وهل من إسراف أشد من تجاوز حدود الله ؛ والتعدي على شريعته ، بالتغيير أو بالإهمال ؟
وفي الآية السابقة قرن الله قتل النفس بالفساد في الأرض ؛ وجعل كلا منهما مبررا للقتل ، واستثناء من صيانة حق الحياة ؛ وتفظيع جريمة إزهاق الروح . . ذلك أن أمن الجماعة المسلمة في دار الإسلام ، وصيانة النظام العام الذي تستمتع في ظله بالأمان ، وتزاول نشاطها الخير في طمأنينة . . ذلك كله ضروري كأمن الأفراد . . بل أشد ضرورة ؛ لأن أمن الأفراد لا يتحقق إلا به ؛ فضلا على صيانة هذا النموذج الفاضل من المجتمعات ، وإحاطته بكل ضمانات الاستقرار ؛ كيما يزاول الأفراد فيه نشاطهم الخير ، وكيما تترقى الحياة الإنسانية في ظله وتثمر ، وكيما تتفتح في جوه براعم الخير والفضيلة والإنتاج والنماء . . وبخاصة أن هذا المجتمع يوفر للناس جميعا ضمانات الحياة كلها ، وينتشر من حولهم جوا تنمو فيه بذور الخير وتذوي بذور الشر ، ويعمل على الوقاية قبل أن يعمل على العلاج ، ثم يعالج ما لم تتناوله وسائل الوقاية . ولا يدع دافعا ولا عذرا للنفس السوية أن تميل إلى الشر وإلى الاعتداء . . فالذي يهدد أمنه - بعد ذلك كله - هو عنصر خبيث يجب استئصاله ؛ ما لم يثب إلى الرشد والصواب . .
فالآن يقرر عقوبة هذا العنصر الخبيث ، وهو المعروف في الشريعة الإسلامية بحد الحرابة :
( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ، ويسعون في الأرض فسادا ، أن يقتلوا أو يصلبوا ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الأرض . . . ذلك لهم خزي في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم . إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) . .
وحدود هذه الجريمة التي ورد فيها هذا النص ، هي الخروج على الإمام المسلم الذي يحكم بشريعة الله ، والتجمع في شكل عصابة ، خارجة على سلطان هذا الإمام ، تروع أهل دار الإسلام ؛ وتعتدي على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم . ويشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك خارج المصر بعيدا عن مدى سلطان الإمام . ويرى بعضهم أن مجرد تجمع مثل هذه العصابة ، وأخذها في الاعتداء على أهل دار الإسلام بالقوة ، يجعل النص منطبقاعليها . سواء خارج المصر أو داخلة . وهذا هو الأقرب للواقع العملي ومجابهته بما يستحقه .
وهؤلاء الخارجون على حاكم يحكم بشريعة الله ؛ المعتدون على أهل دار الإسلام المقيمين للشريعة [ سواء كانوا مسلمين أو ذميين أو مستأمنين بعهد ] لا يحاربون الحاكم وحده ، ولا يحاربون الناس وحدهم . إنما هم يحاربون الله ورسوله . حينما يحاربون شريعته ، ويعتدون على الأمة القائمة على هذه الشريعة ، ويهددون دار الإسلام المحكومة بهذه الشريعة . كما أنهم بحربهم لله ورسوله ، وحربهم لشريعته وللأمة القائمة عليها وللدار التي تطبقها ، يسعون في الأرض فسادا . . فليس هناك فساد أشنع من محاولة تعطيل شريعة الله ، وترويع الدار التي تقام فيها هذه الشريعة . .
إنهم يحاربون الله ورسوله . . وإن كانوا إنما يحاربون الجماعة المسلمة والإمام المسلم . فهم قطعا لا يحاربون الله - سبحانه - بالسيف ، وقد لا يحاربون شخص رسول الله - بعد اختياره الرفيق الأعلى - ولكن الحرب لله ورسوله متحققة ، بالحرب لشريعة الله ورسوله ، وللجماعة التي ارتضت شريعة الله ورسوله ، وللدار التي تنفذ فيها شريعة الله ورسوله .
كما أن للنص - في صورته هذه - مفهوما آخر متعينا كهذا المفهوم - هو أن السلطان الذي يحق له - بأمر الله - أن يأخذ الخارجين عليه بهذه العقوبات المقررة لهذه الجريمة ، هو السلطان الذي يقوم على شريعة الله ورسوله ، في دار الإسلام المحكومة بشريعة الله ورسوله . . وليس أي سلطان آخر لا تتوافر له هذه الصفة ، في أية دار أخرى لا يتوافر لها هذا الوصف . .
