في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (100)

97

وبعد تصنيف الأعراب على وجه الإجمال يستطرد السياق في تصنيف المجتمع كله . . حاضره وباديه . . إلى أربع طبقات إيمانية : السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان . والمنافقين الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة ومن الأعراب . والذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً . والذين أرجئ الحكم في أمرهم حتى يقضي اللّه فيهم بقضائه :

( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ، خالدين فيها أبدا ، ذلك الفوز العظيم )

( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة ، مردوا على النفاق ، لا تعلمهم نحن نعلمهم ، سنعذبهم مرتين ، ثم يردون إلى عذاب عظيم . )

وآخرون اعترفوا بذنوبهم . خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا . عسى اللّه أن يتوب عليهم إن اللّه غفور رحيم .

خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ، واللّه سميع عليم .

ألم يعلموا أن اللّه يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ، وان اللّه هو التواب الرحيم ?

وقل : اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون ، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون .

( وآخرون مُرجون لأمر اللّه ، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ، واللّه عليم حكيم ) .

والظاهر أن هذا التصنيف قد نزلت به هذه الآيات بعد العودة من تبوك ؛ وبعد اعتذار من اعتذر من المنافقين المتخلفين ؛ ومن المؤمنين المتخلفين كذلك . سواء منهم من اعتذر صادقا ومن ربط نفسه بسارية المسجد حتى يحله رسول اللّه - [ ص ] - ومن لم يعتذر بشيء راجياً أن يقبل اللّه توبته بصدقه ، وهم الثلاثة الذين خلفوا فلم يحكم في شأنهم بشيء حتى تاب اللّه عليهم وقبل توبتهم - كما سيجيء - وكان مجموع هؤلاء يمثل صنوف الناس من حول الدعوة في الجزيرة بعد غزوة تبوك . وكان اللّه - سبحانه - يكشف أرض الحركة كلها وما عليها ومن عليها لرسوله - [ ص ] - ومن معه من المؤمنين الخلص ، هذا الكشف النهائي الكامل قرب نهاية المطاف في الجولة الأولى لهذا الدين ، في موطنه الأول ، قبل أن ينطلق إلى الأرض كلها بإعلانه العام بالعبودية للّه وحده والدينونة له وحده ، وتحرير " الإنسان " في " الأرض " من العبودية للعباد في شتى الصور والأشكال .

ولا بد للحركة الإسلامية حين تنطلق أن تتكشف لها أرض المعركة ، وما عليها ومن عليها ، فهذا التكشف ضروري لكل خطوة ؛ حتى يعرف أصحاب الحركة مواضع أقدامهم في كل خطوة في الطريق .

( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ، ذلك الفوز العظيم ) . .

وهذه الطبقة من المسلمين - بمجموعاتها الثلاث : ( السابقون الأولون من المهاجرين . والأنصار . والذين اتبعوهم بإحسان )- كانت تؤلف القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم في الجزيرة بعد الفتح - كما أسلفنا في الجزء العاشر في تقديم السورة وكانت هي التي تمسك هذا المجتمع كله في كل شدة ، وفي كل رخاء كذلك : فابتلاء الرخاء كثيراً ما يكون أصعب وأخطر من ابتلاء الشدة !

والسابقون من المهاجرين نميل نحن إلى اعتبار أنهم هم الذين هاجروا قبل بدر ، وكذلك السابقون منالأنصار . أما الذين اتبعوهم بإحسان - الذين يعنيهم هذا النص وهو يتحدث عما كان واقعاً إبان غزوة تبوك - فهم الذين اتبعوا طريقهم وآمنوا إيمانهم وأبلوا بلاءهم بعد ذلك ، وارتفعوا إلى مستواهم الإيماني - وإن بقيت للسابقين سابقتهم بسبقهم في فترة الشدة قبل بدر ، وهي أشد الفترات طبعاً .

وقد وردت أقوال متعددة في اعتبار من هم السابقون من المهاجرين والأنصار . فقيل : هم الذين هاجروا ونصروا قبل بدر وقيل : هم الذين صلوا للقبلتين . وقيل : هم أهل بدر . وقيل : هم الذين هاجروا ونصروا قبل الحديبية . وقيل : هم أهل بيعة الرضوان . . . ونحن نرى من تتبعنا لمراحل بناء المجتمع المسلم وتكون طبقاته الإيمانية ، أن الاعتبار الذي اعتبرناه أرجح . . واللّه أعلم . .

ولعله يحسن أن نعيد هنا فقرات مما سبق أن فصلناه في الجزء العاشر عن مراحل بناء المجتمع المسلم وتكون طبقاته الإيمانية ، يكون حاضراً بين يدي قارئ هذا الجزء ، خيراً من إحالته إلى الجزء السابق ؛ لتكون هذه الحقيقة قريبة منه يتتبع على ضوئها ذلك التصنيف النهائي للمجتمع في الآيات التي نواجهها هنا :

" لقد ولدت الحركة الإسلامية في مكة على محك الشدة ، فلم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش - تحس بالخطر الحقيقي الذي يتهددها من دعوة : " أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمداً رسول اللّه " وما تمثله من ثورة على كل سلطان أرضي لا يستمد من سلطان اللّه ؛ ومن تمرد نهائي على كل طاغوت في الأرض والفرار منه إلى اللّه . ثم بالخطر الجدي من التجمع الحركي العضوي الجديد الذي أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة رسول اللّه - [ ص ] - هذا التجمع الذي يدين منذ اليوم الأول بالطاعة للّه ولرسول اللّه ؛ ويتمرد ويخرج على القيادة الجاهلية الممثلة في قريش والأوضاع السائدة في هذه الجاهلية .

" لم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش أول الأمر - تحس بهذا الخطر وذاك حتى شنتها حرباً شعواء على الدعوة الجديدة . . وعلى التجمع الجديد ، وعلى القيادة الجديدة ؛ وحتى أرصدت لها كل ما في جعبتها من أذى ومن كيد ومن فتنة ومن حيلة . .

" لقد انتفض التجمع الجاهلي ليدفع عن نفسه الخطر الذي يتهدد وجوده بكل ما يدفع به الكائن العضوي خطر الموت عن نفسه . وهذا هو الشأن الطبيعي الذي لا مفر منه كلما قامت دعوة إلى ربوبية اللّه للعالمين ، في مجتمع جاهلي يقوم على أساس من ربوبية العباد للعباد ؛ وكلما تمثلت الدعوة الجديدة في تجمع حركي جديد ، يتبع في تحركه قيادة جديدة ، ويواجه التجمع الجاهلي القديم مواجهة النقيض للنقيض . .

" وعندئذ تعرض كل فرد في التجمع الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها ، إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان . . ويومئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه ، والانضمام إلى التجمع الإسلامي الوليد ، والدينونة لقيادته الجديدة ، إلا كل من نذر نفسه للّه ؛ وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب ، والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان .

" بذلك تكونت للإسلام قاعدة صلبة من أصلب العناصر عوداً في المجتمع العربي ؛ فأما العناصر التي لم تحتمل هذه الضغوط فقد فتنت عن دينها وارتدت إلى الجاهلية مرة أخرى ؛ وكان هذا النوع قليلاً ؛ فقد كان الأمر كله معروفا مكشوفا من قبل ؛ فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام ، وقطع الطريق الشائك الخطر المرهوب ؛ إلا العناصر المختارة الممتازة الفريدة التكوين .

" وهكذا اختار اللّه السابقين من المهاجرين من تلك العناصر الفريدة النادرة ، ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين في مكة ؛ ثم ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين بعد ذلك في المدينة مع السابقين من الأنصار ، الذين وإن كانوا لم يصطلوها في أول الأمر كما اصطلاها المهاجرون ، إلا أن بيعتهم لرسول اللّه - [ ص ] - [ بيعة العقبة ] قد دلت على أن عنصرهم ذو طبيعة أصيلة مكافئة لطبيعة هذا الدين . . قال ابن كثير في التفسير : " وقال محمد بن كعب القرظي وغيره : قال عبد اللّه بن رواحة رضي اللّه عنه لرسول اللّه - [ ص ] - [ يعني ليلة العقبة ] : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . فقال : " أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ؛ وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم " . قالوا : فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك ? قال : " الجنة " . قالوا : ربح البيع ، ولا نقيل ولا نستقيل " .

" ولقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول اللّه هذه البيعة ؛ ولا يرتقبون من ورائها شيئاً إلا الجنة ؛ ويوثقون هذا البيع ، فيعلنون أنهم لا يقبلون أن يرجعوا فيه ولا أن يرجع فيه رسول الله [ ص ] ! يعلمون أنهم لا يبايعون على أمر هين ؛ بل كانوا مستيقنين أن قريشا وراءهم ، وأن العرب كلها سترميهم ؛ وأنهم لن يعيشوا في سلام مع الجاهلية الضاربة الأطناب من حولهم في الجزيرة ، وبين ظهرانيهم في المدينة " . .

. . . " فقد كان الأنصار إذن يعلمون - عن يقين واضح - تكاليف هذه البيعة ؛ وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئاً في هذه الحياة الدنيا - حتى ولا النصر والغلبة - وأنهم لم يوعدوا عليها إلا الجنة . . ثم كان هذا مدى وعيهم بها ومدى حرصهم عليها . . فلا جرم أن يكونوا - مع السابقين من المهاجرين الذين بُنوا هذا البناء وأعدوا هذا الإعداد - هم القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم أول العهد بالمدينة . .

" ولكن مجتمع المدينة لم يظل بهذا الخلوص والنقاء . . لقد ظهر الإسلام وفشا في المدينة واضطر أفراد كثيرون - ومعظمهم من ذوي المكانة في قومهم - أن يجاروا قومهم احتفاظاً بمكانتهم فيهم . . حتى إذا كانت وقعة بدر قال كبير هؤلاء : عبد اللّه بن أبي بن سلول : هذا أمر قد توجه ! وأظهر الإسلام نفاقا . ولا بد أن كثيرين قد جرفتهم الموجة فدخلوا في الإسلام تقليداً - ولو لم يكونوا منافقين - ولكنهم لم يكونوا بعد قد فقهوا في الإسلام ولا انطبعوا بطابعه . . مما أنشأ تخلخلاً في بناء المجتمع المدني ، ناشئاً عن اختلاف مستوياته الإيمانية . "

وهنا أخذ المنهج القرآني التربوي الفريد ، بقيادة رسول اللّه - [ ص ] - يعمل عمله في هذه العناصر الجديدة ؛ ويعمل كذلك على إعادة التناسق والتوافق بين المستويات العقيدية والخلقية والسلوكية للعناصر المختلفة الداخلة في جسم المجتمع الوليد .

" وحين نراجع السور المدنية - بترتيب النزول التقريبي - فإننا نطلع على الجهد الكبير الذي بذل في عملية الصهر الجديدة المستمرة للعناصر المتنوعة في المجتمع المسلم ؛ وبخاصة أن هذه العناصر ظلت تتوارد على هذا المجتمع - على الرغم من وقفة قريش العنيدة وتأليبها لكل قبائل الجزيرة ؛ ومن وقفة اليهود البشعة وتأليبهم كذلك للعناصر المعادية للدين الجديد والتجمع الجديد - وظلت الحاجة مستمرة لعمليات الصهر والتنسيق بصورة دائمة لا تفتر ولا تغفل لحظة .

" ومع هذا الجهد كله كانت ما تزال تظهر بين الحين والحين - وبخاصة في فترات الشدة - أعراض من الضعف والنفاق والتردد ، والشح بالنفس والمال ، والتهيب من مواجهة المخاطر . . وبصفة خاصة أعراض من عدم الوضوح العقيدي الذي يحسم في العلاقة بين المسلم وقرابته من أهل الجاهلية . . والنصوص القرآنية في السور المتوالية تكشف لنا عن طبيعة هذه الأعراض التي كان المنهج القرآني يتعرض لها بالعلاج بشتى أساليبه الربانية الفريدة .

. . . " إلا أن قوام المجتمع المسلم في المدينة كان يظل سليماً في جملته بسبب اعتماده أساساً على تلك القاعدة الصلبة الخالصة من السابقين من المهاجرين والأنصار ؛ وما تحدثه من تماسك وصلابه في قوامه في وجه جميع الأعراض والظواهر والخلخلة أحياناً ، والتعرض للمخاطر التي تكشف عن هذه العناصر التي لم يتم بعد صهرها ونضجها وتماسكها وتناسقها .

" وشيئاً فشيئاً كانت هذه العناصر تنصهر وتتطهر وتتناسق مع القاعدة ، ويقل عدد الناشزين من ضعاف القلوب ومن المنافقين ، ومن المترددين كذلك والمتهيبين ومن لم يتم في نفوسهم الوضوح العقيدي الذي يقيمون على أساسه كل علاقاتهم مع الآخرين . حتى إذا كان قبيل فتح مكة كان المجتمع الإسلامي أقرب ما يكون إلى التناسق التام مع قاعدته الصلبة الخالصة ، وأقرب ما يكون بجملته إلى النموذج الذي يهدف إليه المنهج التربوي الرباني الفريد . .

" نعم إنه كانت في هذا المجتمع ما تزال هناك أقدار متفاوتة أنشأتها الحركة العقيدية ذاتها ؛ فتميزت مجموعات من المؤمنين بأقدارها على قدر بلائها في الحركة وسبقها وثباتها . . تميز السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار . وتميز أهل بدر . وتميز أصحاب بيعة الرضوان في الحديبية . ثم تميز بصفة عامة الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا . وجاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية ، والأوضاع العملية في المجتمع المسلم ، تؤكد هذه الأقدار التي أنشأتها الحركة بالعقيدة ، وتنص عليها . . . " .

. . . " ولكن تميز هذه الطبقات بأقدارها الإيمانية التي أنشأتها الحركة الإسلامية ، لم يكن مانعاً أن تتقارب المستويات الإيمانية وتتناسق في مجتمع المدينة قبيل الفتح ؛ وأن يتوارى الكثير من أعراض الخلخلة في الصف ، والكثير من ظواهر الضعف والتردد ، والشح بالنفس والمال ، وعدم الوضوح العقيدي ، والنفاق . . . من ذلك المجتمع . بحيث يمكن اعتبار المجتمع المدني بجملته هو القاعدة الإسلامية .

" إلا أن فتح مكة في العام الثامن الهجري ، وما أعقبه من استسلام هوازن وثقيف في الطائف - وهما آخر قوتين كبيرتين بعد قريش في الجزيرة - قد عاد فصب في المجتمع المسلم أفواجاً جديدة كثيرة دخلت في الدين مستسلمة على درجات متفاوتة من المستويات الإيمانية وفيهم كارهون للإسلام منافقون ؛ وفيهم المنساقون إلى الإسلام الظاهر القاهر ؛ وفيهم المؤلفة قلوبهم دون انطباع بحقائق الإسلام الجوهرية ولا امتزاج بروحه الحقيقية . . . " .

ومن هذه المقتطفات يتضح لنا مركز السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بعد ذلك( بإحسان )يصل بهم إلى مستواهم الإيماني وبلائهم الحركي . وندرك حقيقة دورهم الباقي في بناء الإسلام وترجمته إلى واقع عملي يبقي مؤثراً في التاريخ البشري كله ، كما نستشرف حقيقة قول اللّه سبحانه فيهم :

( رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ) . .

ورضى اللّه عنهم هو الرضى الذي تتبعه المثوبة ، وهو في ذاته أعلى وأكرم مثوبة ؛ ورضاهم عن اللّه هو الاطمئنان إليه سبحانه ، والثقة بقدره ، وحسن الظن بقضائه ، والشكر على نعمائه ، والصبر على ابتلائه . . ولكن التعبير بالرضى هنا وهناك يشيع جو الرضى الشامل الغامر ، المتبادل الوافر ، الوارد الصادر ، بين اللّه سبحانه وهذه الصفوة المختارة من عباده ؛ ويرفع من شأن هذه الصفوة - من البشر - حتى ليبادلون ربهم الرضى ؛ وهو ربهم الأعلى ، وهم عبيده المخلوقون . . وهو حال وشأن وجو لا تملك الألفاظ البشرية أنتعبر عنه ؛ ولكن يُتنسم ويُستشرف ويستجلى من خلال النص القرآني بالروح المتطلع والقلب المتفتح والحس الموصول !

ذلك حالهم الدائم مع ربهم : ( رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ) . وهناك تنتظرهم علامة هذا الرضى :

( وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ) . . ( ذلك الفوز العظيم ) . .

وأي فوز بعد هذا وذلك عظيم ? ? ?

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ} (100)

{ والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين } بيان لفضائل أشراف المسلمين إثر بيان طائفة منهم ، والمراد بهم كما روي عن سعيد . وقتادة . وابن سيرين . وجماعة الذين صلوا إلى القبلتين ، وقال عطاء بن رباح : هم أهل بدر ، وقال الشعبي : هم أهل بيعة الرضوان وكانت بالحديبية ، وقيل : هم الذين أسلموا قبل الهجرة { والانصار } أهل بيعة العقبة الأولى وكانت في سنة إحدى عشرة من البعة وكانوا على ما في بعض الروايات سبعة نفر وأهل بيعة العقبة الثانية وكانت في سنة اثنتي عشرة وكانوا سبعين رجلاً وامرأتين . والذين أسلموا حين جاءهم من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وكان قد أرسله عليه الصلاة والسلام مع أهل العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } أي متلبسين به ، والمراد كل خصلة حسنة ، وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين على أن { مِنْ } تبعيضة أو الذين أتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة فالمراد بالسابقين جميع المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم ، ومعنى كونهم سابقين أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمون وكثير من الناس ذهب إلى هذا . روي عن حميد بن زياد أنه قال : قلت : يوماً لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان بينهم من الفتن فقال لي : إن الله تعالى قد غفر لجميعهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم فقلت له : في أي موضع أوجب لهم الجنة ؟ فقال : سبحان الله الا تقرأ قوله تعالى : { والسابقون الاولون } الآية فتعلم أنه تعالى أوجب لجيمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطاً قلت : وما ذلك الشرط ؟ قال : شرط عليهم أن يتبعوهم باحسان وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدوا بهم في غير ذلك أو يقال : هو أن يتبعوهم بإحسان في القول وان لا يقولوا فيهم سوءاً وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه ، قال حميد بن زياد : فكأني ما قرأت هذه الآية قط ، وعلى هذا تكون الآية متضمنة من فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما لم تتضمنه على التقدير الأول .

واعترض القطب على التفاسير السابقة للسابقين من المهاجرين بأن الصلاة إلى القبلتين وشهود بدر وبيعة الرضوان مشتركة بين المهاجرين والأنصار . وأجيب بأن مراد من فسر تعيين سبقهم لصحبتهم ومهاجرتهم له صلى الله عليه وسلم على من عداهم من ذلك القبيل . واختار الإمام أن المراد بالسابقين من المهاجرين السابقون في الهجرة ومن السابقين من الأنصار السابقون في النصرة وادعى أن ذلك هو الصحيح عنده ، واستد عليه بأنه سبحانه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيما ذا فبقى اللفظ مجملاً إلا أنه تعالى لما وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً علم أن المراد من السبق السبق في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ ، وأيضاً كل واحدة من الهجرة والنصرة لكونه فعلاً شاقاً على النفس طاعة عظيمة فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره الشريف عليه الصلاة والسلام فلذلك أثني الله تعالى على كل من كان سابقاً إليهما وأثبت لهم ما أثبت ، وكيف لا وهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف فقوى الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين بإسلامهم وقوى قلبه صلى الله عليه وسلم بسبب دخولهم في الإسلام واقتداء غيرهم بهم فكان حالهم في ذلك كحال من سن سنه حسنة ؛ وفي الخبر «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » ولا يخفى أنه حسن .

ويجوز عندي أن يراد بالسابقين الذين سبقوا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر واتخاذ ما ينفقون قربات والقرينة على ذلك ظاهرة ، وأياماً كان فالسابقون مبتدأ خبره قوله تعالى : { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } أي بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم { وَرَضُواْ عَنْهُ } بما نالوه من النعم الجليلة الشأن . وجوز أبو البقاء أن يكون الخبر { الاولون } أو { مِنَ المهاجرين } وأن يكون { السابقون } معطوفاً على { مَن يُؤْمِنُ } [ التوبة : 99 ] أي ومنهم السابقون وما ذكرناه أظهر الوجوه . وعن عمر رضي الله تعالى عنه انه قرأ { والانصار } بالرفع على أنه معطوف على السابقون .

وأخرج أبو عبيدة . وابن جرير . وابن المنذر . وغيرهم عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقرأ بأسقاط الواو من { والذين اتبعوهم } فيكون الموصول صفة الأنصار جنى قال له زيد : إنه بالواو فقال ائتوني بأبي بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال : هي بالواو فتابعه . وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة . ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا : مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ { والذين } بالواو فقال : من أقرأك هذه ؟ فقال : أبي فأخذ به إليه فقال : يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هكذا قال أبي : صدق وقد تلقنتها كذلك من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : أنت تلقنتها كذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : نعم فأعاد عليه فقال في الثالثة وهو غضبان : نعم والله لقد أنزلها الله على جبريل عليه السلام وأنزلها جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه فخرج عمر رافعاً يديه وهو يقول الله أكبر الله أكبر .

وفي رواية أخرجها أبو اأبي شيخ أيضاً عن محمد بن كعب أن أبياً رضي الله تعالى عنه : تصديق هذه الآية في أول الجمعة

{ وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ } [ الجمعة : 3 ] وفي أوسط الحشر { والذين جَاءوا مِن بَعْدِهِمْ } [ الحشر : 10 ] وفي آخر الأنفال { والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ } [ الأنفال : 75 ] الخ ، ومراده رضي الله تعالى عنه أن هذه الآيات تدل على أن التابعين غير الأنصار ، وفيها أن عمر رضي الله تعالى عنه قال : لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا وأراد اختصاص السبق بالمهاجرين ، وظاهر تقديم المهاجرين على الأنصار مشعر بأنهم أفضل منهم وهو الذي يدل عليه قصة السقيفة ، وقد جاء في فضل الأنصار ما لا يحصى من الأخبار . ومن ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار " .

وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله تعالى بحنين في أهل مكة من قريش وغيرهم فغضب الأنصار فأتاهم فقال : «يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناساً أتألفهم على الإسلام لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم وقد أدخل الله تعالى قلوبهم الإسلام ثم قال : يا معشر الإسلام ألم يمن الله تعالى عليكم بالإيمان وخصكم بالكرامة وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله تعالى وأنصار روسله عليه الصلاة والسلام ولولا الهجرة لكنت أمرءاً من الأنصار ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم البعير والشاء وتذهبون برسول الله ؟ فقالوا : رضينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أجيبوني فيما قلت . قالوا : يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور ، وجدتنا على شفا حفرة من النار فانقذنا الله بك ، وجدتنا ضلالاً فهدانا الله تعالى بك فرضينا بالله تعالى ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، فقال عليه الصلاة والسلام : لو اجببتموني بغير هذا القول لقلت : صدقتم لو قلتم ألم تأتنا طريدا فآويناك ؟ ومكذبا فصدقناك ؟ ومخذولا فنصرناك وقبلنا ما رد الناس عليك لصدقتم ، قالوا : بل لله تعالى ولرسوله المن والفضل علينا وعلى غيرنا " فانظر كيف قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف أجابوه رضي الله تعالى عنهم { وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا * الانهار } أي هيأ لهم ذلك في الآخرة . وقرأ ابن كثير { مِن تَحْتِهَا } وأكثر ما جاء في القرآن موافق لهذه القراءة { خالدين فِيهَا أَبَداً } من غير انتهاء { ذلك الفوز العظيم } أي الذي لا فوز وراءه ، وما في ذلك من معنى البعد قيل لبيان بعد منزلتهم في الفضل وعظم الدرجة من مؤمني الأعراب ، ولا يخفى أن هذا لا يكاد يصح إلا بتكلف ما إذا أريد من الذين اتبعوهم صنف آخر غير الصحابة لأن الظاهر أن مؤمني الأعراب صحابة ولا يفضل غير صحابي صحابياً كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " وقوله صلى الله عليه وسلم : " أمتى كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره " من باب المبالغة .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ والسابقون الأولون } أي الذين سبقوا إلى الوحدة من أهل الصنف الأول { مِنَ المهاجرين } وهم الذين هجروا مواطن النفس { والانصار } وهم الذين نصروا القلب بالعلوم الحقيقية على النفس { والذين اتبعوهم } في الاتصاف بصفات الحق { بإحسان } أي بمشاهدة من مشاهدات الجمال والجلال { رَضِيَ الله * تَعَالَى * عَنْهُمْ } بما أعطاهم من عنايته وتوفيقه { وَرَضُواْ عَنْهُ } بقبول ما أمر به سبحانه وبدل أموالهم ومهجهم في سبيل عز شأنه { وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات } من جناب الأفعال والصفات { تَجْرِى مِن تَحْتهَا الأنهار } [ التوبة : 100 ] وهي أنهار علوم التوكل والرضا ونحوهما ووراء هذه الجنات المشتركة بين المتعاطفات جنة الذات وهي مختصة بالسابقين .