ولا يزيد السياق القرآني شيئا على هذا المشهد . لا يقول : كيف استقبل القوم هذه الخارقة . ولا ماذا كان بعدها من أمر مريم وابنها العجيب . ولا متى كانت نبوته التي أشار إليها وهو يقول :
( آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) . . ذلك أن حادث ميلاد عيسى هو المقصود في هذا الموضع . فحين يصل به السياق إلى ذلك المشهد الخارق يسدل الستار ليعقب بالغرض المقصود في أنسب موضع من السياق ، بلهجة التقرير ، وإيقاع التقرير :
( ذلك عيسى ابن مريم . قول الحق الذي فيه يمترون . ما كان لله أن يتخذ من ولد . سبحانه . إذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن فيكون . وإن الله ربي وربكم فاعبدوه . هذا صراط مستقيم ) . .
ذلك عيسى ابن مريم ، لا ما يقوله المؤلهون له أو المتهمون لأمه في مولده . . ذلك هو في حقيقته وذلك واقع نشأته . ذلك هو يقول الحق الذي فيه يمترون ويشكون .
{ ذلك } إشارة إلى من فصلت نعوته الجليلة . وفيه إشارة إلى علو رتبته وبعد منزلته وامتيازه بتلك المناقب الحميدة عن غيره ونزوله منزلة المحسوس المشاهد . وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : { عِيسَى } وقوله سبحانه : { ابن مَرْيَمَ } صفة عيسى أو خبر بعد خبر أو بدل أو عطف بيان والأكثرون على الصفة . والمراد ذلك هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني حيث جعل موصوفاً بأضداد ما يصفونه كالعبودية لخالقه سبحانه المضادة لكونه عليه السلام إلهاً وابناً لله عز وجل فالحصر مستفاد من فحوى الكلام ، وقيل : هو مستفاد من تعريف الطرفين بناءً على ما ذكره الكرماني من أن تعريفهما مطلقاً يفيد الحصر ، وهو على ما فيه مخالف لما ذكره أهل المعاني من أن ذلك مخصوص بتعريف المسند باللام أو بإضافته إلى ما هي فيه ك { تلك آيات الكتاب } [ يونس : 1 ] على ما في بعض شروح الكشاف . وقيل استفادته من التعريف على ما ذكروه أيضاً بناءً على أن عيسى مؤول بالمعرف باللام أي المسمى بعيسى وهو كما ترى فعليك بالأول .
{ قَوْلَ الحق } نصب على المدح . والمراد بالحق الله تعالى وبالقول كلمته تعالى ، وأطلقت عليه عليه السلام بمعنى أنه خلق بقول كن من غير أب . وقيل : نصب على الحال من عيسى ، والمراد بالحق والقول ما سمعت .
وقيل : نصب على المصدر أي أقول قول الحق . وقيل : هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة منصوب بأحق محذوفاً وجوباً . وقال شيخ الإسلام : هو مصدر مؤكد لقال إني عبد الله الخ وقوله سبحانه : { ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ } اعتراض مقرر لمضمون ما قبله وفيه بعد . و { الحق } في الأقوال الثلاثة بمعنى الصدق . والإضافة عند جمع بيانية وعند أبي حيان من إضافة الموصوف إلى الصفة .
وقرأ الجمهور { قَوْلَ } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه ، والضمير المقدر للكلام السابق أو لتمام القصة . وقيل : صفة لعيسى أو بدل من أو خبر بعد خبر لذلك أهو الخبر وعيسى بدل أو عطف بيان . والمراد في جميع ذلك كلمة الله تعالى . وقرأ ابن مسعود { قَالَ الحق } . وقال الله برفع { قَالَ } فيهما .
وعن الحسن { قَوْلَ الحق } بضم القاف واللام . والقول والقال والقول بمعنى واحد كالرهب والرهب والرهب . ونص أبو حيان على أنها مصادر . وعن ابن السكيت القال وكذا القيل اسم لا مصدر . وقرأ طلحة . والأعمش في رواية { قَالَ الحق } برفع لام { قَالَ } على أنه فعل ماض ورفع { الحق } على الفاعلية ، وجعل { ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ } على هذا مقول القول أي قال الله تعالى ذلك الموصوف بما ذكر عيسى ابن مريم { الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ } أي يشكون أو يتنازعون فيقول اليهود : هو ساحر وحاشاه ويقول النصارى : ابن الله سبحان الله عما يقولون .
