لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا} (32)

أخبر أنه خَلَقَ رجلين جعل لهما جنتين على الوصف الذي ذَكَرَه فَشَكَرَ أحدُهما لخالقِه وكَفَرَ الآخرُ برازقه ، فأصبح الكافرُ وجنَّتُه أصابتها جائحةٌ ، وندم على ما ضَيَّعَه من الشكر ، وتوجَّه عليه اللومُ .

وفي الإشارة يخلق عَبْدَينَ يُطَيِّبُ لهما الوقت ، ويُمَهِّدُ لهما بساط اللطف ، ويمكَّن لهما من البسْط . . فيستقيم أَحَدهُما في الترقي إلى النهاية من مقامات البداية بحُسْن المنازلة وصدق المعاملة ، فتميز له المجاهدةُ ثمراتِ أحسن الأخلاق فيعالجها بحسنِ الاستقامة ثم يتحقق بخصائص الأحوال الصافية ، ثم يُخْتَطَفُ عنها بما يُكاشفُ به من حقائق التوحيد ، ويصبح مُنْتفىً عن جملته باستهلاكه في وجود ما بان له من الحقائق .

والثاني لا يُقَدِّرُ قَدْرَ ما أَهَّلَ له من حُسْن البداية فيرجِعُ إلى مألوفاتِه ، فينتكِسُ أمرُه ، بانحطاطه إلى ذميم عاداته ، فيرتدُّ عن سلوك الطريقة ويتردّى في ظلْمَة الغفلة ؛ فيصيرُ وقتُه ليلاً مظلماً ، ويتطوحُ في أودية التفرقة ، ويُوسَمُ الطرد ، ويُسْقى شرابَ الإهانة ، وينخرطُ في سلك الهَجْرِ . . . وذلك جزاءُ مَنْ لم يَرَهُم الحقُّ لو صلته أَهْلاً ، ولم يجعل لولائهم في التحقيق والقبول أَصْلاً :

تبدَّلَتْ وتبدلنا يا حسرةٌ لِمَنْ *** ابتغى عوضاً لسلمى فلم يَجِدِ

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا} (32)

والمثل فى اللغة : الشبيه والنظير ، وهو فى عرف القرآن الكريم : الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع .

وضرب المثل : إيراده ، وعبر عن إيراده بالضرب ، لشدة ما يحدث عنه من التأثير فى نفس السامع .

أى : واضرب - أيها الرسول الكريم - مثلا للمؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ، وللكافرين الذين غرتهم الحياة الدنيا ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حى عن بينة .

قال الآلوسى : " والمراد بالرجلين ، إما رجلان مقدران على ما قيل ، وضرب المثل لا يقتضى وجودهما . وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه . فقيل هما رجلان من بنى إسرائيل أحدهما : كافر . . والآخر : مؤمن .

ثم قال : والمراد ضربهما مثلا للفريقين المؤمنين والكافرين ، لا من حيث أحوالهما المستفادة مما ذكر آنفا ، بل من أن للمؤمنين فى الآخرة كذا ، وللكافرين فيها كذا ، من حيث عصيان الكفرة مع تقلبهم فى نعم الله ، وطاعة المؤمنين مع مكابدتهم مشاق الفقر " .

أى : واضرب لهم مثلا من حيثية العصيان مع النعمة ، والطاعة مع الفقر ، حال رجلين : { جعلنا لأحدهما } وهو الكافر { جنتين } أى : بستانين ، ولم يعين - سبحانه - مكانهما ، لأنه لم يتعلق بهذا التعيين غرض .

ثم بين ما اشتملت عليه هاتان الجنتان من خيرات فقال : { من أعناب } جمع عِنَب ، والعنبة الحبة منه . والمراد : من كروم متنوعة .

وقوله : { وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً } بيان لما أضيف إلى الجنتين من مناظر تزيدهما بهجة وفائدة .

والحف بالشئ : الإِحاطة به . يقال : فلان حفه القوم ، أى : أحاطوا به ، ومنه قوله - تعالى - : { وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش . . . } أى : جعلنا لأحد الرجلين ، وهو الكافر منهما جنتين من أعناب ، وأحطناهما بنخل ليكون كالحماية النافعة لهما ، وجعلنا فى وسطهما زرعا وبذلك تكون الجنتان جامعتين للأقوات والفواكه ، مشتملتين على ما من شأنه أن يشرح الصدر ، ويفيد الناس .