيانا حين كنت تقول لكل شيء رأيته{ هَذَا رَبِّى }[ الأنعام : 77 ] فلم تَدْرِ كيف بَلَّغْنَاكَ إلى هذه الغاية ، فكذلك يوصلك إلى ما سَمَتْ إليه هِمَّتُك .
والإشارة من هذا أن حياة القلب لا تكون إلا بذبح هذه الأشياء يعني النفس ؛ فَمَنْ لم يذبح نفسه بالمجاهدات لم يَحْيَى قلبُه بالله .
وفيه إشارة أيضاً وهو أنه قال قَطِّعْ بيدك هذه الطيور ، وفَرِّقْ أجزاءها ، ثم ادْعُهُنَّ يأتينك سعياً ، فما كان مذبوحاً بيد صاحب الخلة ، مقطعاً مُفَرَّقاً بيده - فإذا ناداه استجاب له كل جزء مُفَرَّق . . كذلك الذي فَرَّقه الحق وشتَّته فإذا ناداه استجاب :
ولو أنَّ فوقي تُرْبةً وَدَعَوْتَنِي *** لأجَبْتُ صَوْتَكَ والعِظَامُ رُفَاتُ
تلك هي القصة الأولى التي ساقها الله تعالى كدليل على قدرته وعلى صحة البعث والنشور أما القصة الثانية التي تؤكد هذا المعنى فقد حكاها القرآن في قوله : { و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى } أي واذكر أيها العاقل لتعتبر وتتعظ وقت أن قام إبراهيم عليه السلام مخاطبا خالقه سبحانه : رب أرني بعيني كيف تعيد الحياة إلى الموتى .
و في قوله رب تصريح بكمال أدبه مع خالقه عز وجل فهو قبل أن يدعوه يستعطفه ويعترف له بالربوبية الحقة والألوهية التامة ويلتمس منه معرفة كيفية إحياء الموتى فهو لا يشك في قدرة الله ولا في صحة البعث وحاشاه أن يفعل ذلك فهو رسول من أولي العزم من الرسل وإنما هو يريد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين ومن مرتبة البرهان إلى مرتبة العيان فإن العيان يغرس في القلب أسمى وأقوى ألوان المعرفة والاطمئنان .
و قد ذكر المفسرون لسؤال إبراهيم عليه السلام أسباب منها أنه لما قال للنمروذ : { ربي الذي يحيي ويميت } أحب أن يترقى بأن يرى ذلك مشاهدة وقد أجاب الخالق عز وجل على طلب إبراهيم عليه السلام بقوله : { أو لم تؤمن } أي أتقول ذلك وتطلبه ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء وعلى كل شي ؟
فالجملة الكريمة استئناف مبني على السؤال وهي معطوفة على مقدر والاستفهام
للتقرير وهنا يحكي القرآن الكريم جواب إبراهيم على خالقه عز وجل فيقول : { قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } أي قال إبراهيم في الرد على السؤال ليزداد قلبي سكونا واطمئنانا وإيمانا لأن من شأن المشاهدة أن تغرس في القلب سكونا أعمق واطمئنانا أشد وإيمانا أقوى وأنا في جميع أحوالي مؤمن كل الإيمان بقدرك و وحدانيتك يا رب العالمين .
قال القرطبي ما مخلصه لم يكن إبراهيم شاكا في إحياء الله الموتى قط وإنما طلب المعاينة وذلك ان النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به ولهذا جاء في الحديث : " ليس الخبر كالمعاينة " . قال الأخفش : لم يرد إبراهيم رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين ، وقال الحسين : سأل ليزداد يقينا إلى يقينه .
و أما قول الرسول صلى اله عليه وسلم : " نحن أحق بالشك من إبراهيم ، فمعناه أنه لو كان شاكا لكنا نحن أحق بالشك منه ، ونحن لا نشك فإبراهيم عليه السلام أحرى ألا يشك ، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر ألفاظه الآتية لم تعط شكا وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسؤول وكيف هنا إنما هي استفهام عن هيئة الإحياء متقرر - فسؤال إبراهيم إنما هو عن الكيفية لا عن أصل القضية - . . " ( 27 ) .
و قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف قال له : { أو لم تؤمن }و قد علم أنه أثبت الناس إيمانا ؟ قلت ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين و{ بلى } إيجابا لما بعد النفي معناه : بلى آمنت وقوله : { و لكن ليطمئن قلبي } أي ليزداد سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة أي علم المشاهدة إلى علم الاستدلال وتظاهر الأدلة أسكن للقلوب وأزيد للبصيرة واليقين ولان علم الاستدلال يجوز معه التشكيك بخلاف العلم الضروري ، فأراد بطمأنينة القلب العلم الذي لا مجال فيه للتشكيك فإن قلت بم تعلقت اللام في قوله : ليطمئن قلت : بمحذوف تقديره ولكن سألت ذلك إرادة طمأنينة القلب " ( 28 ) .
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما كان من جواب الخالق عز وجل على نبيه إبراهيم فقال : { قال فخذ أربعة من الطير فصهرن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتيك سعيا } .
قوله : { فصهرن إليك } أي فاضممهن إليك قرئ بضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء يقال صاره يصوره ويصيره أي أماله وضمه إليه ويقال أيضا صار الشيء بمعنى قطعه وفصله والمعنى قال الله تعالى لإبراهيم إذا أردت معرفة ما سالت عنه فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك لتتأملهن وتعرف أشكالهن وهيئاتهن كيلا تلتبس عليك بعد الإحياء ثم اذبحهن وجزئهن أجزاء ثم اجعل على كل جبل منهن جزء . أي ثم اجعل على كل مكان مرتفع من الأرض جزء من كل طائر من تلك الطيور ثم نادهن يأتيك مسرعات إليك والفاء في قوله : فخذ هي التي تسمى بالفاء الفصيحة لأنها تفصح عن شرط مقدر أي إذا أردت ذلك فخذ .
و قوله : { من الطير } متعلق بمحذوف صفة لأربعة أي فخذ أربعة كائنات من الطير أو متعلق بقوله خذ أي خذ من الطير اسم جمع كركب وسفر وقيل هو جمع طائر مثل تاجر وتجر . قالوا : وهذه الطيور الأربعة هي الطاووس والنسر والغراب والديك .
و مما قالوا في اختيار الطير لهذه الحالة : إن الطير من صفاته الطيران وإنه لا يستأنس بالإنسان بل يطير بمجرد رؤيته لسهولة تأتي ما يفعل به من التجزئة والتفرقة .
و قوله : { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا } معطوف على محذوف دل عليه قوله جزءا لأن تجزئتهن إنما تقع بعد الذبح والتقدير فاذبحهن ثم اجعل . . إلخ وقوله : { ثم ادعهن } أي قل لهن تعالين بإذن الله .
و قوله : { يأتينك } جواب الأمر فهو في محل جزم : سعيا . منصوب على المصدر النوعي لأن السعي نوع الإتيان فكأنه قيل يأتينك إتيانا سريعا .
قال الفخر الرازي : " أجمع أهل التفسير على ان المراد بالآية قطعهن وأن إبراهيم قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها ببعض وفعل كما أمره الله ثم قال لهن : تعالين بإذن الله فأقبلن مسرعات إليه بعد ان انضم كل جزء في أصله ثم قال : ولكن أبا مسلم أنكر ذلك ، وقال : إن إبراهيم لما طلب إحياء الميت من الله تعالى أراه مثالا قرب مثالا قرب الأمر عليه به والمراد بصرهن إليك الإمالة والتمرين على الإجابة أي : فعود الطيور الأربعة أن تصير بحيث إذا دعوتها أجابتك وأتتك فإذا صارت كذلك فاجعل على كل جبل واحد حال حياته : { ثم ادعهن يأتيك سعيا } والغرض منه مثال محسوس في عود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة . . " ( 29 ) .
و الذي يطمئن إليه القلب هو رأي الجمهور لأن الآية مسوقة لتحقيق معجزة تجري على يد إبراهيم وهي إحياء الموتى بالمشاهدة كما جرى إحياء الرجل الذي أماته الله مائة عام والذي جاء ذكره في الآية السابقة ولأن ظاهر الآية صريح في أنه حصل تقطيع لأجزاء الطير ثم وضع كل جزء منها على مرتفع من الأرض لا يجوز تحميل الألفاظ ما لا تحتمله وما ذهب إليه أبو مسلم هو قول بلا دليل فضلا على مخالفته لما عليه إجماع المفسرين .
ثم ختم سبحانه الآية بقوله واعلم أن الله عزيز حكيم أي واعلم ان الله تعالى غالب على أمره قاهر فوق عباده حكيم في كل شؤونه وأفعاله وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا أبلغ الأدلة والشواهد على قدرة الله تعالى وعلى أنه المستحق للعبادة والخضوع وعلى ان ما خبر به من صحة البعث والنشور حق لا ريب فيه .