وبعد الوصف الرئيسي العام للأعراب يجيئ التصنيف حسبما أحدث الإيمان في النفوس من تعديلات ؛ وما انشأه كذلك من فروق بين القلوب التي خالطتها بشاشته والقلوب التي بقيت على ما فيها من كفر ونفاق ؛ مما يمثل الواقع في المجتمع المسلم حينذاك :
( ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ، ويتربص بكم الدوائر . عليهم دائرة السوء ، واللّه سميع عليم ) . .
وربما عجل بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم ، إلحاقاً لهم بمنافقي المدينة الذين كان يتحدث عنهم في المقطع السالف كله ؛ وليتصل جو الحديث عن المنافقين من هؤلاء ومن هؤلاء .
( ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ) . .
فهو مضطر لأن ينفق من ماله في الزكاة ، وفي غزوات المسلمين ؛ تظاهراً بالإسلام ، ليستمتع بمزايا الحياة في المجتمع المسلم ، ومداراة للمسلمين وهم أصحاب السلطان اليوم في الجزيرة ! وهو يعد ما ينفقه غرامة وخسارة يؤديها كارهاً ، لا مساعدة للغزاة المجاهدين ، ولا حباً في انتصار الإسلام والمسلمين .
وينتظر متى تدور الدائرة على المسلمين ، ويتمنى ألا يعودوا من غزاة سالمين !
وهنا يعاجلهم السياق بدعاء من اللّه - سبحانه - عليهم ؛ ودعاء اللّه معناه وقوع مدلول الدعاء عليهم :
كأن للسوء دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم ؛ وتدور عليهم فلا تدعهم . وذلك من باب تجسيم المعنوي وتخييله ، الذي يعمق وقع المعنى ويحييه .
والسمع والعلم يتناسبان هنا مع جو التربص بالسوء من أعداء الجماعة المسلمة ، والنفاق الذي تحتويه جوانحهم ، وتخفيه ظواهرهم . . واللّه سميع لما يقولون عليم بما يظهرون وما يكتمون .
{ وَمِنَ الاعراب } أي من جنسهم الذي نعت بنعت بعض أفراده . وقيل : من الفريق المذكور { مَن يَتَّخِذُ } أي يعد { مَا يُنفِقُ } أي يصرفه في سبيل الله تعالى ويتصدق به كما يقتضيه المقام { مَغْرَمًا } أي غرامة وخسراناً من الغرا بمعنى الهلاك ، وقيل : من الغرم وهو نزول نائبة بالمال من غير جناية ، وأصله من الملازمة ومنه قيل لكل من المتداينين غريم ، وإنما أعدوه كذلك لأنهم لا ينفقونه احتساباً ورجاء لثواب الله تعالى ليكون لهم مغنما وإنما ينفقونه تقية ورئاء الناس فيكون غرامة محضة ، وما في صيغة الاتخاذ من معنى الاختيار والانتفاع بما يتخذ إنما هو باعتبار غرض المنفق من الرياء والتقية لا باعتبار ذات النفقة أعني كونها غرامة { وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر } أي ينتظر بكم نوب الدهر ومصائبه التي تحيط بالمرء لينقلب بها أمركم ويتبدل بها حالكم فيتخلص مما ابتلي به { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء } دعاء عليهم بنحو ما يتربصون به ، وهو اعتراض بين كلامين كما في قوله تعالى : { وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } [ المائدة : 64 ] الخ ، وجوز أن تكون الجملة اخباراً عن وقوع ما يتربصون به عليهم ، والدائرة اسم للنائبة وهي في الأصل مصدر كالعافية والكاذبة أو اسم فاعل من دار يدور وقدم تمام الكلام عليها ، و { السوء } في الأصل مصدر أيضاً ثم أطلق على كل ضرر وشر وقد كان وصفاً للدائرة ثم أضيفت إليه فالإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته كما في قولك : رجل صدق وفيه من المبالغة ما فيه ، وعلى ذلك قوله تعالى : { مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء } [ مريم : 28 ] وقيل : معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فالإضافة للبيان والتأكيد كما قالوا : شمس النهار ولحيا رأسه . وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو { السوء } هنا وفي ثانية الفتح بالضم وهو حينئذ اسم بمعنى العذاب وليس بمصدر كالمفتوح وبذلك فورق الفراء بينهما : وقال أبو البقاء : السوء بالضم الضرر وهو مصدر في الحقيقة يقال : سؤته سوءا ومساءة ومسائية وبالفتح الفساد والرداءة ، وكأنه يقول بمصدرية كل منهما في الحقيقة كما فهمه الشهاب من كلامه ، وقال مكي : المفتوح معناه الفساد والمضمون معناه الهزيمة والضرر وظاهره كما قيل إنهما اسمان { والله سَمِيعٌ } بمقالاتهم الشنيعة عند الانفاق { عَلِيمٌ } بنياتهم الفاسدة التي من جملتها أن يتربصوا بكم الدوائر ، وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا } [ التوبة : 98 ] غرامة وخسرانا ، قيل : كل من يرى الملك لنفسه يكون ما ينفق غرامة عنده وكل من يرى الأشياء لله تعالى وهي عارية عنده يكون ما ينفق غنماً عنده
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.