في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ} (53)

26

وختام هذه الجولة ، هو استنباء القوم للرسول : إن كان هذا الوعيد حقاً . فهم مزلزلون من الداخل تجاهه يريدون أن يستوثقوا وليس بهم من يقين . والجواب بالإيجاب حاسم مؤكد بيمين :

( ويستنبئونك : أحق هو ? قل : إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين ) . .

( إي وربي ) . .

الذي أعرف قيمة ربوبيته فلا أقسم به حانثاً ، ولا أقسم به إلا في جد وفي يقين . .

( إنه لحق وما أنتم بمعجزين ) . .

ما أنتم بمعجزين أن يأتي بكم ، وما أنتم بمعجزين أن يحاسبكم ، وأن يجازيكم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ} (53)

{ *وَيَسْتَنْبؤُنَكَ } أي يستخبرونك { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ } أي العذاب الموعود كما هو الأنساب بالسياق دون ادعاء النبوة الذي جوزه بعضهم ، ورجح عليه أيضاً بأنه لا يتأتى إثبات النبوة لمنكريها بالقسم . وأجيب بأنه ليس المراد منه إثباتها بل كون تلك الدعوى جداً لا هزلاً أو أنه بالنسبة لمن يقنع بالإثبات بمثله ، وقد يقال : ما ذكر مشترك الإلزام لأن العذاب الموعود لا يثبت عند الزاعمين أنه افتراء قبل وقوعه بمجرد القسم أيضاً فلا يصلح ما ذكر مرجحاً ، والحق أن القسم لم يذكر للإلزام بل توكيد لما أنكروه ، والاستفهام للإنكار ، والاستنباء على سبيل التهكم والاستهزاء كما هو المعلوم من حالهم فلا يقتضي بقاءه على أصله ، وربما يقال : إن الاستنباء بمعنى طلب النبأ حقيقة لكن لا عن الحقبة ومقابلها بالمعنى المتبادر لأنهم جازمون بالثاني بل المراد من ذلك الجد والهزل كأنهم قالوا : إنا جازمون بأن ما تقوله كذب لكنا شاكون في أنه جد منك أم هزل فأخبرنا عن حقيقة ذلك ، ونظير هذا قولهم : { أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ } [ سبأ : 8 ] على ما قرره الجماعة إلا أن ذلك خلاف الظاهر ، و { حَقّ } خبر قدم على المبتدأ الذي هو { هُوَ } ليلى الهمزة المسؤول عنه ، وجوز أن يكون مبتدأ وهو مرتفع به ساد مسد الخبر لأنه بمعنى ثابت فهو حينئذٍ صفة وقعت بعد الاستفهام فتعمل ويكتفي بمرفوعها عن الخبر إذا كان اسماً ظاهراً أو في حكمه كالضمير المنفصل هنا ، والمشهور أن استنبأ تتعدى إلى اثنين أحدهما بدون واسطة والآخر بواسطة عن فالمفعول الأول على هذا ليستنبؤون الكاف والثاني قامت مقامه هذه الجملة ، على معنى يسألونك عن جواب هذا السؤال إذ الاستفهام لا يسأل عنه وإنما يسأل عن جوابه . والزمخشري لما رأى أن الجملة هنا لا تصلح أن تكون مفعولاً ثانياً معنى لما عرفت ولفظاً لأنه لا يصح دخول عن عليها جعل الفعل مضمناً معنى القول أي يقولون لك هذا ، والجملة في محل نصب مفعول القول . وقرأ الأعمش { الحق هُوَ } بالتعريف مع الاستفهام وهي تؤيد كون الاستفهام للإنكار لما فيها من التعريض لبطلانه المقتضى لإنكاره لإفادة الكلام عليها القصر وهو من قصر المسند على المسند إليه على المشهور ، والمعنى أن الحق ما تقول أم خلافه ، وجعله الزمخشري من قصر المسند إليه على المسند حيث قال كأنه قيل : أهو الحق لا الباطل أو أهوى الذي سميتموه الحق ، وأشار بالترديد إلى أن الغرض من هذا الوجه لا يختلف جعل الحصر حقيقياً تحكماً أو ادعائياً . واعترض ذلك بأنه مخالف لما عليه علماء المعاني في مثل هذا التركيب .

وفي «الكشف » أنه يتخايل أن الحصر على معنى أهو الحق لا غيره لا معنى أهو الحق لا الباطل على ما قرروه في قولهم : زيد المنطلق والمنطلق زيد ، فعلى هذا لا يسد ما ذكره الزمخشري ولكنه يضمحل بما حققناه في قوله تعالى : { وَقُودُهَا الناس والحجارة } [ البقرة : 24 ] وأن انحصار أحدهما في الآخر يلاحظ بحسب المقام وحينئذٍ لا يبالي قدم أو أخر ، وههنا المعنى على حصر العذاب في الحقية لا على حصر الحقية في العذاب .

وقد قال هناك : إن التحقيق أن نحو زيد المنطلق وعكسه إنما يحكم فيه بقصر الثاني أعني الانطلاق على الأول لأن المناسب قصر العام على الخاص ، وكذلك نحو الناس هم العلماء والعلماء هم الناس وإن كان بينهما عموم وخصوص من وجه لأن المقصود بين ، وأما في نحو قولنا : الخاشعون هم العلماء والعلماء هم الخاشعون فالحكم مختلف تقديماً وتأخيراً وأحد القصرين غير الآخر ، فينبغي أن ينظر إلى مقتضى المقام إن تعين أحدهما لذلك حكم به قدم أو أخر وإلا روعي التقديم والتأخير ، وقد يكون القصر متعاكساً نحو زيد المنطلق إذا أريد المعهود وهذا ذاك ، وكذلك الجنسان إذا اتحدا مورداً كقولك : الضاحك الكاتب إلى آخر ما قال ، وكون المعنى ههنا على حصر العذاب في الحقية دون العكس هو المناسب ، ومخالفة علماء المعاني ليست بدعا من صاحب الكشاف وأمثاله ، والحق ليس محصوراً بما هم عليه كما لا يخفى فتدبر { قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ } أي قل لهم غير مكترث باستهزائهم مغضياً عما قصدوا بانياً للأمر على أساس الحكمة : نعم إن ذلك العذاب الموعود ثابت البتة ، فضمير { أَنَّهُ } للعذاب أيضاً { *وإي } حرف جواب وتصديق بمعنى نعم قيل : ولا تستعمل كذلك إلا مع القسم خاصة كما أن هل بمعنى قد في الاستفهام خاصة ، ولذلك سمع من كلامهم وصلها بواو القسم إذا لم يذكر المقسم به فيقولون إيو ويوصلون به هاء السكت أيضاً فيقولون : إيوه وهذه اللفظة شائعة اليوم في لسان المصريين وأهل ذلك الصقع . وادعى أبو حيان أنه يجوز استعمالها مع القسموبدونه إلا أن الأول هو الأكثر قال : وما ذكر من السماع ليس بحجة لأن اللغة فسدت بمخالطة غير العرب فلم يبق وثوق بالسماع ، وحذف المجرور بواو القسم والاكتفاء بها لم يسمع من موثوق به وهو مخالف للقياس ، وأكد الجواب بأتم وجوه التأكيد حسب شدة إنكارهم وقوته وقد زيد تقريراً وتحقيقاً بقوله جل شأنه : { لأَتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي بفائتين العذاب على أنه من فاته الأمر إذا ذهب عنه ، ويصح جعله من أعجزه بمعنى وجده عاجزاً أي ما أنتم بواجدي العذاب أو من يوقعه بكم عاجزاً عن إدراككم وإيقاعه بكم ، وأياً ما كان فالجملة إما معطوفة على جواب القسم أو مستأنفة سيقت لبيان عجزهم عن الخلاص مع ما فيه من التقرير المذكور .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{۞وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ} (53)

ثم قال - سبحانه - { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ } النبأ : كما يقول الراغب . خبر ذو فائدة عظيمة ، يحصل به علم أو غلبة ظن .

والاستنباء : طلب الأخبار الهامة .

أى : إن هؤلاء الضالين يطلبون منك - أيها الرسول الكريم - على سبيل التهكم والاستهزاء ، أن تخبرهم عن هذا العذاب الذي توعدتهم به ، أهو واقع بهم على سبيل الحقيقة ، أم هو غير واقع ولكنك تحدثهم عنه على سبيل الإِرهاب والتهديد ؟

وقوله : { قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } إرشاد من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذي يرد به عليهم .

ولفظ { أي } بكسر الهمزة وسكون الياء - حرف جواب وتصديق بمعنى نعم ، إلا أنه لا يستعمل إلا مع القسم .

أى : قل لهم يا محمد : نعم وحق ربي إن العذاب الذي أخبرتكم به لا محيص لكم عنه وما أنتم بمعجزي الله - تعالى - إذا أراد أن ينزله بكم في أي وقت يريده ، بل أنتم في قبضته وتحت سلطانه وملكه ، فاتقوا الله ، بأن تخلصوا به العبادة ، وتتبعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما جاءكم به من عنده - سبحانه - .

وقد أكد سبحانه - الجواب عليهم بأتم وجوه التأكيد ، لأنهم كانوا قوما ينكرون أشد الإِنكار أن يكون هناك عذاب وحساب وبعث وجنة ونار .

قال ابن كثير : " وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان ، يأمر الله - تعالى - رسوله فيهما أن يقسم به على من أنكر المعاد ، أما الآية الأولى فهي قوله - تعالى - :

{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ . . } وأما الآية الثانية فهي قوله - تعالى - : { زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ . . } وجملة { وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } إما معطوفة على جواب القسم ، أو مستأنفة سبقت لبيان عجزهم عن الخلاص ، وتأكيد وقوع العذاب عليهم .