والموصول صفة القول أو الحق أو خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي الخ وذلك بحسب اختلاف التفسير والقراءة . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . والسلمي . وداود بن أبي هند . ونافع في رواية . والكسائي كذلك { تَمْتَرُونَ } بتاء الخطاب .
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان وجه الحق فيها ، وأنذر الذين وصفوا عيسى وأمه بما هما بريئان منه بسوء المصير . فقال - تعالى - : { ذلك عِيسَى . . . }
اسم الإشارة { ذلك } فى قوله : { ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ } إشارة إلى ما ذكره الله - تعالى - قبل ذلك لعيسى من صفات حميدة ، ومن أخبار صادقة وهو مبتدأ ، وعيسى خبره ، وابن مريم صفته .
ولفظ : { قَوْلَ } فيه قراءتان سبعيتان إحداهما قراءة الجمهور بضم اللام ، والثانية قراءة ابن عامر وعاصم ، بفتحها .
وعلى القراءة بالرفع يكون { قَوْلُ الحق } خبر لمبتدأ محذوف . فيكون المعنى : ذلك الذى أخبرناك عنه بشأن عيسى وأمه هو قول الحق - عز وجل - وهو قول لا يحوم حوله باطل ، ولا يخاطله ريب أو شك . فلفظ { الحق } يصح أن يراد به الله - سبحانه - لأنه من أسمائه ، ويصح أن يراد به ما هو ضد الباطل ، وهو الصدق والثبوت .
وعلى قراءة النصب يكون لفظ { قَوْلَ } مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة ، أى : ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - من شأن عيسى ابن مريم ، هو القول الثابت الصادق . الذى أقول فيه قول الحق .
والإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته أى : القول الحق ، كقوله - تعالى - { وَعْدَ الصدق } أى : الوعد الصدق .
وقوله : { الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ } بيان لموقف الكافرين من هذا القول الحق الذى ذكره الله - تعالى - عن عيسى وأمه . و { الذي } صفة للقول . أو للحق . و { يَمْتُرُونَ } يشكون من المرية بمعنى الشك والجدل . . .
أى : ذلك الذى ذكرناه لك من خبر عيسى هو القول الحق ، الذى شك فى صدقه الكافرون ، وتنازع فيه الضالون ، فلا تلتفت إلى شكهم وكفرهم بل ذرهم فى طغيانهم يعمهون .
قوله تعالى : { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ( 34 ) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ( 35 ) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ( 36 ) فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ( 37 ) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين ( 38 ) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ( 39 ) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ( 40 ) } .
الإشارة ، ( ذلك ) ، في موضع رفع مبتدأ . ( عيسى ) خبره . ( ابن مريم ) صفته . والمعنى : أن هذا الذي قصصت عليكم من خبره والذي حملته مريم من غير أب وكلم الناس في المهد هو عيسى ابن مريم ، فقولوا فيه مثلما أخبرتكم عنه لا ما قالت عنه اليهود ؛ إذ افتروا على مريم البهتان والباطل في ولادتها عيسى من غير أب ، ولا ما قالت النصارى ؛ إذ غالوا فيه مغالاة فقالوا : إنه إله أو ابن إله تعالى الله عن هذا الباطل علوا عظيما .
قوله : ( قول الحق ) قرئ ( قول ) بالرفع والنصب . فمن قرأ بالرفع كان مرفوعا ؛ لأنه خبر لمبتدأ محذوف وتقديره : ذلك قول الحق . أو هذا قول الحق . ومن قرأه بالنصب ، كان منصوبا على المصدر ، وتقديره : أقول قول الحق{[2899]} فهذا هو القول الحق في عيسى ابن مريم ( الذي فيه يمترون ) أي يختصمون ويختلفون ، ويفترون قول الأباطيل ؛ إذ قالت اليهود إنه ساحر كذاب . وزعمت النصارى أنه ابن الله ، وأنه ثالث ثلاثة . وذلك كله مراء بالكذب والباطل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.