في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ} (9)

والجانب الثاني من التعريف بهذا الخلق من عباد الله تتضمنه الآية الثانية :

( ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ، وللبسنا عليهم ما يلبسون ) . .

إنهم يقترحون أن ينزل الله - سبحانه - ملكا على رسوله [ ص ] يصدقه في دعواه . . ولكن الملائكة خلق آخر غير الخلق الإنساني . خلق ذو طبيعة خاصة يعلمها الله . وهم - كما يقول الله عنهم ، ونحن لا علم لنا بهم إلا مما يقوله عنهم الذي خلقهم - لا يستطيعون أن يمشوا في الأرض بهيئتهم التي خلقهم الله عليها ؛ لأنهم ليسوا من سكان هذا الكوكب ؛ ولكن لهم - مع ذلك - من الخصائص ما يجعلهم يتخذون هيئة البشر حين يؤدون وظيفة من وظائفهم في حياة البشر ؛ كتبليغ الرسالة ؛ أو التدمير على من يريد الله أن يدمر عليهم من المكذبين ؛ أو تثبيت المؤمنين ، أو قتال أعدائهم وقتلهم . . إلى آخر الوظائف التي يقص القرآن الكريم أنهم يكلفون بها من ربهم ، فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .

فلو شاء الله أن يرسل ملكا يصدق رسوله ، لتبدى للناس في صورة رجل - لا في صورته الملائكية - وعندئذ يلتبس عليهم الأمر مرة أخرى ! وإذا كانوا يلبسون على أنفسهم الحقيقة ومحمد [ ص ] يقول لهم : أنا محمد الذي تعرفونه أرسلني الله إليكم لأنذركم وأبشركم . . ، فكيف يكون اللبس إذا جاءهم ملك - في صورة رجل لا يعرفونه - يقول لهم : أنا ملك أرسلني الله لأصدق رسوله . . بينما هم يرونه رجلا كأي منهم ؟ ! إنهم يلبسون الحقيقة البسيطة . فلو أرسل الله ملكا لجعله رجلا وللبس عليهم الحقيقة التي يلبسونها ؛ ولما اهتدوا قط إلى يقين !

وهكذا يكشف الله - سبحانه - جهلهم بطبيعة خلائقه ، كما كشف لهم جهلهم في معرفة سنته . . وذلك بالإضافة إلى كشف تعنتهم وعنادهم بلا مبرر ، وبلا معرفة ، وبلا دليل !

والحقيقة الثالثة التي يثيرها النص القرآني في الفكر : هي طبيعة التصور الإسلامي ومقومات هذا التصور - ومن بينها تلك العوالم الظاهرة والمغيبة التي علم الإسلام المسلم أن يدركها أولا ، وأن يتعامل معها أخيرا - ومن بين تلك العوالم المغيبة عالم الملائكة . . وقد جعل الإسلام الإيمان بها مقوما من مقومات الإيمان ، لا يتم الإيمان إلا به . . الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره . .

وقد سبق أن ذكرنا في هذه الظلال ونحن نتحدث عن مطلع سورة البقرة : ما ملخصه أن الإيمان بالغيب نقلة في حياة الإنسان ضخمة ؛ لأن خروجه من دائرة المحسوس الضيقة إلى إدراك أن هناك غيبا مجهولا يمكن وجوده ويمكن تصوره ، هو - بلا شك - نقلة من دائرة الحس الحيواني إلى مجال الإدراك الإنساني . وأن إغلاق هذا المجال دون الإدراك الإنساني نكسة به إلى الوراء ؛ وهو ما تحاوله المذاهب المادية الحسية ؛ وتدعوه " تقدمية " ! وسنتحدث - إن شاء الله - بشيء من التفصيل عن " الغيب " عندما نواجه في هذه السورة قوله تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) . . فنقصر الحديث هنا عن الملائكة ، من عالم الغيب .

لقد تضمن التصور الإسلامي عن عالم الغيب ، أن هناك خلقا من عباد الله اسمهم الملائكة . وأخبرنا القرآن الكريم عن قدر من صفاتهم ، يكفي لهذا التصور ، ويكفي للتعامل معهم في حدوده فهم خلق من خلق الله ، يدين لله بالعبودية ، وبالطاعة المطلقة ؛ وهم قريبون من الله - لا ندري كيف ولا ندري نوع القرب على وجه التحديد - : ( وقالوا : اتخذ الرحمن ولدا . سبحانه ! بل عباد مكرمون ، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ) . . ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) . .

وهم يحملون عرش الرحمن ، ويحفون به يوم القيامة كذلك - لا ندري كيف فليس لنا من علم إلا بقدر

ما كشف الله لنا في هذا الغيب - : ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به . . . ) . . ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ، وقضى بينهم بالحق وقيل : الحمد لله رب العالمين ) . .

وهم خزنة الجنة وخزنة النار ، يستقبلون أهل الجنة بالسلام والدعاء ، ويستقبلون أهل النار بالتأنيب والوعيد : وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ، حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها ، وقال لهم خزنتها : ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ؟ قالوا : بلى ! ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين : قيل : ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين . وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ، حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها ، وقال لهم خزنتها : سلام عليكم ، طبتم فادخلوها خالدين . ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) . .

وهم يتعاملون مع أهل الأرض في صور شتى :

فهم يقومون عليهم حفظة بأمر الله ؛ يتابعونهم ويسجلون عليهم كل ما يصدر عنهم ؛ ويتوفونهم إذا جاء أجلهم : ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ) . . ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفطونه . . من أمر الله . . ) . . ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) . .

وهم يبلغون الوحي إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم . . وقد أعلمنا الله - سبحانه - أن جبريل عليه السلام هو الذي يقوم منهم بهذه الوظيفة : ( ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده : أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) . . ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) . . ووصفه - سبحانه - بأنه ذو مرة [ أي قوة ] وأن رسول الله [ ص ] رآه على هيئته الملائكية مرتين اثنتين ، بينما جاءه في صور شتى في مرات الوحي التالية : والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى . ذو مرة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما يرى . ولقد رآه نزلة أخرى . عند سدرة المنتهى . عندها جنة المأوى . إذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى . لقد رأى من آيات ربه الكبرى . . . . .

وهم يتنزلون على المؤمنين بالتثبيت والمدد والتأييد في معركتهم الكبرى مع الباطل والطاغوت : ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) . . ( إذ تقول للمؤمنين : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين . بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين . وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم . . ) . . ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة : أني معكم فثبتوا الذين آمنوا ، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ) . .

وهم مشغولون بأمر المؤمنين ، يسبحون ربهم ، ويستغفرون للذين آمنوا من ذنوبهم ، ويدعون ربهم لهم دعاء المحب المشفق المشغول بشأن من يحب : لذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ، ويستغفرون للذين آمنوا ، ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ، وقهم عذاب الجحيم . ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، إنك أنت العزيز الحكيم . وقهم السيئات ، ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ، وذلك هو الفوز العظيم . . وهم كذلك يبشرون المؤمنين بالجنة عند قبض أرواحهم ، ويستقبلونهم بالبشرى في الآخرة ويسلمون عليهم في الجنة : ( الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ، يقولون : سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) . . ( . . جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ، سلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدار ) . .

وهم يستقبلون الكافرين في جهنم بالتأنيب والوعيد - كما سبق - ويقاتلونهم في معارك الحق كذلك . وكذلك هم يستلون أرواحهم في تعذيب وتأنيب ومهانة : ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم : أخرجوا أنفسكم ، اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون . . ( فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ! ) . .

ولقد كان لهم شأن مع البشر منذ نشأة أبيهم آدم ، كما أن هذه الصلة امتدت في طول الحياة وعرضها حتى مجال الحياة الباقية على النحو الذي أشرنا إليه في المقتطفات القرآنية السابقة . وشأن الملائكة مع النشأة الإنسانية يرد في مواضع شتى ، كالذي جاء في سورة البقرة : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة . قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟ قال : إني أعلم ما لا تعلمون . وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ، فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين . قالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم ، فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم أقل لكم : إني أعلم غيب السماوات والأرض ، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين . . ) . .

فهذا المجال الفسيح الذي تتصل فيه حياة البشر بهذا الملأ الأعلى ، هو فسحة في التصور ، وفسحة في إدراك حقائق هذا الوجود ، وفسحة في الشعور ، وفسحة في الحركة النفسية والفكرية ، يتيحها التصور الإسلامي للمسلم ؛ والقرآن يعرض عليه هذا المجال الفسيح ، وعالم الغيب المتصل بما هو فيه من عالم الشهود .

والذين يريدون أن يغلقوا على " الإنسان " هذا المجال . . ومجال عالم الغيب كله . . إنما يريدون به أقبح الشر . . يريدون أن يغلقوا عالمه على مدى الحس القريب المحدود ؛ ويريدون بذلك أن يزجوا به في عالم البهائم ؛ وقد كرمه الله بقوة التصور ؛ التي يملك بها أن يدرك ما لا تدركه البهائم ؛ وأن يعيش في بحبوحة من المعرفة ، وبحبوحة من الشعور ! وأن ينطلق بعقله وقلبه إلى مثل هذا العالم ؛ وأن يتطهر وهو يرف بكيانه كله في مثل هذا النور !

والعرب في جاهليتهم - على كل ما في هذه الجاهلية من خطأ في التصور - كانوا [ من هذا الجانب ] أرقى من أهل الجاهلية [ العلمية ! ] الحديثة ؛ الذين يسخرون من الغيب كله ! ويعدون الإيمان بمثل هذه العوالم الغيبية سذاجة غيرعلمية ! ويضعون " الغيبية " في كفة ، و " العلمية " في الكفة الأخرى ! وسنناقش عند مواجهة قوله تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو )هذه الدعوى التي لا سند لها من العلم ، كما أنه لا سند لها من الدين . أما هنا فنكتفي بكلمة مختصرة عن شأن الملائكة .

ونسأل : ماذا عند أدعياء العقلية " العلمية " ، من علمهم ذاته ، يحتم عليهم نفي هذا الخلق المسمى بالملائكة ، وإبعاده عن دائرة التصور والتصديق ؟ ماذا لديهم من علم يوجب عليهم ذلك ؟

إن علمهم لا يملك أن ينفي وجود حياة من نوع آخر غير الحياة المعروفة في الأرض في أجرام أخرى ، يختلف تركيب جوها وتختلف طبيعتها وظروفها عن جو الأرض وظروفها . . فلماذا يجزمون بنفي هذه العوالم ، وهملا يملكون دليلا واحدا على نفي وجودها ؟

إننا لا نحاكمهم إلى عقيدتنا ، ولا إلى قول الله سبحانه ! إنما نحاكمهم إلى " علمهم " الذي يتخذونه إلها . . فلا نجد إلا أن المكابرة وحدها - من غير أي دليل من هذا العلم - هي التي تقودهم إلى هذا الإنكار " غير العلمي " ! المجرد أن هذه العوالم غيب ؟ لقد نرى حين نناقش هذه القضية أن الغيب الذي ينكرونه هو الحقيقة الوحيدة التي يجزم هذا " العلم " اليوم بوجودها ؛ حتى في عالم الشهادة الذي تلمسه الأيدي وتراه العيون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ} (9)

وقد أشير إلى الثاني بقوله سبحانه : { وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً } على أن الضمير الأول للنذير المحدث للناس عنه عليه الصلاة والسلام المفهوم من فحوى الكلام بمعونة المقام والضمير الثاني للملك لا لما رجع إليه الأول أي ولو جعلنا النذير الذي اقترحتم إنزاله ملكاً لمثلنا ذلك الملك رجلاً لعدم استطاعتكم معاينة الملك على هيكله الأصلي ، وفي إيثار «رجلاً » على بشراً إيذان على ما قيل بأن الجعل بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة وتعيين لما يقع به التمثيل ، وفيه إشعار كما قال عصام الدين وغيره بأن الرسول لا يكون امرأة وهو متفق عليه وإنما الاختلاف في نبوتها .

والعدول عن ولو أنزلناه ملكاً إلى ما في النظم الجليل يعلم سره مما تقدم في بيان المراد ، وقيل : العدول لرعاية المشاكلة لما بعد . ووجه شيخ الإسلام عدم جعل الضمير الأول للملك المذكور قبل «بأن يعكس ترتيب المفعولين ويقال : ولو جعلناه نذيراً لجعلناه رجلاً مع فهم المراد منه أيضاً بأنه لتحقيق أن مناط إبراز الجعل الأول في معرض الفرض والتقدير ومدار استلزامه للثاني إنما هو ملكية النذير لا نذيرية الملك ، وذلك لأن الجعل حقه أن يكون مفعوله الأول مبتدأ والثاني خبراً لكونه بمعنى التصيير المنقول من صار الداخل على المبتدأ والخبر ، ولا ريب في أن مصب الفائدة ومدار اللزوم بين طرفي الشرطية هو محمول المقدم لا موضوعه فحيث كانت «لو » امتناعية أريد بيان انتفاء الجعل الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني وجب أن يجعل مدار الاستلزام في الأول مفعولاً ثانياً لا محالة ولذلك جعل مقابله في الجعل الثاني كذلك إبرازاً لكمال التنافي بينهما الموجب لانتفاء الملزوم » ولا يخلو عن حسن . وجوز غير واحد كون قوله تعالى : { وَلَوْ جعلناه } الخ جواب اقتراح ثان ، وذلك أن للكفرة اقتراحين ، أحدهما : أن ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم ملك في صورته الأصلية بحيث يعاينه القوم ؛ والآخر أن ينزل إلى القوم ويرسل إليهم مكان الرسول البشر ملك فانهم كما كانوا يقولون : لولا أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ملك فيكون معه نذيراً كانوا يقولون : { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة } [ المؤمنون : 24 ] فأجيبوا عن قولهم الأول بقوله سبحانه وتعالى : { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً } [ الأنعام : 8 ] الخ وعن قولهم الأخير بما ذكر فضمير { جعلناه } للرسول المنزل إلى القوم ، ولا يخفى أن جعله جواباً عن اقتراح آخر غير ظاهر من النظم الكريم ولا داعي إليه أصلاً .

وبعضهم جعله جواباً آخر وجعل الضمير للمطلوب . واعترض بأن المطلوب أيضاً ملك ولا معنى لقولنا لو جعلنا الملك ملكاً إلا أن يقال : المراد لو جعلنا المطلوب ملكيته ملكاً ، وتعقب بأن المطلوب هو النازل المقارن للرسول صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا غبار في الكلام خلا أن لزوم جعل الملك النازل رجلاً لجعله ملكاً كما هو مفهوم الآية الثانية ينافي لزوم هلاكهم له كما هو مفهوم الآية الأولى لتوقف الثاني على عدم الأول لأن مبناه على نزوله في صورته لا في صورة رجل فحينئذ يجب أن تكون الآية جواباً عن اقتراح آخر لا جواباً آخر عن الاقتراح الأول حتى لا يلزم المنافاة .

وأجيب بأنه على تقدير كونه جواباً آخر يكون جواباً على طريق التنزل ، والمعنى ولو أنزلناه كما اقترحوا لهلكوا ولو فرضنا عدم هلاكهم فلا بد من تمثله بشراً لأنهم لا يطيقون رؤيته على صورته الحقيقية فيكون الارسال لغواً لا فائدة فيه ، وأنت تعلم أن ما عولنا عليه وهو المروي عن حبر الأمة سالم عن مثل هذه الاعتراضات . نعم ذكر بعض الفضلاء إشكالاً وهو أن المقرر عند أهل الميزان أن صدق العكس لازم لصدق الأصل فعلى هذا يلزم من كذب اللازم كذب الملزوم فههنا عكس القضية الصادقة وهي { لَوْ * جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً } غير صادق إذ هو لو جعلناه رجلاً لجعلناه ملكاً ولا خفاء في عدم تحققه فإن الله تعالى قد جعله رجلاً ولم يجعله ملكاً والجواب بأن ما ذكره أهل الميزان اصطلاح طار فلا يجب موافقة قاعدتهم لقاعدة أهل اللسان غير مرضي فإنه قد تقرر أن تلك القاعدة غير مخالفة لقاعدة اللغة وأنها مما لا خلاف فيه .

وأجيب عن ذلك بعد تمهيد مقدمة وهي أن للو الشرطية استعمالين لغوياً وهي فيه لانتفاء الثاني لانتفاء الأول كما في لو جئتني أكرمتك ومفهوم القضية عليه الأخبار بأن شيئاً لم يتحقق بسبب عدم تحقق شيء آخر ، وعرفياً تعارفه الميزانيون فيما بينهم وذلك أنهم جعلوها من أدوات الاتصال لزومياً واتفاقياً وصدق القضية التي هي فيها بمطابقة الحكم باللزوم للواقع وكذبها بعدمها ويحكمون بكذبها وإن تحقق طرفاها إذا لم يكن بينهما لزوم وقد استعملها اللغويون أيضاً في هذا المعنى إما بالاشتراك أو بالمجاز كما يقال : لو كان زيد في البلد لرآه أحد . وفي بعض الآثار «لو كان الخضر حيا لزارني » ، ومن البين أن المقصود الاستدلال بالعدم على العدم لا الدلالة على أن انتفاء الثاني سبب انتفاء الأول ، وجعلوا من هذا الاستعمال { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء : 22 ] .

وقد اشتبه هذان الاستعمالان على ابن الحاجب حتى قال ما قال بأن قول المستشكل : إن عكس القضية الصادقة الخ إن أراد به أن القضية الصادقة هي المأخوذة باعتبار الاستعمال الأول فلا نسلم أن عكسه ما ذكر فإن عكس لو جئتني أكرمتك ليس لو أكرمتك لجئتني وإنما يكون كذلك لو كان الحكم في هذا الاستعمال بين الشرط والجزاء بالاتصال وليس كذلك بل القضية هي الجملة الجزائية والشرط قيد لها كما صرح به السكاكي على أن بعض أئمة التفسير قالوا : المراد من الآية ولو جعلناه ملكاً لجعلناه على صورة رجل وأن المقصود بيان انتقاض غرضهم من قولهم :

{ لولا أنزل عليه ملك } [ الأنعام : 8 ] يعني أن نزول الملك لا يجديهم لأنهم وهم هم لا يقدرون على مشاهدة الملك على صورته التي هو عليها إلا أن يجعله متمثلاً على صورة البشر في مرتبة من مراتب التنزل حتى تحصل لهم معه مناسبة فيروه فتكون الآية على هذا بمراحل عن أن يبحث فيها عن أن عكسها ماذا أو كيف حالها في الصدق والكذب فإنها لم تسق لبيان لزوم الجعل الثاني للجعل الأول حتى يستدل بالعدم على العدم أو بالوجود على الوجود فنسبة هذا البحث إلى الآية كنسبة السمك إلى السماك وإن أراد به أن القضية الصادقة هي المأخوذة باعتبار الاستعمال العرفي المنطقي فمسلم أنه لا بد من صدق عكسها على تقدير صدق أصلها لكن لا نسلم كذب العكس هنا على ذلك التقدير فإنه إذا فرض لزوم الجعل رجلاً للجعل الأول كلياً على جميع التقادير يصدق لزوم الجعل ملكاً للجعل رجلاً على بعض الأوضاع والتقادير وهو اللازم المقرر في قواعدهم على أن قوله إن الله تعالى قد جعله رجلاً ولم يجعله ملكاً لا يليق أن يصدر مثله من مثله لأنه استدلال بعدم اللازم مع وجود الملزوم على بطلان اللزوم وهو كما لو قال قائل : إذا قلنا إن كان زيد صاهلاً كان حيواناً لا يصدق عكسه ، وهو قد يكون إذا كان زيد حيواناً كان صاهلاً لأنه ليس بصاهل في الواقع ، ومنشأ هذا هو ظن أن عدم تحقق أحد الطرفين ، أو كليهما ينافي اللزوم . وأنت خبير بأن صدق اللزوم لا يتوقف على تحقق الطرفين ولا تحقق المقدم اه .

وبحث فيه المولى العلائي أما أولاً : فبأن كون القضية هي الجملة الجزائية والشرط قيد لها كلام ذكره بعض أهل العربية ورده السيد السند وحقق اتفاق الفريقين على كون الجملة هي المجموع وحينئذ كيف يصح بناء الجواب على ذلك . وأما ثانياً : فبأن المستشكل لم يستدل بعدم اللازم مع وجود الملزوم على بطلان اللزوم كما لا يخفى على الناظر في عبارته ، فالصواب أن يقال : أكثر استعمال لو عند أهل العربية لمعنيين . الأول ما ذكره المجيب من انتفاء الثاني لانتفاء الأول . والثاني الدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة في قصد المتكلم . وذلك إذا كان الشرط يستبعد استلزامه لذلك الجزاء ويكون نقيض ذلك الشرط أنسب وأليق باستلزام ذلك الجزاء فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط وعدمه كما في «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله تعالى لم يعصه » .

وقد صرح المحققون أن الآية إما من قبيل الأول أي لو جعلناه قرينا لك ملكاً يعاينونه أو الرسول المرسل إليهم ملكاً لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل وما جعلنا ذلك الملك في صورة رجل لأنا لم نجعل القرين أو الرسول المرسل إليهم ملكاً . وإما من قبيل الثاني أي ولو جعلنا الرسول ملكاً لكان في صورة رجل فكيف إذا كان إنساناً وكل منهما لا يقبل العكس المذكور ولا ثالث فلا إشكال فتدبر . فالبحث بعد محتاج إلى بسط كلام ولو بسطناه لأمل الناظرين .

{ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } جعله بعضهم جواب محذوف أي ولو جعلناه رجلاً للبسنا الخ ، وكأن الداعي إليه إعادة لام الجواب فإنه يقتضي استقلاله وأنه لا ملازمة بين إرسال الملك ، واللبس عليهم فإنه ليس سبباً له بل لعكسه ، ويجوز أن يكون عطفاً على جواب لو المذكور ولا ضير في عطف لازم الجواب عليه ، ونكتة إعادة اللام أن لازم الشيء بمنزلته فكأنه جلماب ، واللبس في الأصل الستر بالثوب ويطلق على منع النفس من إدراك الشيء بما هو كالستر له يقال لبست الأمر على القوم ألبسه إذا شبهت عليهم وجعلته مشكلاً . قال ابن السكيت : يقال لبست عليه الأمر إذا خلطته عليه حتى لا يعرف جهته أي لخلطنا عليهم بتمثيله رجلاً ما يخلطون على أنفسهم حينئذ بأن يقولوا له : إنما أنت بشر ولست بملك ، ولو استدل على ملكيته بالمعجز كالقرآن ونحوه كذبوه كما كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، وإسناد اللبس إليه تعالى لأنه بخلقه سبحانه وتعالى أو للزومه لجعله رجلاً . ويحتمل أن يكون المعنى للبسنا عليهم حينئذ ما يلبسون على أنفسهم الساعة في تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم ونسبة آياته البينات إلى السحر ، و { مَا } على ما اختاره في «الكشف » على الأول موصولة وعلى الثاني يجوز أن تكون مصدرية وهو الأظهر لاستمرار حذف المثل في نحو ضربت ضرب الأمير ، وأن تكون موصولة أي مثل الذي يلبسونه . ومتعلق { يَلْبِسُونَ } على الوجهين على أنفسهم . ويفهم من كلام الزجاج أنه على ضعفائهم حيث قال : كانوا يلبسون على ضعفائهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون : إنما هذا بشر مثلكم فأخبر سبحانه وتعالى أنه لو جعلنا المرسل إليهم ملكاً لأريناهم إياه في صورة الرجل وحينئذ يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفاءهم منه .

وقرأ ابن محيصن { *ولبسنا } بلام واحدة والزهري { رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } بالتشديد ، هذا وقد ذكر الإمام الرازي في بيان وجه الحكمة في جعل الملك على تقدير إنزاله في صورة البشر أموراً . «الأول : أن الجنس إلى الجنس أميل . الثاني : أن البشر لا يطيق رؤية الملك . الثالث : أن طاعات الملك قوية فيستحقرون طاعات البشر وربما لا يعذرونهم في الإقدام على المعاصي .

الرابع : أن النبوة فضل من الله تعالى فيختص بها من يشاء من عباده سواء كان ملكاً أو بشراً » . ولا يخفى أنه يرد على الوجه الثالث أنه إنما يتم إذا تبدلت حقيقة الملك المقدر نزوله بحقيقة البشر وهو مع كونه من انقلاب الحقائق خلاف ما يفهم من كتب أئمة التفسير من أن التبدل صوري لا حقيقي ، وأن الوجه الرابع لا يظهر وجه كونه حكمة لتصوير الملك بصورة البشر . وقول العلائي : لعل وجهه أن المصور الذي قدر كونه نبياً لما اشتمل على جهتين البشرية صورة والملكية حقيقة لم يبعد أن يكون دليلاً على أن النبوة فضل من الله تعالى يختص بها من يشاء من عباده سواء كان ملكاً كهذا المصور باعتبار حقيقته أو بشرا مثله باعتبار صورته مما لا يتبلج له وجه القبول .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً } [ الأنعام : 9 ] ليمكنهم مشاهدته