نقرر هذا بوضوح ، لأن بعض أذناب السلطة في كل زمان ، كانوا يفتون لحكام لا يستمدون سلطانهم من شريعة الله ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة ، ولا يحققون وجود دار إسلام في بلادهم ، ولو زعموا أنهم مسلمون . . كانوا يفتون لهم بأن يأخذوا الخارجين عليهم بهذه العقوبات - باسم شريعة الله - بينما كان هؤلاء الخارجون لا يحاربون الله ورسوله ؛ بل يحاربون سلطة خارجة على الله ورسوله . .
إنه ليس لسلطة لا تقوم على شريعة الله في دار الإسلام ، أن تأخذ الخارجين عليها باسم شريعة الله . . وما لمثل هذه السلطة وشريعة الله ؟ إنها تغتصب حق الألوهية وتدعيه ؛ فما لها تتحكك بقانون الله وتدعيه ؟ !
. . إنما جزاء أفراد هذه العصابات المسلحة ، التي تخرج على سلطان الإمام المسلم المقيم لشريعة الله ؛ وتروع عباد الله في دار الإسلام ، وتعتدي على أموالهم وأرواحهم وحرماتهم . . أن يقتلوا تقتيلا عاديا . أو أن يصلبوا حتى يموتوا [ وبعض الفقهاء يفسر النص بأنه الصلب بعد القتل للترويع والإرهاب ] أو أن تقطع أيديهم اليمنى مع أرجلهم اليسرى . . من خلاف . .
ويختلف الفقهاء اختلافا واسعا حول هذا النص : إن كان للإمام الخيار في هذه العقوبات ، أم أن هناك عقوبة معينة لكل جريمة تقع من الخارجين .
ويرى الفقهاء في مذهب أبى حنيفة والشافعي وأحمد أن العقوبات مرتبة على حسب الجناية التي وقعت . فمن قتل ولم يأخذ مالا قتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل قطع ، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن أخاف السبيل ولكنه لم يقتل ولم يأخذ مالا نفي :
وعند مالك أن المحارب إذا قتل فلا بد من قتله وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه ، وإنما التخيير في قتله أو صلبه ، وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه ، وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف . وأما إذا أخاف السبيل فقط ، فالإمام مخير في قتله أو صلبه أو قطعة أو نفيه . . ومعنى التخيير عندمالك أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام . فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه ، لأن القطع لا يدفع ضرره . وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعة من خلاف . وإن كان ليس له شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك وهو النفي والتعزير .
ونحن نختار رأي الإمام مالك في الفقرة الأخيرة منه ، وهي أن العقوبة قد توقع على مجرد الخروج وإخافة السبيل . لأن هذا إجراء وقائي المقصود منه أولا منع وقوع الجريمة ، والتغليظ على المفسدين في الأرض الذين يروعون دار الإسلام ؛ ويفزعون الجماعة المسلمة القائمة على شريعة الله في هذه الدار . وهي أجدر جماعة وأجدر دار بالأمن والطمأنينة والسلام .
كذلك يختلفون في معنى النفي من الأرض . . هل هو النفي من الأرض التي ارتكب فيها جريمته ؟ أم هو النفي من الأرض التي يملك فيها حريته وذلك بحبسه . أم هو النفي من الأرض كلها ولا يكون ذلك إلا بالموت ؟
ونحن نختار النفي من أرض الجريمة ، إلى مكان ناء يحس فيه بالغربة والتشريد والضعف ؛ جزاء ما شرد الناس وخوفهم وطغى بقوته فيهم . حيث يصبح في منفاه عاجزا عن مزاولة جريمته بضعف عصبيته ، أو بعزله عن عصابته !
( ذلك لهم خزي في الدنيا . . ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) . .
فالجزاء الذي يلقونه إذن في الدنيا لا يسقط عنهم العذاب في الآخرة ، ولا يطهرهم من دنس الجريمة كبعض الحدود الأخرى . وهذا كذلك تغليظ للعقوبة ، وتبشيع للجريمة . . ذلك أن الجماعة المسلمة في دار الإسلام يجب أن تعيش آمنة . وذلك أن السلطة المسلمة القائمة على شريعة الله يجب أن تكون مطاعة . فهذا هو الوسط الخير الرفيع الذي يجب توفير الضمانات كلها لازدهاره . . وهذا هو النظام العادل الكامل الذي يجب أن يصان من المساس به . .
