ويستطرد السياق في استعراض دلائل القدرة في مشاهد الكون المعروضة للناس في كل حين :
( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ، فتصبح الأرض مخضرة ? إن الله لطيف خبير ) .
ونزول الماء من السماء ، ورؤية الأرض بعده مخضرة بين عشية وصباح . . ظاهرة واقعة مكرورة . قد تذهب الألفة بجدتها في النفوس . فأما حين يتفتح الحس الشاعر ، فإن هذا المشهد في الأرض يستجيش في القلب شتى المشاعر والأحاسيس . وإن القلب ليحس أحيانا أن هذا النبت الصغير الطالع من سواد الطين ، بخضرته وغضارته ، أطفال صغار تبسم في غزارة لهذا الوجود الشائق البهيج ، وتكاد من فرحتها بالنور تطير !
والذي يحس على هذا النحو يستطيع أن يدرك ما في التعقيب بقوله : ( إن الله لطيف خبير ) . . من لطف وعمق ومشاكلة للون هذا الإحساس ، ولحقيقة ذلك المشهد وطبيعته . فمن اللطف الإلهي ذلك الدبيب اللطيف . دبيب النبتة الصغيرة من جوف الثرى ، وهي نحيلة ضئيلة ، ويد القدرة تمدها في الهواء ، وتمدها بالشوق إلى الارتفاع على جاذبية الأرض وثقلة الطين . . وبالخبرة الإلهية يتم تدبير الأمر في إنزال الماء بقدر في الوقت المناسب وبالقدر المطلوب ويتم امتزاج الماء بالتربة ، وبخلايا النبات الحية المتطلعة إلى الانطلاق والنور !
والماء ينزل من سماء الله إلى أرضه ، فينشى ء فيها الحياة ، ويوفر فيها الغذاء والثراء . .
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء } أي من جهة العلو { مَاء } أي ألم تعلم ذلك ، وجوز كون الرؤية بصرية نظراً للماء المنزل ، والاستفهام للتقرير ، وقوله تعالى : { فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً } أي فتصير ، وقيل تصبح على حقيقتها والحكم بالنظر إلى بعض الأماكن تمطر السماء فيها ليلاً فتصبح الأرض مخضرة ، والأول أولى عطف على { أَنَزلَ } والفاء مغنية عن الرابط فلا حاجة إلى تقدير بإنزاله ، والتعقيب عرفي أو حقيقي وهو إما باعتبار الاستعداد التام للاخضرار أو باعتباره نفسه وهو كما ترى ، وجوز أن تكون الفاء لمحض السبب فلا تعقيب فيها ، والعدول عن الماضي إلى المضارع لإفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان كما تقول : أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكراً له ولو قلت : فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع أو لاستحضار الصورة البديعة ولم ينصب الفعل في جواب الاستفهام هنا في شيء من القراءات فيما نعلم وصرح غير واحد بامتناعه ، ففي البحر أنه يمتنع النصب هنا لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام وإن كان يقتضي تقريراً في بعض الكلام هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب ألا ترى قوله تعالى : { أَلَسْت بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف : 172 ] وكذلك في الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب فإذا قلت : ما تأتينا فتحدثنا بالنصب فالمعنى ما تأتينا محدثاً إنما تأتينا ولا تحدث ، ويجوز أن يكون المعنى أنك لا تأتينا فكيف تحدثنا فالحديث منتف في الحالتين والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته همزة الاستفهام وينفي الجواب فيلزم من ذلك هنا إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار وهو خلاف المراد ، وأيضاً جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام شرط وجزاء ولا يصح أن يقال هنا إن تر إنزال الماء تصبح الأرض مخضرة لأن اخضرارها ليس مترتباً على علمك أو رؤيتك إنما هو مترتب على الإنزال اه .
وإلى انعكاس المعنى على تقدير النصب ذهب الزمخشري حيث قال : لو نصب الفعل جواباً للاستفهام لأعطى ما هو عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار لكن تعقبه «صاحب الفرائد » حيث قال : لا وجه لما ذكره «صاحب الكشاف » ولا يلزم المعنى الذي ذكر بل يلزم من نصبه أن يكون مشاركاً لقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ } تابعاً له ولم يكن تابعاً لإنزال ويكون مع ناصبه مصدراً معطوفاً على المصدر التي تضمنه { أَلَمْ تَرَ } والتقدير ألم تكن لك رؤية إنزال الماء من السماء وإصباح الأرض مخضرة وهذا غير مراد من الآية بل المراد أن يكون إصباح الأرض مخضرة بإنزال الماء فيكون حصول اخضرار الأرض تابعاً للإنزال معطوفاً عليه اه وفيه بحث .
وقال «صاحب التقريب » في ذلك : إن النصب بتقدير إن وهو علم للاستقبال فيجعل الفعل مترقباً والرفع جزم بأخباره وتلخيصه أن الرفع جزم بإثباته والنصب ليس جزماً بإثباته لا أنه جزم بنفيه ، ولا يخفى أنه إن صح في نفسه لا يطابق مغزى الزمخشري ، وعلل أبو البقاء امتناع النصب بأمرين ، أحدهما انتفاء سببية المستفهم عنه لما بعد الفاء كما تقدم عن البحر ، والثاني أن الاستفهام المذكور بمعنى الخبر فلا يكون له جواب وإلى هذا ذهب الفراء فقال : { أَلَمْ تَرَ } خبر كما تقول في الكلام أعلم أن الله تعالى يفعل كذا فيكون كذا ، وقال سيبويه : وسألته يعني الخليل عن قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً } فقال هذا واجب وهو تنبيه كأنك قلت : أتسمع ؟ وفي النسخة الشرقية من الكتاب انتبه أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا .
وقال بعض المتأخرين : يجوز أن يعتبر تسبب الفعل عن النفي ثم يعتبر دخول الاستفهام التقريري فيكون المعنى حصل منك رؤية إنزال الله تعالى الماء فإصباح الأرض مخضرة لأن الاستفهام المذكور الداخل على النفي يكون في معنى نفي النفي وهو إثبات ، فإن قلت : الرؤية لا تكون سبباً لا نفياً ولا إثباتاً للاخضرار ، قلت : الرؤية مقحمة والمقصود هو الإنزال أو هي كناية عنه لأنها تلزمه مع أنه يكفي التشبيه بالسبب كما نص عليه الرضى في ما تأتينا فتحدثنا في أحد اعتباريه ، واختار هذا في الاستدلال على عدم جواز النصب أن النصب مخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية على ما قرر في علم النحو ولا يمكن ذلك في الآية الكريمة كما ترى .
وبالجملة إن الذي عليه المحققون أن من جوز النصب هنا لم يصب ، وأن المعنى المراد عليه ينقلب . وقرئ { مُخْضَرَّةً } بفتح الميم وتخفيف الضاد مثل مبقلة ومجزرة أي ذات خضرة { إِنَّ الله لَطِيفٌ } أي متفضل على العباد بإيصال منافعهم إليهم برفق ومن ذلك إنزال الماء من السماء واخضرار الأرض بسببه { خَبِيرٌ } أي عليم بدقائق الأمور ومنها مقادير مصالح عباده .
وقال ابن عباس : لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط ، وقال مقاتل : لطيف باستخراج النبات خبير بكيفية خلقه ، وقال الكلبي : لطيف بأفعاله خبير بأعمال عباده ، وقال ابن عطية : اللطيف هو المحكم للأمور برفق ، ونقل الآمدي أنه العالم بالخفيات ، وأنت تعلم أنه المعنى المشهور للخبير ، وفسره بعضهم بالمخبر ولا يناسب المقام كتفسير اللطيف بما لا تدركه الحاسة .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة فضله ورحمته بعباده فقال : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ . . . } .
الاستفهام فى قوله : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً . . . } للتقرير .
وقوله : { مُخْضَرَّةً } أى : ذات خضرة بسبب النبات الذى ينبته الله فيها بعد نزول المطر عليها .
والمعنى : لقد رأيت ببصرك وعلمت ببصيرتك أيها المخاطب أن الله - تعالى - قد أنزل من السماء ماء ، فتصير الأرض بسببه ذات خضرة ، وفى ذلك أعظم الأدلة على كمال قدرته ، وعظيم رحمته بعباده .
وقال - سبحانه - { فَتُصْبِحُ } بصيغة المضارع ، لاستحضار صورة الاخضرار ، الذى اتصف به الأرض بعد نزول المطر عليها ، وصيغة الماضى لا تفيد دوام استحضارها ، لأن الفعل الماضى يفيد انقطاع الشىء .
ولم ينصب هذا الفعل المضارع فى جواب الاستهفام ، لأن الاستفهام تقريرى فهو فى معنى الخبر ، والخبر لا جواب له ، فكأنه قيل : لقد رأيت ، ولأن السببية هنا غير متحققة ، إذ الرؤية لا يتسبب عنها اخضرار الأرض ، وإنما اخضرارها يكون بسبب نزول المطر .
وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك فقال : فإن قلت : هلا قيل : فأصبحت ؟ ولم صرف إلى لفظ المضارع ؟
قلت : لنكتة فيه وهى إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ، كما تقول : أنعم علىَّ فلان عام كذا ، فأروح وأغدوا شاكرا له . ولو قلت : فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع . فإن قلت : فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام ؟
قلت : لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض ، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفى الاخضرار . مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أنى أنعمت عليك فتشكر . إن نصبته فأنت ناف لشكره . شاك تفريطه فيه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من استم بالعلم فى علم الإعراب وتوقير أهله .
وقال بعض العلماء ما ملخصه : فإن قيل : كيف قال فتصبح مع أن اخضرار الأرض قد يتأخر عن صبيحة المطر .
فالجواب : أن تصبح هنا بمعنى تصير ، والعرب تقول : فلان أصبح غنيا ، أى : صار غنيا ، أو أن الفاء للتعقيب ، وتعقيب كل شىء بحسبه ، كقوله - تعالى - : { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً . . . } مع أن بين كل شيئين أربعين يوما ، كما جاء فى الحديث الصحيح .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ } أى : إن الله - تعالى - لطيف بعباده .
ومن مظاهر لطفه بهم ، إنزاله المطر على الأرض للانتفاع بما تنبته من كل زوج بهيج ، وهو - تعالى - خبير بأحوال عباده ، لا يعزب عن عمله مثقال ذرة من هذه الأحوال . فإنه - سبحانه - { لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض }