قوله جل ذكره : { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } .
الإشارة إلى حَمْلِ الخَلْقِ في سفينة السلامة في بحار التقدير عند تلاطم أمواجها بفنونٍ من التغيير والتأثير . فكَمْ من عبدٍ غرق في اشتغاله في ليلة ونهاره ، لا يستريح لحظةً من كَدِّ أفعاله ، ومقاساةِ التعب في أعماله ، وجَمْع ماله .
فَجَرَّه ذلك إلى نسيان عاقبته ومآلِه ، واستيلاء شُغْلِه بوَلَدِه وعيالِه على فِكْرِه وبالِه - وما سَعْيُه إلاَّ في وَبَالِه !
وكم من عِبْدٍ غرق في لُجَّةِ هواه ، فجَرَّته مُناه إلى تَحمُّلِ بلواه ، وخسيس من أمر مطلوبه ومُبْتَغَاه . . ثم لا يَصَلُ قط إلى منتهاه ، خَسِرَ دنياه وعقباه ، وبَقِيَ عن مولاه ! ومن أمثال هذا وذالك ما لا يُحْصَى ، وعلى عقلِ مَنْ فكَّرَ واعتبر لا يَخْفَى .
أمَّا إذا حفظ عبداً في سفينة العناية أفرده - سبحانه- بالتحرُّرِ من رِقِّ خسائس الأمور . وشَغَلَه بظاهره بالقيام بحقِّه ، وأكرمه في سرائره بفراغ القلب مع ربَّه ، ورقَّاه إلى ما قال : " أنا جليسُ مَنْ ذكرني " . . وقُلْ في عُلُوِّ شأنِ مَنْ هذه صفته . . ولا حَرَجَ !
41 { وآية لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } .
تشير الآية إلى فضل الله سبحانه وتعالى على بني آدم ، فحين كَذَّب قوم نوح نوحا ، واستمروا في عنادهم أغرق الله الكافرين ، وأمر نوحا عليه السلام أن يصنع السفينة ، وأن يحمل فيها من كلِّ زوجين اثنين ، فحمل ذكرا وأنثى من الإنسان والحيوان والنبات ، وكانت السفينة مليئة موقرة ومشحونة بهذه الأصناف .
جاء في حاشية الجمل على الجلالين ما يأتي :
وإطلاق الذرية على الأصول صحيح ، فإن لفظ الذرية مشترك بين الضدّين : الأصول والفروع ، لأن الذرية من الذَّرء بمعنى الخلق ، والفروع مخلوقون من الأصول ، والأصول خلقت منها الفروع ، فاسم الذرية يقع على الآباء ، كما يقع على الأولاد .
وآية أخرى لهم ، أنا حملنا ونجينا المؤمنين في سفينة نوح ، التي كانت موقرة ومشحونة بآبائهم وأجدادهم وأصولهم ، التي حملت الذرية في أصلابها ، ثم تناسل الناس بعد ذلك إلى يوم القيامة ، وبذلك دبّر الحقُّ سبحانه وتعالى صيانة الجنس البشري وسلامته ، بنجاة الآباء في السفينة ، أي : سفينة نوح عليه السلام .
ودلالة لهم أيضا على قدرته تبارك وتعالى ، تسخيره البحر ليحمل السفن ، فمن ذلك بل أوّله سفينة نوح عليه السلام ، التي أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين . ولهذا قال تعالى : { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } . أي : آباءهم ، { فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } . أي : في السفينة المملوءة من الأمتعة والحيوانات ، التي أمره الله تبارك وتعالى أن يحمل فيها ممن كلِّ زوجين اثنين . ا ه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.