ولما بين سبحانه عظم شأن القتل بغير حق استأنف بيان حكم نوع من أنواع القتل وما يتعلق به من الفساد بأخذ المال ونظائره وتعيين موجبه ، وأدرج فيه بيان ما أشير إليه إجمالاً من الفساد المبيح للقتل ، فقال جل شأنه :
{ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } ذهب أكثر المفسرين كما قال الطبرسي ، وعليه جملة الفقهاء إلى أنها نزلت في قطاع الطريق ، والكلام كما قال الجصاص على حذف مضاف أي يحاربون أولياء الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فهو كقوله تعالى : { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } [ الأحزاب : 57 ] ويدل على ذلك أنهم لو حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا مرتدين بإظهار محاربته ومخالفته عليه الصلاة والسلام ، وقيل : المراد يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر الله تعالى للتمهيد والتنبيه على رفعة محله عليه الصلاة والسلام عنده عز وجل ، ومحاربة أهل شريعته وسالكي طريقته من المسلمين محاربة له صلى الله عليه وسلم فيعم الحكم من يحاربهم بعد الرسول عليه الصلاة والسلام ولو بأعصار كثيرة بطريق العبارة لا بطريق الدلالة أو القياس كما يتوهم ، لأن ورود النص ليس بطريق خطاب المشافهة حتى يختص بالمكلفين حين النزول ويحتاج في تعميمه إلى دليل آخر على ما تحقق في الأصول ، وقيل : ليس هناك مضاف محذوف وإنما المراد محاربة المسلمين إلا أنه جعل محاربتهم محاربة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم تعظيماً له وترفيعاً لشأنهم ، وجعل ذكر الرسول على هذا تمهيداً على تمهيد ، وفيه ما لا يخفى ، والحرب في الأصل السلب والأخذ ، يقال : حربه إذا سلبه ، والمراد به ههنا قطع الطريق ؛ وقيل : الهجوم جهرة بالصوصية وإن كان في مصر { وَيَسْعَوْنَ } عطف على يحاربون ، وبه يتعلق قوله تعالى : { فِى الارض } ، وقيل : بقوله سبحانه : { فَسَاداً } وهو إما حال من فاعل { يَسْعَوْنَ } بتأويله بمفسدين . أو ذوي فساد . أو لا تأويل قصداً للمبالغة كما قيل ، وإما مفعول له أي لأجل الفساد ، وإما مصدر مؤكد ليسعون لأنه في معنى يفسدون ، و { فَسَاداً } إما مصدر حذف منه الزوائد أو اسم مصدر ، وقوله تعالى : { إِنَّمَا جَزَاء } مبتدأ خبره المنسبك من قوله تعالى : { أَن يُقَتَّلُواْ } أي حداً من غير صلب إن أفردوا القتل ، ولا فرق بين أن يكون بآلة جارحة أولاً ، والاتيان بصيغة التفعيل لما فيه من الزيادة على القصاص من أنه لكونه حق الشرع لا يسقط بعفو الولي ، وكذا التصليب في قوله سبحانه : { أَوْ يُصَلَّبُواْ } لما فيه من القتل أي يصلبوا مع القتل إن جمعوا بين القتل والأخذ وقيل : صيغة التفعيل في الفعلين للتكثير ، والصلب قبل القتل بأن يصلبوا أحياءاً وتبعج بطونهم برمح حتى يموتوا ، وأصح قولي الشافعي عليه الرحمة أن الصلب ثلاثاً بعد القتل ، قيل : إنه يوم واحد .
وقيل : حتى يسييل صديده ، والأولى أن يكون على الطريق في ممر الناس ليكون ذلك زجراً للغير عن الاقدام على مثل هذه المعصية .
وفي ظاهر الرواية أن الإمام مخير إن شاء اكتفى بذلك وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف } أي تقطع مختلفة بأن تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال من مسلم أو ذمي إذ له ما لنا وعليه ما علينا وكان في المقدار بحيث لو قسم عليهم أصاب كلا منهم عشرة دراهم أو ما يساويها قيمة ، وهذا في أول مرة فإن عادوا قطع منهم الباقي ، وقطع الأيدي لأخذ المال ، وقطع الأرجل لإخافة الطريق وتفويت أمنه { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الارض } إن لم يفعلوا غير الاخافة والسعي للفساد ، والمراد بالنفي عندنا هو الحبس والجسن ؛ والعرب تستعمل النفي بذلك المعنى لأن الشخص به يفارق بيته وأهله ، وقد قال بعض المسجونين :
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا ، وقلنا : جاء هذا من الدنيا
ويعزرون أيضاً لمباشرتهم إخافة الطريق وإزالة أمنه ، وعند الشافعي عليه الرحمة المراد به النفي من بلد إلى بلد ولا يزال يطلب وهو هارب فرقاً إلى أن يتوب ويرجع . وبه قال ابن عباس . والحسن . والسدى رضي الله تعالى عنهم . وابن جبير ، وغيرهم ، وإليه ذهب الإمامية ، وعن عمر بن عبد العزيز . وابن جبير في رواية أخرى أنه ينفي عن بلده فقط ، وقيل : إلى بلد أبعد ، وكانوا ينفونهم إلى دهلك وهو بلد في أقصى تهامة وناصع وهو بلد من بلاد الحبشة ، واستدل للأول بأن المراد بنفي قاطع الطريق زجره ودفن شره فإذا نفي إلى بلد آخر لم يؤمن ذلك منه ، وإخراجه من الدنيا غير ممكن ، ومن دار الإسلام غير جائز فإن حبس في بلد آخر فلا فائدة فيه إذ بحبسه في بلده يحصل المقصود وهو ؤشد عليه .
هذا ولما كانت المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى شرعت لكل مرتبة من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق كما أشرنا إليه فأو للتقسيم واللف والنشر المقدر على الصحيح ، وقيل : إنها تخييرية والإمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق ، والأول علم بالوحي وإلا فليس في اللفظ ما يدل عليه دون التخيير ، ولأن في الآية أجزية مختلفة غلظاً وخفة فيجب أن تقع في مقابلة جنايات مختلفة ليكون جزاء كل سيئة سيئة مثلها ، ولأنه ليس للتخيير في الأغلظ والأهون في جناية واحدة كبير معنى ، والظاهر أنه أوحى إليه صلى الله عليه وسلم هذا التنويع والتفصيل ، ويشهد له ما أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وزعم بعضهم أن التخيير أقرب وكونه بين الأغلظ والأهون بالنظر إلى الأشخاص والأزمنة فإن العقوبات للانزجار وإصلاح الخلق ، وربما يتفاوت الناس في الانزجار فوكل ذلك إلى رأي الإمام ، وفيه تأمل فتأمل { ذلك } أي ما فصل من الأحكام والأجزية ، وهو مبتدأ ، وقوله تعالى : { لَهُمْ خِزْىٌ } جملة من خبر مقدم ومبتدأ في محل رفع خبر للمبتدأ ، وقوله سبحانه : { فِى الدنيا } متعلق بمحذوف وقع صفة لخزي ، أو متعلق به على الظرفية ، وقيل : { خِزْىٌ } خبر لذلك و { لَهُمْ } متعلق بمحذوف وقع حالا من { خِزْىٌ } خبر لذلك و { لَهُمْ } متعلق بمحذوف وقع حالا من { خِزْىٌ } لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالا ، و { فِى الدنيا } إما صفة لخزي أو متعلق به كما مر آنفاً ، والخزي الذل والفضيحة { وَلَهُمْ فِى الاخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } لا يقادر قدره وذلك لغاية عظم جنايتهم ، واقتصر في الدنيا على الخزي مع أن لهم فيها عذاباً أيضاً ، وفي الآخرة على العذاب مع أن لهم فيها خزياً أيضاً لأن الخزي في الدنيا أعظم من عذابها ، والعذاب في الآخرة أشدّ من خزيها ، والآية أقوى دليل لمن يقول إن الحدود لا تسقط العقوبة في الآخرة ، والقائلون بالإسقاط يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح :
«من ارتكب شيئاً فعوقب به كان كفارة له » فإنه يقتضي سقوط الإثم عنه وأن لا يعاقب في الآخرة ، وهو مشكل مع هذه الآية ، وأجاب النووي بأن الحد يكفر به عنه حق الله تعالى ، وأما حقوق العباد فلا ، وههنا حقان لله تعالى والعباد ، ونظر فيه .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } أي أولياءهما { وَيَسْعَوْنَ في الأرض فَسَاداً } بتثبيط السالكين { أَن يُقَتَّلُواْ } بسيف الخذلان { أَوْ يُصَلَّبُواْ } بحبل الهجران على جذع الحرمان { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ } عن أذيال الوصال { وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف } عن الاختلاف والتردد إلى السالكين { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض } أي أرض القربة والائتلاف فلا يلتفت إليهم السالك ولا يتوجه لهم { ذلك لَهُمْ خِزْىٌ } وهوان { في الدنيا وَلَهُمْ في الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } [ المائدة : 33 ] لعظم جنايتهم ، وقد جاء أن الله تعالى يغضب لأوليائه كما يغضب الليث الحرب ، ومن آذى ولياً فقد آذنته بالمحاربة نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة .